تجريد التوحيد المفيد

من 2017-12-30 وحتى 2020-01-15
مشاركة هذه الفقرة

حقيقة التوحيد

الشرك وأنواعه

عدد المشاهدات : 187
الاثنين 24 جمادى آخر 1439هـ - الموافق 12 مارس 2018 م

الصنف الثاني: الذين يثبتون نوعًا من الحكمة والتعليل:

"الصنف الثاني: القدرية النُفَاة، الذين يُثْبِتُون نوعًا من الحكمة والتعليل لا يقوم بالرَّبِّ ولا يرجع إليه، بل يرجع لمحض مصلحة المخلوق ومنفعته، فعندهم أنَّ العبادات شُرِعَت أثمانًا لما يناله العباد من الثواب والنعيم، وأنها بمنزلة استيفاء الأجير أجره. قالوا: ولهذا يجعلها – سبحانه - عِوضًا  كقوله: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[الأعراف:43]، ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[النمل:90]، ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[النحل:32]، ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾[الزمر:10].

وفي الصحيح: «إِنَّمَا هِـيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا عليكم ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا» أخرجه مسلم (2577) .

قالوا: وقد سمَّاها جزاءً وأجرًا وثوابًا؛ لأنه شيءٌ يثوب إلى العامل من عمله، أي: يرجع إليه.

قالوا: ويدل عليه الموازنة، فلولا تعلُّق الثواب بالأعمال عِوَضًا عليها لم يكن للموازنة معنى".

هذا الصنف الثاني، هؤلاء أثبتوا الحكمة والعلة، لكنهم أخطئوا في تعيينها فيما يتعلق بشرع الله - عزَّ وجلَّ -، فهؤلاء قالوا: إنَّ ما شرعه الله - عزَّ وجلَّ - ليس لأجل حِكَمٍ في شرعه - سبحانه وبحمده -، إنما لأن ما شرعه من الأوامر والنواهي يُدْرِك به الإنسان ثوابًا إذا امتثل وعِقابًا إذا لم يمتثل، لكن ليس ذلك لأن هذه الأوامر تعود عليه بالخير في معاشه، أو أنها سببٌ لصلاح دنياه، إنما لأجل الثواب والعقاب، وذكروا في ذلك استدلالًا بالآيات التي فيها الخبر عن أنَّ الله تعالى يجزي الإنسان على عمله فيُدْخِله الجنة بعمله، كما قال تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[الأعراف:43].

فالعمل هو الموجب لدخول الجنة، وليس له نفعٌ ولا مصلحة أو حِكْمَة فيه إلا هذا فقط، وهؤلاء لاشك أنهم أثبتوا شيئًا من حِكَم أفعال الله - عزَّ وجلَّ - وأقضيته وأحكامه، لكنهم أخطئوا في إثبات ما دلَّت عليه الأدلة من كمال حِكمته وتمام ما جاء به في شرعه من النور والهدى والصلاح للعباد في معاشهم ومعادهم.

وسنأتي على الجواب على هاتين الضلالتين عند ذكر الصنف الرابع من أصناف الناس في مسائل الحِكَم والتعليل.

من لوازم قول هاتين الطائفتين:

يقول - رحمه الله - بعد أن ذكر طائفتين: الجبرية، والقدرية، وهم ممن ضلَّ في الحِكم والأسباب، وضلَّ في علة أفعال الله - عزَّ وجلَّ -، يقول:

"وهاتان الطائفتان متقابلتان، فالجبرية لم تجعل للأعمال ارتباطًا بالجزاء البتَّة، وجوَّزَت أن يُعَذِّب الله من أفنى عمره في الطاعة، ويُنَعِّم من أفنى عمره في مخالفته، وكلاهما سواءٌ بالنسبة إليه، والكل راجعٌ إلى محض المشيئة".

هذه نتائج هذه الأقوال، أي: ما يترتب عليها، هذه لوازم تلك الأقوال التي أشار إليها بأنها لوازم فاسدة، فهؤلاء الجبرية يقولون: "لو أن الله أدخل إبليس الفردوس، وأدخل محمد بن عبد الله الدرك الأسفل من النار، ما كان مخالفًا لمقتضى الحِكْمة"، وهذا من عمى البصيرة، وضلال الفكر والعقل، وهو ناتجٌ عن عدم العلم بكمال الرب - جلَّ في علاه -، فمن يعلم أن الله لا يظلم الناس شيئًا، وأنَّ الله - سبحانه وبحمده - حكمٌ عدل لا يمكن أن يقول هذا القول، هذا القول تقشعر منه الأبدان فضلًا عن أن تعتقده الأفئدة ويقر في القلوب؛ ولهذا لا أطيب، ولا أهنأ، ولا أسلم لقلب الإنسان من اعتقاد ما دلَّ عليه قول الله وقول رسوله، وترك هذه الطرق المنحرفة الضالة التي تُزَيَّن بشُبَه وزخارف من القول لا تُساعدها على الصحة والثبات.

شبهٌ تَهَافَتْ كَالزُّجَاجِ تَخَالُهَا
 

حُجَجًا وَكُلٌّ كَاسِرٌ مَكْسُورُ
  

ما فيها شيء قائم، إنما هي من زخارف القول التي يُزَيَّن بها الباطل.


التعليقات