تجريد التوحيد المفيد

من 2017-12-30 وحتى 2020-01-15
مشاركة هذه الفقرة

حقيقة التوحيد

الشرك وأنواعه

عدد المشاهدات : 466
الخميس 8 جمادى أول 1439هـ - الموافق 25 يناير 2018 م

كيف حمى النبي صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد؟

قال - رحمه الله -: "وقد حمى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - جانب التَّوحيد أعظم حماية؛ تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾[الفاتحة:5]، حتى نهى عن الصَّلاة في هذين الوقتين لكونه ذريعةً إلى التَّشبيه بعبَّاد الشَّمس الذين يسجدون لها في هاتين الحالتين، وسد - صلى الله عليه وسلم - الذَّريعة بأن منع من الصَّلاة بعد العصر والصُّبح؛ لاتصال هذين الوقتين بالوقتين اللذين يسجد المشركون فيهما للشَّمس".

هذا في بيان أنَّ النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - كان شديد الحرص على سلامة الأمة من الشرك، وأعمال المشركين، ومظاهر الشرك، ولو كانت مشاكلة، ومشابهة في الصورة، فقد سأل الله - عزَّ وجلَّ - أن يصون قبره عن أن يكون وثنًا يُعبد، فيكون سببًا لوقوع الناس في الشرك، وهو الداعية على التوحيد - صلى الله عليه وسلم -.

ثمَّ أيضًا حمى - صلى الله عليه وسلم - جانب التوحيد أعظم حماية؛ تحقيقًا لقول الله - تعالى -: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾[الفاتحة:5]؛ فنهى عن الصلاة في وقتين؛ وقت طلوع الشمس، ووقت غروبها؛ لأن هذين الوقتين يسجد فيهما عبدة الشمس للشمس؛ فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، وعن الصلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس أخرجه البخاري (588)، ومسلم (825) لأجل ما في الصلاة في هذين الوقتين ولو كانت لله من مشابهة أعمال أهل الشرك الذين كانوا يسجدون للشمس في هذين الوقتين؛ فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن السجود سدًّا لذريعة الشرك، ومنعًا من مشابهة أهل الكفر في أفعالهم.

امتناع السجود لغير الله شرعًا:

ثمَّ قال - رحمه الله -: "وأمَّا السّجود لغير الله فقد قال عليه الصَّلاة والسَّلام: «لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد إلاَّ لله» أخرجه بنحوه أبو يوسف في الآثار (911)، وابن بشران في الأمالي (914)، وصححه ابن حبان (911) .

و"لا ينبغي" في كلام الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - إنما يستعمل للذي هو في غاية الامتناع، كقوله - تعالى -: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾[مريم:92]، وقوله - تعالى -: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾[يس:69]، وقوله تعالى -: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾[الشعراء:210]﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾[الشعراء:211]، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾[الفرقان:18]".

قال - رحمه الله -: "وأمَّا السجود لغير الله سواء كان ذلك عبادة، أو تحية، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد إلَّا لله»؛ وهذا من كمال التوحيد في هذه الشريعة أن منعت كلَّ سجوده لغير الله - عزَّ وجلَّ -، سواء كان ذلك السجود لأجل العبادة، أو كان ذلك السجود لأجل التعظيم، والتحية، والإكرام، "فإنَّه لا ينبغي"؛ أي: لا يجوز ويستحيل شرعًا أن يسجد أحد إلَّا لله - عزَّ وجلَّ -؛ فإنه لا يكون سجودٌ إلَّا له، كما قال - تعالى -:  ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[الحج:77].

أقسام الامتناع:

ثمَّ ذكر أن معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد»؛ أنَّه يمتنع، الامتناع نوعان:

- امتناع شرعي.

- وامتناع قدري.

الامتناع الشرعي في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد إلَّا لله».

وأمَّا الامتناع القدري ففي قوله - تعالى -: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾[مريم:92]؛ فيمتنع قدرًا، كما يمتنع شرعًا أن يكون له ولد.

ومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾[يس:69]؛ أي: ولا يكون ذلك قدرًا؛ فإنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يحسن الشعر، ولا يشتغل به.

وقال - تعالى -: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾[الشعراء:210]؛ أي: ما تنزلت بالقرآن، ﴿الشَّيَاطِينُ﴾[الشعراء:210]﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾[الشعراء:211]؛ أي: ويستحيل، ويمتنع أن تتنزل الشياطين بالقرآن؛ فإنَّه نزل به الروح الأمين على قلب رسوله - صلى الله عليه وسلم - ليكون من المنذرين؛ كما قال - تعالى -: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء:193]﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾[الشعراء:194].

قال - رحمه الله -: "وقوله: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الفرقان:18]"؛ ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا﴾[الفرقان:18]؛ أي: يمتنع شرعًا؛ وهذا مثال للامتناع الشرعي، فذكر المؤلف - رحمه الله - نوعي الامتناع؛ الامتناع الشرعي، والامتناع القدري.

الامتناع القدري في نحو قوله - تعالى -: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم:92]، والامتناع الشرعي في قوله: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الفرقان:18]؛ فلا يجوز أن يتخذ أحد أحدًا وليًّا من دون الله، بل الولاية له - جلَّ في علاه -؛ قال - جلَّ وعلا -: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف:196]؛ فالولاية له - جلَّ في علاه - لا لسواه.

"ومن الشرك بالله - تعالى - المباين لقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾[الفاتحة:5] الشرك به في اللفظ كالحلف بغيره".

هذا النوع الثاني من أنواع الشرك؛ حيث ذكر المؤلف في الشرك ثلاثة أنواع؛ الشرك في الأفعال، ومثَّل له بالسجود، وتقبيل القبور، ومسحها، واتخاذ القبور مساجد كما تقدم فيما مضى من تفصيل؛ هذا النوع الأول من أنواع الشرك، أو القسم الأول من أقسام الشرك، ما كان في الأفعال.


التعليقات