تجريد التوحيد المفيد

من 2017-12-30 وحتى 2020-01-15
(23)المشركون أنكروا توحيد الإلهية والمحبة
13 دقيقة 25 ثانية
الاربعاء 7 جمادى أول 1439هـ - الموافق 24 يناير 2018 م
 
عدد المشاهدات : 676
مقدمة
(1) مقدمة وتعريف بالمؤلف رحمه الله 04 دقيقة 40 ثانية
(2) التعليق على البسملة والحمدلله 04 دقيقة 48 ثانية
(3) قول المؤلف "والعاقبة للمتقين" 01 دقيقة 53 ثانية
(4) قول المؤلف "فهذا كتاب جم الفوائد" 03 دقيقة 07 ثانية
تمهيد
(5) قول المؤلف "اعلم أن الله هو رب كل شيء ومالكه" 02 دقيقة 29 ثانية
(6) معنى قوله تعالى {رب العالمين} 03 ثانية
(7) الربوبية تقوم على أربعة أصول. 01 دقيقة 46 ثانية
(8) كل من كذب الرسل يقر بأن الله رب العالمين 46 ثانية
(9) والإلهية كون العباد يتخذونه محبوبا مألوها 05 دقيقة 31 ثانية
(10) إفراد الله بالحب والخوف والرجاء 03 دقيقة 58 ثانية
حقيقة التوحيد
(11) حقيقة التوحيد أن ترى الأمور كلها من الله 09 دقيقة 58 ثانية
(12) ثمرات إفراد الله تعالى بالعبادة 07 دقيقة 45 ثانية
(13) الربوبية من الله لعباده والتأله من العباد لله 04 دقيقة 34 ثانية
(14) التوحيد أنفس وأجل الأعمال 03 دقيقة 50 ثانية
(15) التوحيد له قشران 02 دقيقة 12 ثانية
(16) القشر الأول قول اللسان 06 دقيقة 38 ثانية
(17) القشر الثاني عمل القلب 04 دقيقة 28 ثانية
(18) لباب التوحيد 06 دقيقة 46 ثانية
(19)عبادة الهوى 07 دقيقة 35 ثانية
(20) عابد الصنم يعبد هواه 03 دقيقة 41 ثانية
(21) السخط على الخلق والالتفات إليهم 05 دقيقة 19 ثانية
(22) المشركون لم ينكروا توحيد الربوبية 04 دقيقة 32 ثانية
(23)المشركون أنكروا توحيد الإلهية والمحبة 13 دقيقة 25 ثانية
(24)تسوية غير الله بالله شرك 06 دقيقة 16 ثانية
(25) مباينة الشرك في توحيد الإلهية 05 دقيقة 47 ثانية
(26) توحيد الربوبية اجتمعت عليه الخلائق 02 دقيقة 48 ثانية
(27) توحيد الألوهية هو المطلوب من العباد 05 دقيقة 05 ثانية
(28) الاحتجاج بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية 07 دقيقة 40 ثانية
(29) الملك هو الآمر الناهي 08 دقيقة 41 ثانية
(30)الاستعاذة بالأسماء الحسنى 02 دقيقة 19 ثانية
(31)أعظم عوذة في القرآن 06 دقيقة 58 ثانية
(32) استعاذة النبي لما سحره اليهودي 06 دقيقة 12 ثانية
(33) تعلق الاستعاذة باسم الإله 02 دقيقة 46 ثانية
(34) مناجاة العبد لله تعالى 07 دقيقة 08 ثانية
(35) من الشرك إثبات خالقا مع الله 05 دقيقة 19 ثانية
(36) ربوبية الله كاملة مطلقة 02 دقيقة 39 ثانية
