فروع الفقه لابن عبدالهادي

من 2108-02-19 وحتى 2018-07-14
مشاركة هذه الفقرة

الصلاة

المعاملات

الأطعمة والأشربة

عدد المشاهدات : 843
الاربعاء 23 جمادى آخر 1438هـ - الموافق 22 مارس 2017 م

الطهارة الصغرى - الوضوء

قال رحمه الله: "وأما الطهارة فهي صغرى، وهي الوضوء، يحتوي على سُنة، وهو التسمية، وغسل الكفين قبله ثلاثًا، والغسلة الثانية والثالثة، وتخليل الأصابع واللحية، والمبالغة في المضمضة والاستنشاق، والسواك والتيامن".

قوله رحمه الله:"وأما الطهارة فهي صغرى، وهي الوضوء"، هذا شروع في تقسيم الطهارة إلى قسمين:

الفقهاء يقسمون الطهارة إلى قسمين:

طهارة صغرى، هذا القسم الأول.

وطهارة كبرى، وهذا القسم الثاني.

والطهارة الصغرى هي الوضوء،

والطهارة الكبرى هي الغُسل.

وسبب تسمية الوضوء طهارة صغرى؛ لأنها متعلقة ببعض الأعضاء، لذلك تُسمَّى طهارة صغرى؛ لتعلقها ببعض الأعضاء،

وأما الطهارة الكبرى فهي الغُسل، وسميت بهذا لأنها متعلقة بجميع البدن، كما دلت عليه آية المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ هذه الطهارة الصغرى المتعلقة ببعض الأعضاء، ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواالمائدة: 6، وهذا يعم البدن كله، ولذلك سُمِّيت الطهارة الكبرى.

سنن الوضوء

قسم -رحمه الله- الحديث عن الطهارة الصغرى -وهي الوضوء- وفق الأعمال الحاصلة فيه، وحكم تلك الأعمال.

قوله رحمه الله:"يحتوي على سُنة" وعدَّ من السنن جُملة،

قوله رحمه الله:"وهو التسمية، وغسل اليدين قبله ثلاثًا، والغسلة الثانية والثالثة، وتخليل الأصابع واللحية، والمبالغة في المضمضة والاستنشاق والسواك".

السُّنة هي ما يُثاب على فعله، ولا يعاقَب على تركه. هذا ضابطها وحدها في كلام الأصوليين: ما يثاب على فعله، ولا يُعاقب على تركه، وقال بعضهم في تعريف السُّنة: هي ما طلب الشارع فعْلَه طلبًا غير جازم.

وسُنن الوضوء كثيرة، ما ذكره المصنف -رحمه الله- من سنن الوضوء عشر، وقد زاد بعضهم، حتى أوصلها بعض الفقهاء إلى إحدى وعشرين سُنة، وعلى كل حالٍ الأمر في هذا قريب، ما ذكره رحمه الله تقريبًا.

ذكر التسمية، والتسمية اختلف العلماء فيها، جمهور العلماء على أنها سُنة، وذهب طائفة من أهل العلم إلى الوجوب، وهو الذي عليه الأصحاب؛ أي: الحنابلة.

قوله رحمه الله:"وغسل اليدين قبله ثلاثًا"؛ أي: قبل الشروع في الوضوء.

قوله رحمه الله: "والغسلة الثانية والثالثة"؛ أي غسل الأعضاء مرتين وثلاثًا،

قوله رحمه الله: "وتخليل الأصابع"؛ أي: إيصال الماء إلى ما بين الأصابع،

قوله رحمه الله:"واللحية"؛ أي: إيصال الماء إلى اللحية الكثيفة، فالتخليل في اللحية هو في اللحية الكثيفة، وهي ما يستر لون البشرة، أما ما يبدو من ورائه لون البشرة فإنه يجب غسله.

قوله رحمه الله:"والمبالغة في المضمضة"؛ أي: في إدارة الماء في الفم،

قوله رحمه الله:"والاستنشاق"؛ أي: في جذبه إلى أقصى الأنف،

قوله رحمه الله: "والسواك"؛ أي: ومن سنن الوضوء استعمال السواك في أوله أو أثنائه.

