تجريد التوحيد المفيد

من 2017-12-30 وحتى 2020-01-15
(84) من له نوع عبادة بلا استعانة
10 دقيقة 48 ثانية
الاثنين 24 جمادى آخر 1439هـ - الموافق 12 مارس 2018 م
 
عدد المشاهدات : 666
مقدمة
(1) مقدمة وتعريف بالمؤلف رحمه الله 04 دقيقة 40 ثانية
(2) التعليق على البسملة والحمدلله 04 دقيقة 48 ثانية
(3) قول المؤلف "والعاقبة للمتقين" 01 دقيقة 53 ثانية
(4) قول المؤلف "فهذا كتاب جم الفوائد" 03 دقيقة 07 ثانية
تمهيد
(5) قول المؤلف "اعلم أن الله هو رب كل شيء ومالكه" 02 دقيقة 29 ثانية
(6) معنى قوله تعالى {رب العالمين} 03 ثانية
(7) الربوبية تقوم على أربعة أصول. 01 دقيقة 46 ثانية
(8) كل من كذب الرسل يقر بأن الله رب العالمين 46 ثانية
(9) والإلهية كون العباد يتخذونه محبوبا مألوها 05 دقيقة 31 ثانية
(10) إفراد الله بالحب والخوف والرجاء 03 دقيقة 58 ثانية
حقيقة التوحيد
(11) حقيقة التوحيد أن ترى الأمور كلها من الله 09 دقيقة 58 ثانية
(12) ثمرات إفراد الله تعالى بالعبادة 07 دقيقة 45 ثانية
(13) الربوبية من الله لعباده والتأله من العباد لله 04 دقيقة 34 ثانية
(14) التوحيد أنفس وأجل الأعمال 03 دقيقة 50 ثانية
(15) التوحيد له قشران 02 دقيقة 12 ثانية
(16) القشر الأول قول اللسان 06 دقيقة 38 ثانية
(17) القشر الثاني عمل القلب 04 دقيقة 28 ثانية
(18) لباب التوحيد 06 دقيقة 46 ثانية
(19)عبادة الهوى 07 دقيقة 35 ثانية
(20) عابد الصنم يعبد هواه 03 دقيقة 41 ثانية
(21) السخط على الخلق والالتفات إليهم 05 دقيقة 19 ثانية
(22) المشركون لم ينكروا توحيد الربوبية 04 دقيقة 32 ثانية
(23)المشركون أنكروا توحيد الإلهية والمحبة 13 دقيقة 25 ثانية
(24)تسوية غير الله بالله شرك 06 دقيقة 16 ثانية
(25) مباينة الشرك في توحيد الإلهية 05 دقيقة 47 ثانية
(26) توحيد الربوبية اجتمعت عليه الخلائق 02 دقيقة 48 ثانية
(27) توحيد الألوهية هو المطلوب من العباد 05 دقيقة 05 ثانية
(28) الاحتجاج بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية 07 دقيقة 40 ثانية
(29) الملك هو الآمر الناهي 08 دقيقة 41 ثانية
(30)الاستعاذة بالأسماء الحسنى 02 دقيقة 19 ثانية
(31)أعظم عوذة في القرآن 06 دقيقة 58 ثانية
(32) استعاذة النبي لما سحره اليهودي 06 دقيقة 12 ثانية
(33) تعلق الاستعاذة باسم الإله 02 دقيقة 46 ثانية
(34) مناجاة العبد لله تعالى 07 دقيقة 08 ثانية
(35) من الشرك إثبات خالقا مع الله 05 دقيقة 19 ثانية
(36) ربوبية الله كاملة مطلقة 02 دقيقة 39 ثانية
الشرك وأنواعه
(37) شرك الأمم كله نوعان 09 دقيقة 14 ثانية
(38) الكتب الإلهية وإقرار التوحيد 03 دقيقة 04 ثانية
(39) وأصل الشرك في محبة الله تعالى 07 دقيقة 01 ثانية
(40) تسوية الله بغيره شرك 05 دقيقة 37 ثانية
(41) الشرك بالله الذي لا يغفره الله 05 دقيقة 32 ثانية
(42)خلق الله آية شاهدة بتوحيده 06 دقيقة 49 ثانية
(43) من أدلة وجوب إفراد الله بالعبادة 03 دقيقة 27 ثانية
(44) من الشرك جعل مع الله خالقا آخر 06 دقيقة 07 ثانية
(45) وكثيرا ما يجتمع الشركان في العبد 03 دقيقة 29 ثانية
(46) السجود لغير الله شرك 04 دقيقة 23 ثانية
(47) الطواف بغير البيت المحرم شرك 02 دقيقة 36 ثانية
(48) حلق الرأس عبودية وخضوعا لغير الله شرك 03 دقيقة 52 ثانية
(49) تقبيل القبور والسجود لها شرك 03 دقيقة 56 ثانية
(50) لعن النبي من اتخذ القبور مساجد 06 دقيقة 14 ثانية
(51) أقسام الناس في زيارة القبور 08 ثانية
(52)حماية النبي لجناب التوحيد 05 دقيقة 53 ثانية
(53) الشرك في اللفظ 08 دقيقة 32 ثانية
(54) أثبت الله للعبد مشيئة 04 دقيقة 54 ثانية
(55)إياك نعبد تشمل السجود والتوكل والإنابة 02 دقيقة 38 ثانية
(56)العبادة اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه 01 دقيقة 43 ثانية