الشرك وأنواعه
(37) شرك الأمم كله نوعان 09 دقيقة 14 ثانية
(38) الكتب الإلهية وإقرار التوحيد 03 دقيقة 04 ثانية
(39) وأصل الشرك في محبة الله تعالى 07 دقيقة 01 ثانية
(40) تسوية الله بغيره شرك 05 دقيقة 37 ثانية
(41) الشرك بالله الذي لا يغفره الله 05 دقيقة 32 ثانية
(42)خلق الله آية شاهدة بتوحيده 06 دقيقة 49 ثانية
(43) من أدلة وجوب إفراد الله بالعبادة 03 دقيقة 27 ثانية
(44) من الشرك جعل مع الله خالقا آخر 06 دقيقة 07 ثانية
(45) وكثيرا ما يجتمع الشركان في العبد 03 دقيقة 29 ثانية
(46) السجود لغير الله شرك 04 دقيقة 23 ثانية
(47) الطواف بغير البيت المحرم شرك 02 دقيقة 36 ثانية
(48) حلق الرأس عبودية وخضوعا لغير الله شرك 03 دقيقة 52 ثانية
(49) تقبيل القبور والسجود لها شرك 03 دقيقة 56 ثانية
(50) لعن النبي من اتخذ القبور مساجد 06 دقيقة 14 ثانية
(51) أقسام الناس في زيارة القبور 08 ثانية
(52)حماية النبي لجناب التوحيد 05 دقيقة 53 ثانية
(53) الشرك في اللفظ 08 دقيقة 32 ثانية
(54) أثبت الله للعبد مشيئة 04 دقيقة 54 ثانية
(55)إياك نعبد تشمل السجود والتوكل والإنابة 02 دقيقة 38 ثانية
(56)العبادة اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه 01 دقيقة 43 ثانية
(57) عرف الحق لأهله 01 دقيقة 48 ثانية
(58) الشرك في الإرادات والنبيات 06 دقيقة 08 ثانية
(59) فإن قيل المشرك إنما قصد تعظيم جناب الله 06 دقيقة 57 ثانية
(60) الشرك موجبا لسخط الله وغضبه 04 دقيقة 57 ثانية
(61) الشرك نوعان 06 دقيقة 40 ثانية
(62) الشرك نوعان أحدهما شرك التعطيل 07 دقيقة 32 ثانية
(63) أصل الشرك وقاعدته التعطيل 04 ثانية
(64) شرك أهل الوحدة 05 دقيقة 36 ثانية
(65) النوع الثاني شرك التمثيل 05 دقيقة 26 ثانية
(66) حقيقة الشرك تشبيه المخلوق بالخالق 02 ثانية
(67) تشبيه المخلوق بالخالق في خصائص الإلهية 02 دقيقة 59 ثانية
(68) خصائص الإلهية الكمال المطلق من جميع الوجوه 04 دقيقة 10 ثانية
(69) لما غيرت الشياطين فطر الناس 02 دقيقة 10 ثانية
(70) من خصائص الإلهية السجود لله 02 دقيقة 51 ثانية
(71) من تعاظم وتكبر فقد تشبه بالله ونازعه 10 دقيقة 57 ثانية
(72) التشبيه والتشبه هو حقيقة الشرك 03 دقيقة 59 ثانية
(73)من ظن أن الله لا يستجيب له إلا بواسطة 03 دقيقة 54 ثانية
(74) من صور سوء الظن بالله تعالى 04 دقيقة 20 ثانية
(75) يمتنع في العقول والفطر أن يشرع الله لعباده اتخاذ الوسائط 05 دقيقة 14 ثانية