قوله رحمه الله:"والتيامن"؛ أي البداءة باليمين، فالإجماع منعقد على أنه لو بدأ باليسار في وضوئه قبل يمينه سواء في يده أو في رجله، فإنه يصح وضوءه.

واجبات الوضوء

قال رحمه الله:"وأما الواجب: فغسل الأعضاء الثلاثة، ومسح الرأس مع الأذنين، والترتيب، والموالاة، والنية".

الواجب: هو ما يُثاب على فعله ويُعاقب على تركه.

هذا تعريفه في كلام الأصوليين والفقهاء"ما يُثاب على فعله ويُعاقَب على تركه".

وقيل: "هو ما طلب الشارع فعله على وجه الإلزام".

وقد جاء بيان الواجب في الوضوء في آية المائدة، حيث قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِالمائدة: 6.

وهو ما ذكره المصنف رحمه الله هنا في قوله:"وأما الواجب"؛ يعني: من أفعال الوضوء.

قوله رحمه الله:"فغسل الأعضاء الثلاثة"، وهي الوجه، واليدان إلى المرفقين، والرجلان إلى الكعبين، هذه هي الأعضاء الثلاثة التي أشار إليها، وذكرها مجموعة؛ لأنها تشترك في الحكم وهو الغسل.

قوله رحمه الله:"ومسح الرأس مع الأذنين"، وذلك بمسح الرأس، والأذنان تابعان للرأس.

قوله رحمه الله:"والترتيب"، هذا هو الواجب الخامس من واجبات الوضوء: الترتيب، أي بين أعضاء الطهارة، ودليل ذلك الآية، وهذا الذي عليه جمهور العلماء.

قوله رحمه الله:"والموالاة"، والمقصود بالموالاة: ألا يفصل بين أعضاء الطهارة بفاصل يجف فيه العضو الذي قبله.

وآخر ما ذكره رحمه الله من الواجبات النية، وذكره للنية هنا وتأخير ذكرها ليس لنزول مرتبتها، بل النية لا بد منها في أول العمل، وإنما ذكرها في جملة ما يُطلب فعله، وأما هي فهي شرط لصحة الصلاة، وشرط لصحة الوضوء، وهي شرط في جميع العبادات، فذكرها هنا في جملة ذكر الواجبات؛ أي: المطلوبات، بغض النظر عن منزلتها، فالواجب يُطلق على الشرط، والواجب يُطلق على الركن، والواجب يُطلق على ما دون ذلك من الأمور المطلوبة في العمل، ولو لم تكن مؤثرة فسادًا فيما إذا غفل عنها الإنسان، أو فيما إذا أخل بها. فذِكر الواجب يشمل كل ما يُطلَب فعله، سواء كان شرطًا، أو كان ركنًا، أو كان واجبا اصطلاحيًّا، وهو ما يُجبَر بجابر إذا تركه، كما هو في واجبات الصلاة على سبيل المثال.

قوله رحمه الله:"والنية" لا يُشكل عليك أن النية شرط، فكيف يذكرها في جملة الواجبات! لأن كل شرط واجب، وكل ركن واجب؛ أي: ثابت يُطلَب فعله،

 فقوله رحمه الله:"والنية" من جُملة ما ذكر من الواجبات.

هذه الواجبات متفق عليها في الجملة، وإن كان ثَمَّة خلاف في مسألة الترتيب ومسألة الموالاة، وكذلك في مسألة النية عند الحنفية؛ فالحنفية لا يرون وجوب النية في الطهارة.

وفيما يتعلق بالموالاة اختلف فيها الفقهاء أيضًا،

والصواب أن جميع هذه الأشياء مطلوبة في الطهارة؛

في الوضوء: يُطلب غسل الأعضاء الثلاثة مع المسح ترتيبًا، كما ذكر الله عز وجل وفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وموالاة دون تفريق؛ لأن التفريق يخرج العبادة عن أن تكون شيئًا واحدًا، ولا بد في ذلك العمل من نية.

المسح على الخفين والجبيرة

قال رحمه الله: "ويمسح على الخفين في الطهارة الصغرى، وعلى الجَبيرة منهما، ويمسح على الخف المقيم يومًا وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليَهن".