(57) عرف الحق لأهله 01 دقيقة 48 ثانية
(58) الشرك في الإرادات والنبيات 06 دقيقة 08 ثانية
(59) فإن قيل المشرك إنما قصد تعظيم جناب الله 06 دقيقة 57 ثانية
(60) الشرك موجبا لسخط الله وغضبه 04 دقيقة 57 ثانية
(61) الشرك نوعان 06 دقيقة 40 ثانية
(62) الشرك نوعان أحدهما شرك التعطيل 07 دقيقة 32 ثانية
(63) أصل الشرك وقاعدته التعطيل 04 ثانية
(64) شرك أهل الوحدة 05 دقيقة 36 ثانية
(65) النوع الثاني شرك التمثيل 05 دقيقة 26 ثانية
(66) حقيقة الشرك تشبيه المخلوق بالخالق 02 ثانية
(67) تشبيه المخلوق بالخالق في خصائص الإلهية 02 دقيقة 59 ثانية
(68) خصائص الإلهية الكمال المطلق من جميع الوجوه 04 دقيقة 10 ثانية
(69) لما غيرت الشياطين فطر الناس 02 دقيقة 10 ثانية
(70) من خصائص الإلهية السجود لله 02 دقيقة 51 ثانية
(71) من تعاظم وتكبر فقد تشبه بالله ونازعه 10 دقيقة 57 ثانية
(72) التشبيه والتشبه هو حقيقة الشرك 03 دقيقة 59 ثانية
(73)من ظن أن الله لا يستجيب له إلا بواسطة 03 دقيقة 54 ثانية
(74) من صور سوء الظن بالله تعالى 04 دقيقة 20 ثانية
(75) يمتنع في العقول والفطر أن يشرع الله لعباده اتخاذ الوسائط 05 دقيقة 14 ثانية
(76)ما قدر الله حق قدره من أشرك معه غيره 06 دقيقة 21 ثانية
(77)أصل الضلال الظن بالله ظن السوء 05 دقيقة 31 ثانية
(78)كل من عبد مع الله غيره فإنه عبد شيطانا 03 دقيقة 43 ثانية
أقسام الناس في عبادة الله واستعانته
(79) الناس في عبادة الله على أربعة أقسام 02 دقيقة 05 ثانية
(80) القسم الأول أهل العبادة والاستعانة 04 دقيقة 11 ثانية
(81) طلب الإعانة على مرضاة الله تعالى 08 دقيقة 16 ثانية
(82) القسم الثاني المعرضون عن عبادة الله 10 دقيقة 25 ثانية
(83) إجابة الله لبعض السائلين ليست لكرامته عليه 09 دقيقة 58 ثانية
(84) من له نوع عبادة بلا استعانة 10 دقيقة 48 ثانية
(85) حقيقة الاستعانة عملا 05 دقيقة 15 ثانية
(86) وجوب الاعتماد على الله والتفويض إليه 06 دقيقة 59 ثانية
(87) الرابع من له استعانة بلا عبادة 03 دقيقة 28 ثانية
(88) لا تتحقق العبادة إلا بالإخلاص والمتابعة 08 دقيقة 32 ثانية
أقسام الناس في الإخلاص
(89) أهل الإخلاص والمتابعة 07 دقيقة 25 ثانية
(90) الإخلاص شرط قبول العمل 08 دقيقة 01 ثانية
(91) من لا إخلاص له ولا متابعة 06 دقيقة 43 ثانية
(92) من له إخلاص على غير متابعة 05 دقيقة 13 ثانية
(93) من أعماله على متابعة الأمر لكنها لغير الله 04 دقيقة 18 ثانية
الخلاف في أفضل العبادة وأنفعها
(94) الصنف الأول أفضل العبادات أشقها على النفوس 12 دقيقة 38 ثانية
(95) الصنف الثاني أفضل العبادات التجرد والزهد في الدنيا 03 دقيقة 01 ثانية
(96) العارفون والمنحرفون إذا جاءهم الأمر والنهي 03 دقيقة 22 ثانية
(97) من يترك الواجبات والفرائض 02 دقيقة 26 ثانية
(98) الصنف الثالث أفضل العبادات ما كان فيه نفع متعد 07 دقيقة 01 ثانية
(99) الصنف الرابع أفضل العبادات العمل على مرضاة الرب 01 دقيقة 35 ثانية
(100) أفضل العبادات في وقت الجهاد 12 دقيقة 26 ثانية
أقسام الناس في منفعة العبادة وحكمتها
(101) نفاة الحكم والتعليل 21 دقيقة 54 ثانية
(102) الصنف الثاني القدرية النفاة 04 دقيقة 59 ثانية
(103) القدرية أوجب رعاية المصالح 06 دقيقة 01 ثانية
(104) تأمل قول الله تعالى وتلك الجنة التي أورثتموها 05 دقيقة 21 ثانية
(105) الباء المبثبتة التي وردت في القرآن 06 دقيقة 30 ثانية
(106) والآخرون يوجبونها حفظا للوارد 05 دقيقة 59 ثانية
(107) حقيقة العبادة امتثال الأمر والنهي 07 دقيقة 28 ثانية
(108) محبة الله هي حقيقة العبودية وسرها 06 دقيقة 18 ثانية
(109) اعلم أن للعبادة أربع قواعد 10 دقيقة 22 ثانية
(110) الخاتمة. 04 دقيقة 50 ثانية