(76)ما قدر الله حق قدره من أشرك معه غيره 06 دقيقة 21 ثانية
(77)أصل الضلال الظن بالله ظن السوء 05 دقيقة 31 ثانية
(78)كل من عبد مع الله غيره فإنه عبد شيطانا 03 دقيقة 43 ثانية
أقسام الناس في عبادة الله واستعانته
(79) الناس في عبادة الله على أربعة أقسام 02 دقيقة 05 ثانية
(80) القسم الأول أهل العبادة والاستعانة 04 دقيقة 11 ثانية
(81) طلب الإعانة على مرضاة الله تعالى 08 دقيقة 16 ثانية
(82) القسم الثاني المعرضون عن عبادة الله 10 دقيقة 25 ثانية
(83) إجابة الله لبعض السائلين ليست لكرامته عليه 09 دقيقة 58 ثانية
(84) من له نوع عبادة بلا استعانة 10 دقيقة 48 ثانية
(85) حقيقة الاستعانة عملا 05 دقيقة 15 ثانية
(86) وجوب الاعتماد على الله والتفويض إليه 06 دقيقة 59 ثانية
(87) الرابع من له استعانة بلا عبادة 03 دقيقة 28 ثانية
(88) لا تتحقق العبادة إلا بالإخلاص والمتابعة 08 دقيقة 32 ثانية
أقسام الناس في الإخلاص
(89) أهل الإخلاص والمتابعة 07 دقيقة 25 ثانية
(90) الإخلاص شرط قبول العمل 08 دقيقة 01 ثانية
(91) من لا إخلاص له ولا متابعة 06 دقيقة 43 ثانية
(92) من له إخلاص على غير متابعة 05 دقيقة 13 ثانية
(93) من أعماله على متابعة الأمر لكنها لغير الله 04 دقيقة 18 ثانية
الخلاف في أفضل العبادة وأنفعها
(94) الصنف الأول أفضل العبادات أشقها على النفوس 12 دقيقة 38 ثانية
(95) الصنف الثاني أفضل العبادات التجرد والزهد في الدنيا 03 دقيقة 01 ثانية
(96) العارفون والمنحرفون إذا جاءهم الأمر والنهي 03 دقيقة 22 ثانية
(97) من يترك الواجبات والفرائض 02 دقيقة 26 ثانية
(98) الصنف الثالث أفضل العبادات ما كان فيه نفع متعد 07 دقيقة 01 ثانية
(99) الصنف الرابع أفضل العبادات العمل على مرضاة الرب 01 دقيقة 35 ثانية
(100) أفضل العبادات في وقت الجهاد 12 دقيقة 26 ثانية
أقسام الناس في منفعة العبادة وحكمتها
(101) نفاة الحكم والتعليل 21 دقيقة 54 ثانية
(102) الصنف الثاني القدرية النفاة 04 دقيقة 59 ثانية
(103) القدرية أوجب رعاية المصالح 06 دقيقة 01 ثانية
(104) تأمل قول الله تعالى وتلك الجنة التي أورثتموها 05 دقيقة 21 ثانية
(105) الباء المبثبتة التي وردت في القرآن 06 دقيقة 30 ثانية
(106) والآخرون يوجبونها حفظا للوارد 05 دقيقة 59 ثانية
(107) حقيقة العبادة امتثال الأمر والنهي 07 دقيقة 28 ثانية
(108) محبة الله هي حقيقة العبودية وسرها 06 دقيقة 18 ثانية
(109) اعلم أن للعبادة أربع قواعد 10 دقيقة 22 ثانية
(110) الخاتمة. 04 دقيقة 50 ثانية