هذا بقية ما يتعلق بالطهارة الصغرى، وهو المسح، وإنما ذكره في نهاية الطهارة الصغرى قبل الحديث عن الطهارة الكبرى؛ لأنه تتميم لها، فالمسح على الخفين مما يتعلق بالطهارة الصغرى.

قوله رحمه الله:"ويمسح على الخفين"، وهو كل ما يُستَر به القدم مما يلبس عليه،

قوله رحمه الله: "في الطهارة الصغرى" يعني: في الوضوء،

قوله رحمه الله:"وعلى الجبيرة منهما" أي: ويمسح على الجبيرة، والجبيرة: هي العيدان التي يُربط بها موضع الكسر، فالعيدان التي تُجبر بها العظام تسمى جبيرة،

وقوله رحمه الله:"وعلى الجبيرة منهما" أي: من الحدثين الأصغر والأكبر، يعني: في الطهارة الصغرى، وفي الطهارة الكبرى؛ فإن الجبيرة تكون في الطهارتين.

قوله رحمه الله:"ويمسح على الخفين في الطهارة الصغرى"؛ أي: من خصائص المسح على الخفين أنها في الطهارة الصغرى دون الطهارة الكبرى، فلا يمسح على الخفين في الغسل، إنما يكون ذلك في الوضوء فقط، وأما الجبيرة فتكون في الطهارة الصغرى، وكذلك في الطهارة الكبرى؛ لأن الضرر يلحق بنزعها. وهذه إحدى المسائل التي يفارق فيها المسحُ على الجبيرة المسحَ على الخفين، فالمسحُ على الجبيرة يُفارق المسح على الخفين في مسائل:

منها: أن المسح على الخفين لا يكون إلا في الطهارة الصغرى، وأما المسح على الجبائر فيكون في الطهارة الصغرى والكبرى.

ومنها: أن المسح على الجبيرة ضرورة، والمسح على الخفين اختيار.

ومنها: أن المسح على الجبيرة غير موقَّت، وأما المسح على الخفين فإنه موقَّت.

وثمة فروق أخرى.

صفة المسح على الخفين

قوله -رحمه الله- في بيان صفة المسح:"يمسح على الخف المقيم يومًا وليلة" هذا بيان المدة التي يسوغ فيها المسح على الخفين، يمسح المقيم وهو المستوطن مكانًا ينزل فيه.

قوله رحمه الله:"يومًا وليلة" أي: مدة يوم وليلة،

قوله رحمه الله: "والمسافر"؛ أي: له أن يمسح

قوله رحمه الله:"ثلاثة أيام وليالِيَهن من الحدث إلى مثله على ساتر ثابت بنفسه"، هذه الجملة المختصرة تضمنت بيان مدة المسح في قوله: "يمسح على الخف المقيم يومًا وليلة، والمسافر ثلاثة وأيام وليالِيَهن"، وبيَّنت ما الذي يمسَح منه؟

 قوله رحمه الله:"من الحدث"، وبيَّنت متى يَنتقِض هذا المسح؟

قوله رحمه الله:"إلى مثله"؛ أي: إلى حدث مثله، فينتقض المسح بحصول الحدث، فلا بد من تكراره، وبيَّنت أيضًا الممسوح عليه.

قوله رحمه الله:"على ساتر ثابت بنفسه"، ساتر: بيان أن الحكم لا يتعلق بالخف فقط، بل كل ما ستر القدم، لكنه اشترط فيما يمسح عليه مما يلبس على القدم أن يكون ثابتًا بنفسه، يعني: لا يحتاج إلى تثبيت أو ربط أو شد، بل هو ثابت بنفسه يمكن المشي عليه.

والصواب: أنه يُمسح على كل ما ستر القدم من خُفٍّ ونحوه، وأما الاشتراطات التي ذكرها الفقهاء من أن يكون ساترًا لجميع محل الفرض، وأن يكون ثابتًا بنفسه، وأن يمكن المشي عليه؛ فكلها اشتراطات تحتاج إلى دليل، وليس عليها دليل بيِّنٌ.

فرغ المؤلف -رحمه الله- الآن من القسم الأول من الطهارة، وهي الطهارة الصغرى.