تجريد التوحيد المفيد

من 2017-12-30 وحتى 2020-01-15
(94) الصنف الأول أفضل العبادات أشقها على النفوس
12 دقيقة 38 ثانية
الاثنين 24 جمادى آخر 1439هـ - الموافق 12 مارس 2018 م
 
عدد المشاهدات : 799
مقدمة
(1) مقدمة وتعريف بالمؤلف رحمه الله 04 دقيقة 40 ثانية
(2) التعليق على البسملة والحمدلله 04 دقيقة 48 ثانية
(3) قول المؤلف "والعاقبة للمتقين" 01 دقيقة 53 ثانية
(4) قول المؤلف "فهذا كتاب جم الفوائد" 03 دقيقة 07 ثانية
تمهيد
(5) قول المؤلف "اعلم أن الله هو رب كل شيء ومالكه" 02 دقيقة 29 ثانية
(6) معنى قوله تعالى {رب العالمين} 03 ثانية
(7) الربوبية تقوم على أربعة أصول. 01 دقيقة 46 ثانية
(8) كل من كذب الرسل يقر بأن الله رب العالمين 46 ثانية
(9) والإلهية كون العباد يتخذونه محبوبا مألوها 05 دقيقة 31 ثانية
(10) إفراد الله بالحب والخوف والرجاء 03 دقيقة 58 ثانية
حقيقة التوحيد
(11) حقيقة التوحيد أن ترى الأمور كلها من الله 09 دقيقة 58 ثانية
(12) ثمرات إفراد الله تعالى بالعبادة 07 دقيقة 45 ثانية
(13) الربوبية من الله لعباده والتأله من العباد لله 04 دقيقة 34 ثانية
(14) التوحيد أنفس وأجل الأعمال 03 دقيقة 50 ثانية
(15) التوحيد له قشران 02 دقيقة 12 ثانية
(16) القشر الأول قول اللسان 06 دقيقة 38 ثانية
(17) القشر الثاني عمل القلب 04 دقيقة 28 ثانية
(18) لباب التوحيد 06 دقيقة 46 ثانية
(19)عبادة الهوى 07 دقيقة 35 ثانية
(20) عابد الصنم يعبد هواه 03 دقيقة 41 ثانية
(21) السخط على الخلق والالتفات إليهم 05 دقيقة 19 ثانية
(22) المشركون لم ينكروا توحيد الربوبية 04 دقيقة 32 ثانية
(23)المشركون أنكروا توحيد الإلهية والمحبة 13 دقيقة 25 ثانية
(24)تسوية غير الله بالله شرك 06 دقيقة 16 ثانية
(25) مباينة الشرك في توحيد الإلهية 05 دقيقة 47 ثانية
(26) توحيد الربوبية اجتمعت عليه الخلائق 02 دقيقة 48 ثانية
(27) توحيد الألوهية هو المطلوب من العباد 05 دقيقة 05 ثانية
(28) الاحتجاج بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية 07 دقيقة 40 ثانية
(29) الملك هو الآمر الناهي 08 دقيقة 41 ثانية
(30)الاستعاذة بالأسماء الحسنى 02 دقيقة 19 ثانية
(31)أعظم عوذة في القرآن 06 دقيقة 58 ثانية
(32) استعاذة النبي لما سحره اليهودي 06 دقيقة 12 ثانية
(33) تعلق الاستعاذة باسم الإله 02 دقيقة 46 ثانية
(34) مناجاة العبد لله تعالى 07 دقيقة 08 ثانية
(35) من الشرك إثبات خالقا مع الله 05 دقيقة 19 ثانية
(36) ربوبية الله كاملة مطلقة 02 دقيقة 39 ثانية
الشرك وأنواعه
(37) شرك الأمم كله نوعان 09 دقيقة 14 ثانية
(38) الكتب الإلهية وإقرار التوحيد 03 دقيقة 04 ثانية
(39) وأصل الشرك في محبة الله تعالى 07 دقيقة 01 ثانية
(40) تسوية الله بغيره شرك 05 دقيقة 37 ثانية
(41) الشرك بالله الذي لا يغفره الله 05 دقيقة 32 ثانية
(42)خلق الله آية شاهدة بتوحيده 06 دقيقة 49 ثانية
(43) من أدلة وجوب إفراد الله بالعبادة 03 دقيقة 27 ثانية
(44) من الشرك جعل مع الله خالقا آخر 06 دقيقة 07 ثانية
(45) وكثيرا ما يجتمع الشركان في العبد 03 دقيقة 29 ثانية
(46) السجود لغير الله شرك 04 دقيقة 23 ثانية
(47) الطواف بغير البيت المحرم شرك 02 دقيقة 36 ثانية
(48) حلق الرأس عبودية وخضوعا لغير الله شرك 03 دقيقة 52 ثانية
(49) تقبيل القبور والسجود لها شرك 03 دقيقة 56 ثانية
(50) لعن النبي من اتخذ القبور مساجد 06 دقيقة 14 ثانية
(51) أقسام الناس في زيارة القبور 08 ثانية
(52)حماية النبي لجناب التوحيد 05 دقيقة 53 ثانية
(53) الشرك في اللفظ 08 دقيقة 32 ثانية
(54) أثبت الله للعبد مشيئة 04 دقيقة 54 ثانية
(55)إياك نعبد تشمل السجود والتوكل والإنابة 02 دقيقة 38 ثانية
(56)العبادة اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه 01 دقيقة 43 ثانية
