تجريد التوحيد المفيد

من 2017-12-30 وحتى 2020-01-15
مشاركة هذه الفقرة

حقيقة التوحيد

الشرك وأنواعه

عدد المشاهدات : 366
الاثنين 24 جمادى آخر 1439هـ - الموافق 12 مارس 2018 م

الإخلاص والمتابعة متلازمان:

"والإخلاص هو: العمل الذي لا يتَقبَّل الله من عاملٍ عملًا صوابًا عاريًا منه، وهو الذي ألزم عباده به إلى الموت؛ قال الله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾[الملك:2]، وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾[الكهف:7]؛ وأحسن العمل: أخلصه وأصوبه. فالخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على وفق سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا هو العمل الصالح المذكور في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾[الكهف:110].

وهو العمل الحسن في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾[النساء:125].

وهو الذي أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: «كُلُ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» أخرجه بنحوه البخاري (2697)، ومسلم (1718) وكل عملٍ بلا متابعةٍ فإنه لا يزيد عامله إلا بُعْدًا من الله؛ فإن الله تعالى إنما يُعْبَد بأمره لا بالأهواء والآراء".

هذا الكلام في غاية النفاسة في بيان تحقيق العبودية لله - عزَّ وجلَّ - ومتابعة سيد البرية - صلوات الله وسلامه عليه -، فالإخلاص والمتابعة عنوان النجاة.

يقول - رحمه الله -: "والإخلاص هو: العمل الذي لا يقبل الله من عاملٍ صوابًا عاريًا عنه" كيف يكون صوابًا؟ أي: متابعًا فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإذا حققت المتابعة فَفَتِّش عن الإخلاص، فَتِّش عن عمل قلبك؛ فإن السير إلى الله - عزَّ وجلَّ - سير القلوب.

قطع المسافة بالقلوب إليك
 

لا بالسير فوق مقاعد الرُّكبانِ.
  

 فإذا انطلق البدن إلى الله - عزَّ وجلَّ - والقلب مُتخلِّف عن البدن لم يبلغ الإنسان غايةً ولم يصب هدفًا، بل ذهب سعيه بلا ثمرةٍ ولا نتيجة، أما من صَلُح قلبه فإن البدن لابد أن يتبع القلب، «أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ» أخرجه البخاري (52)، ومسلم (1599) فلابد من تحقيق الإخلاص لله؛ ولهذا عاد للتأكيد على ضرورة العناية بالإخلاص، وأن العمل حتى لو كان وفق هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا عَرِي هذا العمل عن الإخلاص لله فإنه لا ينفع صاحبه.

أحسن العمل أخلصه وأصوبه:

قال - رحمه الله -: "قال الله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾[الملك:2]، وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾[الكهف:7]".

ثم قال: "وأحسن العمل أخلصه" يعني: أعلاه إخلاصًا، "وأصوبه" يعني: أعظمه موافقةً لهدي النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -.

"فالخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على وفق سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم –" وهذا معنى: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله"، عملٌ خالص يقتدي فيه الإنسان بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -.

ثم يقول - رحمه الله -: "وهذا هو العمل الصالح المذكور في قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف:110]"، أي: يطمع في لقاء ربه لقاءً يفرح به وإلا كلنا سنلقى الله؛ ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾[الانشقاق:6]، كل بشرٍ يلقى الله، لكن شتان بين أن تلقاه فَرِحًا تحب لقاءه، وبين أن تلقاه تكره لقاءه لسوء عملك.

يقول - رحمه الله -: "وهذا العمل هو المذكور في قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾[الكهف:110]، وهو العمل الحسن في قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾[النساء:125]" هذا واحد، ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء:125].

إسلام الوجه لله هو تمام الإخلاص له، ليس ثمَّة دين أكمل ولا أعلى ولا أحسن ممن يجمع هذين الوصفين:

الأول: أن يكون عملك لله خالصًا؛ ﴿مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾[النساء:125]، وحَّد قصده فلا يقصد إلا الله.

الثاني: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾[النساء:125]، أي: وحاله أنه محسن في هذا العمل، ولا يمكن أن يتحقق إحسانٌ إلا بمتابعة سيد الأنام - صلوات الله وسلامه عليه -.

العمل بلا متابعة لا يزيد عامله إلا بعدًا:

ثم قال - رحمه الله -: "وهو الذي أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم -  في قوله: «كُلُ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»"؛ وعمله - صلى الله عليه وسلم - قلب وقالب، عمل قلب وعمل جوارح، فاتباعه ليس فقط في عمل الجوارح بصورة العمل، بل لابد مع صورة العمل من انقياد القلب، وأن يكون قلبك كقلبه - صلوات الله وسلامه عليه - في الإخلاص والقصد بأن يكون عملك لله وحده لا شريك له.

قال - رحمه الله -: "وكل عملٍ بلا متابعةٍ فإنه لا يزيد عامله إلا بعدًا"؛ انتبه: كل عملٍ لا تتابع فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه لا يقرِّبك إلى الله، بل يُبْعِدُك، لماذا يبعدك؟ لأنه سلوك غير سبيله، ولأنه إذا اشتغلت بغير سنته هجرت سنته، وأعرضت عن هديه، فلن تصل إلى وجهتك، ولن تصل إلى قصدك ولو حَسُنَت نِيَّتُك وأخلصت العمل لله - عزَّ وجلَّ -، لابد من الإخلاص لله؛ ولهذا سدَّ الله الطرق الموصلة، كل الطرق الموصلة إليه مغلقة لا توصل إلا طريقًا واحدًا هو: ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، الطريق الذي سار عليه سيد الورى؛ لهذا الجنة لا تُفْتَح إلا باستفتاحه، فإنه أول شفيعٍ في الجنة، يقول: «آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتفْتِحُ، فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ» أخرجه مسلم (197) لماذا؟ لأنه سيد الخلق الذي من سار على طريقه - صلوات الله وسلامه عليه - ولزم سنته نجا؛ ولهذا لا سبيل إلى بلوغ الغاية والمقصود إلا بمتابعته - صلى الله عليه وسلم -.

فالبِدَع وإن راقت للإنسان، ووجد منها لذةً، أو خشوعًا أو ما إلى ذلك، البِدَع لا تزيد صاحبها إلا بُعْدًا، وسيأتي تفصيلٌ في هذا الأمر.

قال - رحمه الله -: "فإن الله تعالى إنما يُعْبَد بأمره لا بالأهواء والآراء"؛ كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾[الشورى:21]؛ فالله يُعْبَد بشرعه، لا يُعْبَد بآراء الرجال، وأهوائهم، وأقوالهم، وما يشتهون، وما يحبون، إنما يُعْبَد الله - عزَّ وجلَّ - بما جاء به سيد الورى، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾[المائدة:3]، فكل من جاء بدينٍ بعد هذه الآية لم يأتِ به النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو مردودٌ على صاحبه.

"الضرب الثاني: من لا إخلاص له ولا متابعة له".

هذا القسم الثاني من أقسام الناس في الإخلاص والمتابعة.

القسم الأول: من حققوا الإخلاص وحققوا المتابعة، يقابلهم الذين لا متابعة لهم ولا إخلاص، مشركون وليسوا على هدي سيد المرسلين - صلوات الله وسلامه عليه -.


التعليقات