القسم الثالث: من له نوع عبادة بلا استعانة:

"فغاية سعادة الأبد في عبادة الله والاستعانة به عليها.

والقسم الثالث: من له نوع عبادة بلا استعانة، وهؤلاء نوعان:

أحدهما: أهل القدر القائلون: بأنه سبحانه قد فعل بالعبد جميع مقدوره من الألطاف، وأنه لم يبقَ في مقدوره إعانةٌ له على الفعل، فإنه قد أعانه بخلق الآلات وسلامتها وتعريف الطريق، وإرسال الرسول، وتمكينه من الفعل، فلم يبقَ بعدها إعانةٌ مقدورةٌ يسأله إياها، وهؤلاء مخذولون موكولون إلى أنفسهم مسدود عليهم طريق الاستعانة والتوحيد؛ قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: «الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن آمن بالله وكذَّب بقدره نقض تكذيبه توحيده» أخرجه الفريابي في القدر (205)، والآجري في الشريعة (456)، وابن بطة في الإبانة (3/ 163) .

النوع الثاني: من لهم عبادةٌ وأوراد، لكن حظهم ناقصٌ من التوكل والاستعانة، لم تتسع قلوبهم لارتباط الأسباب بالقدر، وأنها بدون المقدور كالموات الذي لا تأثير له، بل كالعدم الذي لا وجود له، وأن القدر كالروح المحرك لها، والمعوَّل على المحرك الأول، فلم تنفذ بصائرهم من السبب إلى المسبب، ومن الآلة إلى الفاعل؛ فقلَّ نصيبهم من الاستعانة.

وهؤلاء لهم نصيبٌ من التصرف بحسب استعانتهم وتوكلهم، ونصيبٌ من الضعف والخذلان بحسب قلة استعانتهم وتوكلهم، ولو توكل العبد على الله حق توكله في إزالة جبلٍ عن مكانه لأزاله".

الله أكبر، الله أكبر.

هذا القسم الثالث من أقسام الناس، وهم: الذين عندهم نوع عبادة، شيء من العبادة، وعندهم تعطيلٌ للاستعانة فلم يُكَمِّلُوا ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾[الفاتحة:5]، فعندهم شيء من العبادة، لكن ليس عندهم كمال استعانة، وهؤلاء قسمان.