(57) عرف الحق لأهله 01 دقيقة 48 ثانية
(58) الشرك في الإرادات والنبيات 06 دقيقة 08 ثانية
(59) فإن قيل المشرك إنما قصد تعظيم جناب الله 06 دقيقة 57 ثانية
(60) الشرك موجبا لسخط الله وغضبه 04 دقيقة 57 ثانية
(61) الشرك نوعان 06 دقيقة 40 ثانية
(62) الشرك نوعان أحدهما شرك التعطيل 07 دقيقة 32 ثانية
(63) أصل الشرك وقاعدته التعطيل 04 ثانية
(64) شرك أهل الوحدة 05 دقيقة 36 ثانية
(65) النوع الثاني شرك التمثيل 05 دقيقة 26 ثانية
(66) حقيقة الشرك تشبيه المخلوق بالخالق 02 ثانية
(67) تشبيه المخلوق بالخالق في خصائص الإلهية 02 دقيقة 59 ثانية
(68) خصائص الإلهية الكمال المطلق من جميع الوجوه 04 دقيقة 10 ثانية
(69) لما غيرت الشياطين فطر الناس 02 دقيقة 10 ثانية
(70) من خصائص الإلهية السجود لله 02 دقيقة 51 ثانية
(71) من تعاظم وتكبر فقد تشبه بالله ونازعه 10 دقيقة 57 ثانية
(72) التشبيه والتشبه هو حقيقة الشرك 03 دقيقة 59 ثانية
(73)من ظن أن الله لا يستجيب له إلا بواسطة 03 دقيقة 54 ثانية
(74) من صور سوء الظن بالله تعالى 04 دقيقة 20 ثانية
(75) يمتنع في العقول والفطر أن يشرع الله لعباده اتخاذ الوسائط 05 دقيقة 14 ثانية
(76)ما قدر الله حق قدره من أشرك معه غيره 06 دقيقة 21 ثانية
(77)أصل الضلال الظن بالله ظن السوء 05 دقيقة 31 ثانية
(78)كل من عبد مع الله غيره فإنه عبد شيطانا 03 دقيقة 43 ثانية
أقسام الناس في عبادة الله واستعانته
(79) الناس في عبادة الله على أربعة أقسام 02 دقيقة 05 ثانية
(80) القسم الأول أهل العبادة والاستعانة 04 دقيقة 11 ثانية
(81) طلب الإعانة على مرضاة الله تعالى 08 دقيقة 16 ثانية
(82) القسم الثاني المعرضون عن عبادة الله 10 دقيقة 25 ثانية
(83) إجابة الله لبعض السائلين ليست لكرامته عليه 09 دقيقة 58 ثانية
(84) من له نوع عبادة بلا استعانة 10 دقيقة 48 ثانية
(85) حقيقة الاستعانة عملا 05 دقيقة 15 ثانية
(86) وجوب الاعتماد على الله والتفويض إليه 06 دقيقة 59 ثانية
(87) الرابع من له استعانة بلا عبادة 03 دقيقة 28 ثانية
(88) لا تتحقق العبادة إلا بالإخلاص والمتابعة 08 دقيقة 32 ثانية
أقسام الناس في الإخلاص
(89) أهل الإخلاص والمتابعة 07 دقيقة 25 ثانية
(90) الإخلاص شرط قبول العمل 08 دقيقة 01 ثانية
(91) من لا إخلاص له ولا متابعة 06 دقيقة 43 ثانية
(92) من له إخلاص على غير متابعة 05 دقيقة 13 ثانية
(93) من أعماله على متابعة الأمر لكنها لغير الله 04 دقيقة 18 ثانية
الخلاف في أفضل العبادة وأنفعها
(94) الصنف الأول أفضل العبادات أشقها على النفوس 12 دقيقة 38 ثانية
(95) الصنف الثاني أفضل العبادات التجرد والزهد في الدنيا 03 دقيقة 01 ثانية
(96) العارفون والمنحرفون إذا جاءهم الأمر والنهي 03 دقيقة 22 ثانية
(97) من يترك الواجبات والفرائض 02 دقيقة 26 ثانية
(98) الصنف الثالث أفضل العبادات ما كان فيه نفع متعد 07 دقيقة 01 ثانية
(99) الصنف الرابع أفضل العبادات العمل على مرضاة الرب 01 دقيقة 35 ثانية
(100) أفضل العبادات في وقت الجهاد 12 دقيقة 26 ثانية
أقسام الناس في منفعة العبادة وحكمتها
(101) نفاة الحكم والتعليل 21 دقيقة 54 ثانية
(102) الصنف الثاني القدرية النفاة 04 دقيقة 59 ثانية
(103) القدرية أوجب رعاية المصالح 06 دقيقة 01 ثانية
(104) تأمل قول الله تعالى وتلك الجنة التي أورثتموها 05 دقيقة 21 ثانية
(105) الباء المبثبتة التي وردت في القرآن 06 دقيقة 30 ثانية
(106) والآخرون يوجبونها حفظا للوارد 05 دقيقة 59 ثانية
(107) حقيقة العبادة امتثال الأمر والنهي 07 دقيقة 28 ثانية
(108) محبة الله هي حقيقة العبودية وسرها 06 دقيقة 18 ثانية
(109) اعلم أن للعبادة أربع قواعد 10 دقيقة 22 ثانية
(110) الخاتمة. 04 دقيقة 50 ثانية