التوحيد الذي ينكره المشركون:

قال - رحمه الله -: "وإنما أنكروا توحيد الإلهيَّة والمحبَّة، كما قد حكى الله - تعالى - عنهم في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:165]".

قال: "وإنَّما أنكروا توحيد الإلهية والمحبة"؛ أنكروا إفراد الله بالعبادة، أنكروا إفراد الله بالمحبة، فجعلوا عبادة غيره حقًّا لازمًا؛ لذلك زعموا إلهًا من دونه جلَّ في علاه -، بل تعجبوا أنَّ الرسول يدعوهم لعبادة الله وحده؛ كما قال الله - تعالى - فيما قصَّه عن هؤلاء في إنكارهم أن يكون الإله واحدًا؛ قال المشركون: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:5]؛ أي: كيف يكون للخلق كلهم إله واحد يعبدونه؟!

ولو أنَّهم أعملوا عقولهم لما وجدوا إلَّا صدق ما أخبرت به الرسل من أنَّه لا يستحق العبادة إلَّا الله، فإذا كان الخلق كلهم لم يخلقهم إلَّا الله، ولا يملكهم إلَّا الله، ولا يرزقهم إلَّا الله، ولا يدبرهم إلَّا الله، فكيف لا يكون لهم إله واحد الذي خلقهم، ورزقهم، ودبرهم، وملكهم؟!

خروج منكري توحيد الألوهية عن العقل والفطرة والدلائل الكونية والتاريخية:

إنَّ صرف العبادة لغيره هو خروج عما يقتضيه العقل، وما تدل عليه الفطرة، وما تدل عليه الآيات في السماوات، وفي الأرض، وما أقامه الله من الشواهد عبر التاريخ من أنَّ كلَّ من عبد سوى الله إنَّما يعبد ضلالة، ويعبد عمى، وأنَّ الكمال، والسعادة، والفلاح، والنجاح في أن لا تعبد إلَّا الله وحده لا شريك له، في أن لا تعبد غيره - جلَّ في علاه -، أن تعبده وحده لا شريك له.

فلا يكون في قلبك محبوب سواه، ولا يكون في قلبك مخوف سواه، ولا يكون في قلبك مرجو غيره سبحانه ويحمده، فله الحب وحده، وله الخوف وحده، وله الرجاء وحده سبحانه وبحمده؛ ولهذا يقول المؤلف - رحمه الله -: "وإنَّما أنكروا توحيد الإلهية"؛ أي: أنكروا أن لا يعبد غير الله، أنكروا أن لا تصرف العبادة لغيره، فتجدهم يدعون غير الله، ويذبحون لسواه، ويحلفون بغيره، ويخافون غيره خوف السر، ويرجون الهبات والعطايا من سواه؛ وكلُّ هذا خارج عن توحيده - جلَّ في علاه -.

شرك المحبة هو أصل الشرك في الألوهية:

قال الله - جلَّ وعلا -: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 165]؛ هذه الآية الكريمة في سورة البقرة، هي أول آية ذكر الله - تعالى - فيها صورة من صور الشرك؛ فإنَّ أصل الشرك تسوية غير الله - تعالى -  بالله في المحبة، فمَن سوَّى غير الله بالله في المحبة صرف المحبة التي لله لغيره يكون قد وقع في الشرك؛ ولذلك ذكر الله - تعالى - في أول ما يكون من صور الشرك في في كتابه شرك المحبة؛ ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾[البقرة:165]؛ أي: بعضهم ﴿مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا﴾[البقرة:165]؛ أي: أمثالًا، ونظراء، ومساوين لله ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:165]؛ هذا معنى التنديد، قال: ﴿أَندَادًا﴾[البقرة:165].

ثمَّ فسر وجه التنديد فقال: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:165]؛ فأفسدوا المحبة التي يجب أن تكون لله بأن صرفوها لغيره؛ ولذلك حارت قلوبهم، وضلَّت أفئدتهم، وضاعت عقولهم، وتشتتت قلوبهم، وأظلمت نفوسهم لمَّا عبدوا غيره وأحبوا سواه - جلَّ في علاه -، فمحبة الله - عزَّ وجلَّ - هي الفلاح، هي النجاح، هي النجاة.

جزاء من أشرك في محبة الله تعالى:

وكلُّ من أحبَّ غير الله - عزَّ وجلَّ - محبة عبادية فإنَّه لا بد وأن يناله من الضيق، والكدر، والحيرة ما يجعله في ضلال، وعمى، وفي شقاء؛ كما قال الله - تعالى -: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾[الأنعام:125]؛ كالذي يتنفس في المناطق العالية، لا يجد من الهواء ما يكفي حاجته، فتجده لاهثًا طوال الوقت غير مستريح، ولا مطمئن لعدم أخذ ما يكفي من الهواء كذلك من عبد غير الله - عزَّ وجلَّ - فلا بد أن يناله من الشقاء ما يناله؛ لأنَّ قلبه لم يسكن.