خلاصة حول أقسام الناس في العبادة والاستعانة:

الآن الأقسام التي مرت معنا ثلاثة أقسام:

v   القسم الأول: من كمَّلوا ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾[الفاتحة:5]، نسأل الله أن نكون منهم، وهم أفضل الخلق وأكرمهم على الله - عزَّ وجلَّ -، هم أولياؤه، هم أحبابه، هم أهل التقوى، هم الصالحون، الذين لهم سعادة الدنيا ولهم فوز الآخرة، كمَّلوا العبادة لله في السر والعلن، واستعانوا به على طاعته، فلا عون لهم إلا من قِبَلِهِ -جلَّ في علاه -، وليس في قلوبهم التفاتٌ إلى سواه. هذا القسم الأول.

v   القسم الثاني: الذين تخلَّوا عن العبادة، وتخلَّوا عن طلب الإعانة منه - جلَّ في علاه -، وهؤلاء المخذولون، المحرومون، الهالكون، وهم أسوأ الخلق وأبغض الخلق إلى الله - عزَّ وجلَّ -.

v   القسم الثالث: عندهم نوع عبادة، عندهم شيء من العبادة، لكنهم لم يحققوا الاستعانة بالله - عزَّ وجلَّ -، وهؤلاء نوعان:

·         النوع الأول: القدريَّة، وهم الذين يقولون: إن الله لا يخلق أفعال العباد، وبالتالي إذا

كان لا يخلق أفعال العباد فإنه لا يُطْلَب العون منه؛ لأن فعلك من قِبَلِك، والله - عزَّ وجلَّ - لا يخلق شيئًا ولا يُعين على شيء، لا يُطلَب العون ممن لا يقدِر على الخلق، وهؤلاء كما قال المؤلف - رحمه الله -: "مخذولون".

يقول - رحمه الله -: "أهل القدر القائلون بأنه - سبحانه وتعالى - قد فعل بالعبد جميع مقدروه"، يعني: خلقك، وأعطاك السمع، والبصر، وأعطاك القوة، وليس وراء ذلك شيء، فلا تطلب من الله عونًا فيما وراء ذلك.

"وهؤلاء مخذولون موكولون إلى أنفسهم مسدودٌ عليهم طريق الاستعانة والتوحيد" أي: أنهم لا يحققون التوحيد التام لله؛ لماذا؟ لأنهم يعتقدون أن مع الله خالقًا يخلق دون الله - جلَّ وعلا - فالإنسان عندهم يخلق فعل نفسه؛ ولهذا يقولون: "الإيمان بالقدر نظام التوحيد" يعني: ينتظم به التوحيد ويستقيم به التوحيد وهو أصلٌ من أصول الإيمان.

قال ابن عباس: «الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن آمن بالله وكذَّب بقدره نقض تكذيبه -يعني: بالقدر- توحيده».

هذا القسم - أعاذنا الله وأجارنا الله وإياكم منهم - هؤلاء محرومون، مخذولون، موكولون إلى أنفسهم، ومن وُكِل إلى نفسه طرفة عين فقد وُكِل إلى هلاكٍ وخسار.

"لا حول ولا قوة إلا بالله"، نحن بالله وعليه - جلَّ في علاه - ونسأل الله أن نكون له، "نحن بالله" فكل ما يكون مِنَّا به، و"عليه" لا نَبْلُغ شيئًا إلا بإعانته، وتقديره، وتيسيره، "وله" نرجو أن نكون مخلصين في العبادة له.

كلنا بالله وعليه، لكننا نتفاوت في ماذا؟ في أن نكون "له"، فكن لله هذا الذي أمرك الله تعالى به، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾[البينة:5]، ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾[الزمر:3]، ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾[هود:123] - سبحانه وبحمده -.

هذا القسم الأول من هؤلاء.

·         القسم الثاني: يقول: قومٌ لهم عبادة وأوراد، لكنهم عموا عن الربط بين الأسباب والنتائج؛ فقالوا: إن الله يقدِّر كل شيء ولا حاجة لأخذ سببٍ من الأسباب لبلوغ الغايات، وهؤلاء هم الجبرية، يقابلون أولئك، يقولون: إذا شاء الله - عزَّ وجلَّ - أن تُدْرِك ما تريد من مصالح الدنيا والآخرة فستدركه فعلت السبب أو لم تفعله.

وهؤلاء عطَّلوا الأسباب، الذين قالوا: لا نفعل شيئًا، نحن بالله والله -عزَّ وجلَّ- يفعل كل شيء.