طرائق الناس في أنفع العبادات وأفضلها:

"ثم أهل مقام: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾[الفاتحة:5]، لهم في أفضل العبادة وأنفعها وأحقها بالإيثار والتخصيص أربعة طرق، وهم في ذلك أربعة أصناف:

الصِنف الأول: عندهم أنفع العبادات وأفضلها: أشقها على النفوس وأصعبها، قالوا: لأنه أبعد الأشياء من هواها، وهو حقيقة التعبُّد، والأجر على قدر المشقة، ورووا حديثًا ليس له أصل: «أفضل الأعمال أَحْمَزُهَا»، أي: أصعبها وأشقها، وهؤلاء هم أرباب المجاهَدات والجَوْر على النفوس، قالوا: وإنما تستقيم النفوس بذلك؛ إذ طبعها الكسل والمهانة والإخلاد إلى الراحة، فلا تستقيم إلا بركوب الأهوال وتحمل المشاق".

هذا هو القسم الأول من أقسام الناس فيما يتعلق بأنفع العبادات وأحقها بالتقديم، فهؤلاء حققوا العبادة لله - عزَّ وجلَّ -، كل هذه الأصناف حققت العبادة لله - عزَّ وجلَّ -، ولكنها اختلفت وتفاوتت في الهداية إلى أفضل الأعمال التي يستعمل الإنسان نفسه فيها.

الفرائض مقدَّمة على كل عمل يُتقرب به إلى الله تعالى:

والبحث هنا - أيها الإخوة - فيما يتعلق بأفضل الأعمال بعد الفرائض؛ فإن الفرائض هي المقدَّمة على كل عمل؛ وذلك أنَّ الله - عزَّ وجلَّ - فرض الفرائض وأمر بحفظها وعدم تضييعها، وهي أحب ما يُتَقرب بها إليه، جاء ذلك فيما رواه البخاري من حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يقول الله -عزَّ وجلَّ-: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ»، ثم قال: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» أخرجه البخاري (6502) .

فأحبُّ ما تتقرب به إلى الله - عزَّ وجلَّ - هو ما فرضه عليك، فالواجبات هي أَوْلى وأول ما ينبغي أن يشتغل به الإنسان الراغب في تحقيق العبودية للرحمن، الراغب في أن يحقق: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾[الفاتحة:5]؛ فإن العبادة أول ما تكون بالفعل للواجب، ثم بعد ذلك التقرب إلى الله - عزَّ وجلَّ - بالنوافل والمستحبات، وهذه هي المنزلة الثانية؛ ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: «وَلا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ»، يعني بعد الفرائض، «حَتَّى أُحِبَّهُ»، أي: إلى أن يَبْلُغ من تحقيق العبادة في فرضها وواجبها، وفي مستحبها ومندوبها، هذه المنزلة العالية؛ أن يُحِبَّه الله - عزَّ وجلَّ-، «فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ اسْتَعَاننِي لَأُعِيننَّهُ ولَئِن اسْتَنْصَرَنِي لَأَنْصُرَنَّهُ» أخرجه البخاري (6502) .

