أصول في المعاملات المالية

من 2017-05-26 وحتى 2017-06-23
مشاركة هذه الفقرة

الأصل الأول: الأصل في المعاملات الحل

الأصل السادس: الصدق والأمانة

الأصل السابع: سد الذرائع في المعاملات

الخاتمة

عدد المشاهدات : 328
الاحد 29 صفر 1439هـ - الموافق 19 نوفمبر 2017 م

نهي الشارع عن الغرر ليس على إطلاقه:

"ومما ينبغي ملاحظتُه في معرفة الغرر الممنوع: أنَّ نهي الشارع عن الغرر، لا يمكن حمله على الإطلاق الَّذي يقتضيه لفظ النهي، بل يجب فيه النظر إلى مقصود الشارع، ولا يُتَّبع فيه اللَّفظ بمجرَّده؛ فإنَّ ذلك يؤدي إلى إغلاق باب البيع، وليس ذلك مقصودًا للشَّارع؛ إذ لا تكاد تخلو معاملةٌ من شيءٍ من الغرر؛ ولذلك اشترط العلماءُ -رحمهم الله- أوصافًا للغرر المؤثِّر، لابدَّ من وجودها، وهي كما يلي".

إذًا الآن المؤلف يشرع في بيان الأوصاف التي إذا وُجِدَت في العقد أو في الغرر كانت سببًا للمنع، فليس كل غررٍ في المعاملات تمنعه الشريعة، الآن تذهب إلى المكتبة وترى كتابًا أعجبك عنوانه فتشتريه، أنت علمت شيئًا من حال الكتاب، لكن هل علمت كل ما يتعلق بتفاصيل الكتاب، أم أن هناك شيئًا خفيًّا؟ هناك أشياء خفية، الغرر الذي استُعْمِل في الكتاب هذا: هل تعرف جودته؛ لتعرف تماسك أوراقه؟ جودة الورق، ونوع هذا الورق هل يُفَتِّش كل من اشترى الكُتب عن جودة الورق، ويبحث عن نوعه؟ كل هذه أمور تخفى على المشتري، لكنها مأذونٌ فيها؛ لمشقة طلب العلم بها، فالشريعة لم توقف هذا النوع من المعاملات؛ لأن الغرر لا يمكن إلغاؤه في كل المعاملات.

تذهب وتشتري جهازًا من محل الكهربائيات، غسالة، ثلاجة، هل تذهب وتفتش في تفاصيل الثلاجة، وتوصيل الأسلاك، ونوع الأسلاك التي توصل أجزاءها، وما إلى ذلك، وتفتش في داخلها، كيف وضعوا ما يحفظ بُرودتها وما إلى ذلك؟ ما تُفَتِّش عن هذا، يكفيك اسم الشركة والجودة التي عُرِفت بها، فثَّمة غرر في المعاملة.

فدلَّ هذا على: أن الشريعة لم تمنع كل غرر في المعاملات، إنما منعت الغرر على نحو محدد ومقيد بأوصاف، هذا ما سيبيِّنه المؤلف -رحمه الله- الآن في ضوابط الغرر المؤثر في المعاملات.

يقول: "ولذلك اشترط العلماءُ أوصافًا للغرر المؤثِّر"، يعني لابد أن تكون هذه الأوصاف موجودة في الغرر؛ حتى يكون سببًا للمنع. لابد من وجودها لإثبات حكم التحريم، وهي كما يلي، وهي أربعة أوصاف، الوصف الأول:

الوصف الأول من أوصاف الغرر الممنوع:

"أولًا: أن يكون الغررُ كثيرًا غالبًا على العقد:

فقد أجمع العلماء على أن يسير الغرر لا يمنع صحة العقود؛ إذ لا يمكن التحرُّز منه بالكلية، وذلك كجواز شرب ماء السقاء بعِوَضٍ، ودخول الحمام بأجرة، مع اختلاف الناس في استعمال الماء، أو مُكثهِم في الحمَّام، وما أشبه ذلك".

هذا مما لا تمنعه الشريعة، إلا أن يكون الغرر كثيرًا غالبًا على العقد، فإذا كان الغرر غير غالب على العقد، إنما فيه غرر لكنه غرر مأذون فيه، غرر مُتسامَح فيه، غرر ليس هو الغالب في العقد مما يمكن أن يتطرق للمعاملة، فعند ذلك لا حرج في هذا الغرر، ومثَّل له بجواز شرب ماء السقاء بعِوَض، ودخول الحمام بأجرة.

دخول الحمام بأجرة الآن إذا أُعِدَّ مكان للاغتسال، أو مكان لقضاء الحاجة بأجرة، هل يعرف المؤجِّر كم سيستهلك الداخل من الماء، أم الاستهلاك متفاوت بالنظر للناس، بالنظر لحجم الشخص، بالنظر لنظافته وعدم نظافته؟ ثمَّة أمور كثيرة وتفاصيل عديدة تؤثِّر في قدر الماء المستهلَك، أو في قدر الانتفاع بالدخول إلى هذا المكان، لكن ذلك معفوٌّ عنه؛ لأن الغرر ليس غالبًا؛ إذ إن العقد على دخول الخلاء أو دخول المكان للتَنظُّف.

ومنه ما يتعلق بالبوفيهات المفتوحة، فإن الغالب في البوفيه المفتوح هو فرض رسم للدخول في مكان للطعام يختار فيه ما يشاء، وله أن يعرف نوع الطعام، يعني لا يدخل على عماه يقول له: الطعام بحري، الطعام شرقي، الطعام كذا، مما جرى به عُرْف أصحاب المأكولات، ويدخل عالِمًا بما سيشتري، لكن القدر لا يعلمه، لا البائع، وقد لا يعلمه نفس الداخل، فمثل هذا الغرر معفوٌّ عنه؛ لأنه ليس غالبًا في العقد.


التعليقات