فالقلب إنَّما يسكن بمحبة الله وتعظيمه ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:28].

فالقلب مضطر إلى محبوبه الـ *** أعلى فلا يغنيه حب ثان

وصلاحه وفلاحه ونعيمه *** تجريد هذا الحب للرحــــــمن

أنْ تفرد الله بالمحبة، فإذا أحببت غيره وقعت في صور من الهلاك والشر ما لا تطيب به حياتك، ولا تسعد به نفسك، بل تكون في قلق، وضيق، وكدر، ورعب وخوف؛ لأنه قد فقد قلبك سبب حياته، ونجاته؛ وهي محبة الله - تعالى - وتعظيمه.

 

دوران صور الشرك على معنى واحد:

أيُّها الإخوة؛ إنَّ الشرك في جميع صوره يدور على معنى واحد؛ وهو أن تسوي غير الله بالله؛ هذا معنى الشرك، الشرك الذي جاءت الرسل بالنهي عنه؛ هو النهي عن تسوية غير الله بالله، أن تجعل لله نظيرًا، أن تجعل لله مثيلًا، أن تجعل لله مكافئًا، أن تجعل لله مساويًا.

وكل من أشرك بشيء وسوَّى الله بغيره؛ فإنَّه قد وقع في التنديد الذي نهى الله - تعالى - عنه بقوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[البقرة:22].

 

حب الله تعالى بين الموحدين والمشركين:

الله - تعالى - يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:165]؛ أي: من المشركين في حبهم لله، فتكون المقارنة بين حب المؤمنين لله وحب المشركين لله، أيُّهم أشد حبًّا؟ حب المؤمنين، لماذا؟ لأنَّهم أخلصوا قلوبهم لله، فلا يحبون سواه، أمَّا أولئك فأحبوا الله، وأحبوا الأولياء الذين يدعونهم من دون الله، أحبوا الأصنام، أحبوا الأوثان، ففرقوا محبتهم وكان التفريق سببًا لضعفه.

المعنى الثاني في هذه الآية: والذين آمنوا أشدُّ حبًّا لله من المشركين في محبتهم لمعبوداتهم؛ وذلك لأسباب:

السبب الأول: أنَّ محبة الله تعززها الفطرة، فكلُّ مولود يولد على الفطرة، فحب الله ثابت في الفطرة؛ ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾[الروم:30].

السبب الثاني: أنَّ حبَّ الله - عزَّ وجلَّ - يقوم في قلب العبد لعظيم إحسانه، فاستشعاره بأنَّ كلَّ إحسان يصل إليه من الله يوجب محبته سبحانه، وأنَّ كلَّ ضر يندفع عنه من الله يوجب محبته سبحانه؛ ولذلك كان أهل الإيمان أشد حبًّا لله - عزَّ وجلَّ - من محبة المشركين لأصنامهم ومعبوداتهم من دون الله.

السبب الثالث: عظم محبة المؤمنين، أو زيادة محبة المؤمنين لله عن محبة المشركين لمن يعبدونهم، أنَّ الله - جلَّ في علاه - متصف بصفات الكمال فله الأسماء الحسنى، وله الصفات العلا، وله الأفعال الجميلة.

بخلاف المعبودات من الأصنام وغيرهم فإنَّه يتطرق إليهم من النقص والعيب ما الله به عليم؛ ولذلك لا يمكن أن يكون لله نظير، ولا له سمي، ولا له كفؤ، ولا له مساوٍ - جلَّ في علاه - ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:11] ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:4] ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾[مريم:65] ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[البقرة:22]؛ ولهذا أهل الإيمان أعظم حبًّا لله من محبة المشركين لما يحبونهم من الأصنام، والمعبودات من دون الله.