فما ذكره - رحمه الله - في هذا المقطع من تفاوت الناس، أو من اختلاف الناس، أو تنوُّع طرق الناس في أفضل العبادات وأنفعها وأحقها بالإيثار هو فيما بعد الفرائض، أما فيما يتعلق بالفرائض فهي مقدَّمة على جنس العمل بالمستحبات والمندوبات.

فالخلاف هنا هو: في أي الأعمال أفضل مما يتعلق بالنوافل؟

أدلة الذين يقدِّمون من العبادة أشقها وأصعبها:

من العلماء ومن العُبَّاد من يقدِّم في العبادات ما كان أشق وأصعب على النفس، وهذا هو الصنف الأول؛ عندهم أنفع العبادات وأفضلها طبعًا وأعظمها أجرًا؛ أشقها على النفوس وأصعبها، لماذا؟

ذكروا في ذلك تعليلًا ودليلًا:

أما التعليل: فقالوا: لأنها أبعد الأشياء مِن هواه؛ أي: من هوى المكلف؛ وهو ما يشتهيه ويحبه، وكلما كان الشيء أبعد عن الهوى كان أقرب إلى الهدى، هذا التعليل الأول.

والتعليل الثاني: أنَّ الأجر على قدر المشقة، أي: الثواب على قدر المشقة.

فذكروا تعليلين.

وأما الاستدلال فهو: تعزيز للتعليل الثاني، حيث قالوا: «أفضل الأعمال أَحْمَزُهَا»   علقه ابن الأثير في النهاية (1/ 440) عن ابن عباس مرفوعًا، وقال المزي: هو من غرائب الأحاديث، ولم يُرْوَ في شيء من الكتب الستة. وقال ابن القيم في المدارج (1/ 106): لا أصل له. وقال الزركشي: لا يُعرف. ينظر: المقاصد الحسنة (138)، والمصنوع في معرفة الحديث الموضوع (33) .

استدلوا بهذا الذي ذكروه حديثًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، حيث قالوا: ورد في الحديث: «أفضل الأعمال»، أي: أعلاها منزلةً وأكثرها فضلًا، «أَحْمَزُهَا»، أي: أشقها وأصعبها.

الرد على أدلة الذين يفضِّلون من العبادة ما فيه مشقة:

وهذا الحديث الذي ذكروه من غرائب الأحاديث، ولم يُرْوَ في شيءٍ من كتب السُّنَّة، وهو حديثٌ لا أصل له، فلا يصلح الاستدلال به.

وبالتالي؛ ليس ثمَّة ما يُسْتَنَدُ إليه في أنَّ أفضل الأعمال أشقها وأصعبها، وما ذكروه من الدليل والتعليل لا يقوى على التفضيل؛ إذ إن الأدلة دالة على أن هذه الشريعة شريعةٌ سمحاء، وبالتالي الاستدلال بأنَّ الأشق هو الأفضل يتنافى مع روح الشريعة المبنية على اليُسْر والسماحة؛ قال الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾[المائدة:6]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:185].

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ»

أخرجه البخاري (39) وقال كما في المسند بإسناٍد جيد: «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» أخرجه الإمام أحمد في المسند (22291)، وضعَّفه الهيثمي في المجمع (9441)، إلا أن العجلوني في كشف الخفا (121) قال: رواه أحمد في مسنده بسند حسن عن عائشة أيضًا لكن بلفظ: «إني أرسلت بالحنيفية السمحة» و«الْحَنِيفِيَّةِ»، يعني: التوحيد المجافي للشرك، و«السَّمْحَةِ» يعني: اليسيرة السهلة التي لا مشقة فيها ولا حرج ولا عناء.

كل هذه النصوص لا تلتئم مع هذه التعليلات التي ذكروا، وأما الحديث الذي استندوا إليه فهو ضعيف، ثم لو قُدِّر أنَّ الحديث صحيحٌ فإنه يُحْمَل على معنًى يتفق مع بقية النصوص الدالة على اليسر والسماحة في هذه الشريعة وأن المشقة ليست مقصودة للشارع، ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾[النساء:147].