يأتون بكلامٍ صحيح، لكنهم يريدون به باطلًا، يريدون به تعطيل السبب، وهذا لا يمكن أن يُقره لا عقل ولا دين، لا عقل ولا شرع، فإن من عطَّل الأسباب وألغاها يكون بذلك قد اتهم الشرع - إذا كان يعتقده دينًا - فقد اتهم الشرع بمناقضة العقل وبالنقص؛ لأن الشرائع جاءت بذكر الأسباب المفضية إلى النتائج، فما من شيءٍ إلا جعل الله له سببًا، لكن الناس في الأسباب على ثلاثة أقسام:

القسم الأول: من يُلْغي الأسباب، وهذا هو الذي نتكلم عنه.

القسم الثاني: من يُعَظِّم الأسباب ويُعَلِّق قلبه بها ويلتفت إليها، وهؤلاء هم الذين وقعوا في الشرك حيث اعتمدوا في قلوبهم وتعلقت قلوبهم بغير الله.

القسم الثالث: الذين علَّقوا قلوبهم بالله، وعلموا أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، لكنهم مع هذا اليقين يأخذون ما أمرهم الله تعالى به من الأسباب، يعتقدون أن الأسباب مقدمات لنتائج، وأن النتائج لا تكون إلا بمقدماتها، ولكن هذه المقدِّمات إذا شاء الله أتت بالثمرة، وإذا لم يشأ الله لم تأت بالثمرة، وبالتالي هم قد علَّقوا قلوبهم بالله - عزَّ وجلَّ -، وجمعوا بين الأخذ بالسبب والركون بالقلب إلى مُسبب الأسباب، إلى خالق الأسباب - سبحانه وبحمده -، الذي إذا شاء أتت الأسباب بنتائجها، وإذا شاء عطَّل الأسباب عن نتائجها، بل إذا شاء جعل السبب يؤدي إلى نقيض النتيجة، جعل السبب يؤدي إلى نقيض النتيجة، كيف يكون السبب مؤديًا إلى نقيض النتيجة؟

مثل ما جرى مع إبراهيم - عليه السلام -، فإن قومه أرادوا ماذا؟ أرادوا أن يحرقوه بالنار؛ فأضربوا نارًا، النار مُحْرِقة هذا نتيجة السبب، السبب هو النار والنتيجة هي الإحراق، لكن لما شاء الله تعالى إنجاءه عطَّل السبب فلم تكن النار محرقة، بل جاء بنقيض السبب فقال - جلَّ وعلا -: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:69].

فالأسباب مخلوقة لله - جلَّ وعلا - يفعل بها ما يشاء - جلَّ في علاه -، فجديرٌ بالمؤمن أن يعلِّق قلبه بالله خالق الأسباب، وألا يلتفت إلى سواه، وإذا أخذ سببًا أخذه طاعةً لله.

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يُظاهِر بين درعين في قتاله، ويلبس المِغْفَر -صلى الله عليه وسلم-؛ ليتقي الأعداء في القتال، وكان يدَّخر - صلى الله عليه وسلم - قوت أهله لِسَنة، كل هذا من فعل الأسباب، لكن قلبه معلقٌ بالله، فالقوت الذي ادخرته لسنة قد يتلف، ويهلك، وقد لا يأتي بنتيجة، وقد تلبس الدروع ويأتيك القتل، فأنت تأخذ السبب، لكن تعلم أن قلبك معلقٌ بخالق السبب الذي ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:82].

والقسم الثالث من أقسام الناس: وهم الذين عندهم نوع عبادة، لكن ما عندهم كمال استعانة، سواء كان من القدرية الذين عطَّلوا الأسباب بالكلية، أو من الجبرية الذين أيضًا عطَّلوا الأسباب لكن من وجهٍ آخر.

فنسأل الله - عزَّ وجلَّ - أن يرزقنا البصيرة في الدين، وأن يُعيننا على طاعته، وأن يصرف عنا معصيته.

ويبقى القسم الرابع، وهم: الذين لم يكن عندهم عبادة، لكن كان عندهم استعانة، وهذا حال من يستعين بالله على معصيته، وعلى ما لا يُرضيه، وهذا حال كثيرٍ من الخلق، نتكلم عنهم - إن شاء الله تعالى - في مجلسنا يوم غدٍ بعد صلاة المغرب - إن شاء الله تعالى-.


التعليقات