أيُّها المؤمنون، لماذا ذكر الله - عزَّ وجلَّ - المحبة في أول ما ذكر من صور الشرك؟

المحبة هي أصل العبادة، فإنَّك تعبد من تحب، وبقدر تحقيقك لمحبة الله، بقدر تحقيقك لعبادته، وتحقيقك لتوحيده - جلَّ في علاه -؛ ولهذا كل نقص في العبادة ينشأ عن نقص المحبة، والمحبة عبادة، وعمل قلبي لا ينقطع في الدنيا، ولا ينقطع بانتهاء التكليف، بل المؤمنون يحبون ربَّهم في الدنيا، ويحبونه في الآخرة، نسأل الله أن يملأ قلوبنا محبةً له - جلَّ في علاه -.

جواز المحبة الجبلية الطبيعية:

يقول قائل: لما نقول: يجب إفراد الله بالمحبة، ألا يحب غير الله؟ ألا يكون في القلب محبوب سوى الله؟ الإنسان يحبُّ ماله، ويحبُّ ولده، ويحبُّ زوجه، ويحبُّ أهله؛ كل هذه المحاب لا بأس بها، إلَّا أن تكون صادَّة عن طاعة الله، أو أن تكون سببًا للوقوع في معصية الله؛ فهذه محاب طبيعية لا حرج فيها، يحبُّ الإنسان ولده، يحبُّ الإنسان زوجه، يحبُّ الإنسان مَن أحسن إليه؛ هذه المحاب ليست هي ما نتحدث عنه من إفراد الله بالمحبة.

إفراد الله بالمحبة، المقصود بالمحبة: المحبة العبادية، محبة الشيء لذاته، ولعظيم صفاته، وجميل أفعاله، وكريم خصاله - جلَّ في علاه -؛ هذه المحبة التي تقتضي تمام الانجذاب لله - عزَّ وجلَّ -، والطاعة له لا تكون إلَّا لله - عزَّ وجلَّ -، ولا تكون لسواه - سبحانه وبحمده.

وهي التي يجب إفراد الله - تعالى - بها، فإذا صرفها الإنسان لغيره يكون قد وقع في الشرك، والمشركون لمَّا أحبوا معبوداتهم من الأولياء، والصالحين، والأنبياء، والجن، والأصنام، وما يحبونهم، وما يعبدونهم من دون الله سووا غير الله بالله.

لما نقول: سووا غير الله بالله، هل يعني أنهم سووا غير الله بالله في كل وجه؟ الجواب: لا، لا يلزم أن يسووا غير الله بالله في كل شيء، لو سووا غير الله بالله في شيء واحد، فإنَّهم يكونون قد وقعوا في الشرك، تسمية غير الله بالله التي هي الشرك لا يلزم أن تكون من كل وجه؛ ولهذا لا يوجد أحد ممن يعبد غير الله - عزَّ وجلَّ -، يقول: إنَّما يعبده من دون الله مثل الله - عزَّ وجلَّ - في كل شيء، بل حتى الذين قالوا: إنَّ العالم له خالقان؛ الظلمة والنور لا يساوون بين الظلمة والنور، بل يقولون: الظلم إله الشر، والنور إله الخير، ويمدحون إله الخير، ويذمون إله الشر، ويجعلون إله الشر تابعًا لإله الخير.

فما من أحد يسوي غير الله بالله من كل وجه؛ فلذلك التسوية ولو كانت في شيء واحد، فإنَّها شرك، ولا يلزم أن تكون تسوية من كل وجه.

ولذلك يقول المؤلف - رحمه الله -: "فلما سووا غيره به في هذا التوحيد"؛ وهو محبته "كانوا مشركين"؛ أي: كانوا قد وقعوا في الشرك الذي ذمهم الله - تعالى - به في قوله - جلَّ وعلا -: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾[البقرة:165].