نفي المشقة من مقاصد الشريعة:

والنصوص كثيرةٌ مستفيضة في تقرير هذا المعنى، وأنَّ الشريعة لا تطلب من المكلفين العسر والمشقة، على العكس بل تطلب منهم تحقيق العبودية على الوجه المتيَسِّر؛ فقد جاء نفي المشقة في أحاديث كثيرة:

ففي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عباس، قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ، إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ، فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا: أَبُو إِسْرَائِيلَ، نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلاَ يَقْعُدَ، وَلاَ يَسْتَظِلَّ، وَلاَ يَتَكَلَّمَ، وَيَصُومَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» أخرجه البخاري (6704) .

فنهاه النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أمور ألزم بها نفسه، ليس فيها تعبد، وفيها مشقة على النفس غير مقصودةٍ للشارع.

وفي حديث آخر في الصحيحين عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ، قَالَ: «مَا بَالُ هَذَا؟»، قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ»، وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ أخرجه البخاري (1865)، ومسلم (1642) .

الفرق بين المشقة الملازمة للعمل والمشقة المنفية شرعًا:

يعني: ليس غرض الشارع أن يُحَمِّل الناس مشقةً، بل المشقة منفية شرعًا، وإنما تكون المشقة مأجورًا عليها إذا كانت ملازمةً للعمل لا ينفك عنها العمل، لكن لم يأمرنا الشارع بأن نقصد المشقة، وفَرْقٌ بين الأمين.

أضرب لذلك مثلًا؛ حتى يتضح الفرق:

الصوم في اليوم الصائف الحار شديد الحرارة عِبادة يؤجر عليه الإنسان، ويقال له: أجرك على قدر ما أصابك من المشقة، لكن هل معنى هذا أن يقصد الإنسان الإشقاق على نفسه بأن يتعرض للشمس ويتعرض للحر الذي يزيد من عنائه؟

الجواب: لا، ليس هذا مقصودًا للشارع، إنما العبادة التي تلازمها المشقة يكون الأجر فيها على قدر المشقة، فما كان من شاقٍّ في العمل يؤجر عليه الإنسان، لكن لا يُؤْجَر الإنسان على قَصْد الإشقاق على نفسه، بل يكون كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ»؛ فإن الله تعالى لم يقصد من العبادات أن ينال الناس مشقةٌ وعناءٌ وعُسْر، بل ذلك مما نَفَتْهُ الشريعة.

ففرقٌ بين الأمرين، بين المشقة الملازمة للطاعة، فهذه يؤجر عليها الإنسان؛ الاستيقاظ لصلاة الفجر في الليل الشاتي أليس متعبًا وعسيرًا على كثيرٍ من النفوس أن تهجر وثير الفرش؟

الجواب: نعم، لكن هذه المشقة لا تذهب هباءً، فأجرهم على الله - عزَّ وجلَّ -.

لكن لو أن إنسانًا قال: أريد أن أُكلِّف نفسي مشقةً زائدة؛ لأُوجَر، فلما استيقظ لصلاة الفجر ذهب إلى ماءٍ بارد فصبَّه على نفسه دون حاجةٍ إلى اغتسال، وخرج ليلقى مشقةً زائدة في خروجه، أيؤجر على هذا العمل؟

الجواب: لا؛ لأن هذا من الإشقاق على النفس الذي لا يُتَعَبَّد لله تعالى به؛ ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾[النساء:147].

وبه يُفْهَم معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة في الحج: «أَجْرُك عَلَى قَدْرِ نفقتك وَنَصَبِك» أخرجه بنحوه مسلم (1211) أي: على قدر ما تبذلينه من المال، وعلى قدر ما تتحمَّلينه من العناء والمشقة، لكن هذا لأن الحج بطبيعته فيه من المشاق والعناء ما يحتاج معه الإنسان إلى أن يُصَبَّر وأن يُذَكَّر بأن ما يلقاه من مشاق في عبادته هو مأجورٌ عليه.

فليس صحيحًا أنَّ أعظم الأعمال أجرًا وأن أفضلها عند الله - عزَّ وجلَّ - الأكثر مشقةً وصعوبةً وعناءً، فليس ثمَّة دليلٌ لا في الكتاب، ولا في السُّنَّة، ولا فيما اجتمعت عليه كلمة الأئمة، أن المشقة مقصودة، بل الشريعة جاءت باليسر.

إذًا هذا هو الصنف الأول، وبيان غلط هذا المسلك.

 


التعليقات