شرح العقيدة الواسطية

من 1439-02-06 وحتى 1440-12-06
مشاركة هذه الفقرة

أركان الإيمان

فصل: السنة تفسر القرآن وتبينه

فصل: في قرب الله تعالى وإجابته وأن ذلك لا ينافي علوه

فصل: في الإيمان بأن القرآن كلام الله حقيقة

فصل: في الإيمان بأن المؤمنين يرون الله يوم القيامة

فصل: الإيمان باليوم الآخر

فصل: طريقة أهل السنة العملية

عدد المشاهدات : 242
الخميس 10 شعبان 1439هـ - الموافق 26 ابريل 2018 م

إثبات-نزول-الله-تعالى-إلى-السماء-الدنيا

مثل قوله –صلى الله عليه وسلم-: «ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له» متفق عليه.

هذا الحديث حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- وقد رواه البخاري ومسلم من طريق مالك عن ابن شهاب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: مَن يدعوني فأستجيب له، مَن يسألني فأعطيَه، مَن يستغفرني فأغفر له» هذا الحديث الشريف أخبر به رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وقد استفاض في السنة خبر رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عن نزول الله –عز وجل- إلى السماء الدنيا واتفق على ذلك سلف الأمة وأئمتها فإنهم متفقون على إثبات هذا الحديث والإيمان به.

وهو متضمن الخبر عن نزول الله -جل في علاه- إلى السماء الدنيا، والسماء الدنيا هي السماء التي تكون أول الطباق أقرب السموات إلى الأرض وسميت بالدنيا لأنها أقرب السموات إلى الأرض؛ فالدنيا من الدنو وهو القرب، ويمكن أن تضاف أيضًا إلى الدنيا التي هي محل اختبار الناس وابتلائهم وعلى كل حال هذا الحديث يخبر فيه النبي –صلى الله عليه وسلم- عن نزول الله –عز وجل- وهو نزول في وقت محدد حين يبقى ثلث الليل الآخر وهو آخر الليل وهذا النزول الذي أخبر عنه رسول الله –صلى الله عليه وسلم- متكرر كل ليلة، وذاك من فضله وإحسانه وعظيم رحمته ورأفته وجوده ولطفه بعباده سبحانه وبحمده.

فإنه يدنو جل في علاه على الوجه اللائق به، ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة في ثلث الليل الآخر ويقول جل في علاه ثلاث جمل كلها حث وترغيب للعاملين فيقول جل في علاه.

"من يدعوني فأستجيب له" أي من يناديني ويطلب مني بدعائه سواء كان الدعاء هنا دعاء سؤال وطلب أو دعاء عباده بالتقرب إليه جل في علاه بصلاة وتلاوة وذكر ونحو ذلك مما يشرع في هذا الوقت من الأعمال الصالحة.

فقوله "من يدعوني" يشمل نوعي الدعاء دعاء العبادة والخضوع ودعاء الطلب والمسألة.

فالدعاء نوعان:

دعاء العبادة يشمل كل قربة يتقرب بها العبد إلى الله –عز وجل- من الصلاة والزكاة والصوم والحج كل هذا دعاء لأنه يعمل العبد بذلك أو يعمل العبد ذلك رجاء ثواب الله –عز وجل- ورغبة منه في النجاة والفوز بالأجر والجزاء الوفير من الله –عز وجل-.

وأيضا دعاء المسألة والطلب وهو سؤال الحاجات منه سبحانه وتعالى.

وقوله: "فأستجيب له" الاستجابة في مقابل السؤال والطلب هي بإحدى ثلاث خصال؛ إما أن يعطيه الله ما سأل، وإما أن يصرف من السوء مثل ما سأل، وإما أن يدخره له في الآخرة.

فالاستجابة في قوله "فأستجيب له" هو بواحد من هذه الأوجه الثلاثة.

وقوله: "من يدعوني فأستجيب له" إذا كان المقصود به دعاء العبادة من الصلاة ونحوها فالاستجابة في هذه الحال تكون بالأجر والجزاء والثواب على ما يكون من التعاطي والعبادات، فقوله –صلى الله عليه وسلم-: «من يدعوني فأستجيب له» في الخبر عما يقوله الله –عز وجل- يشمل الاستجابة التي هي العطاء وإجابة السائل، ويشمل أيضًا الاستجابة بمعنى القبول للعمل والإثابة عليه.

أما ثاني الجمل فهي قوله سبحانه وبحمده: "من يسألني فأعطيه" والسؤال داخل في الدعاء إذ أنه نوع منه –كما سبق بيانه- وإنما ذكره لحث النفوس على التقرب إلى الله –عز وجل- في هذه اللحظة بالمسائل، والناس لا تنقضي مسائلهم ولا تنتهي حوائجهم فلا يزالون في حاجة إلى فضله وإحسانه وبره وعطائه فهو الغني وعباده الفقراء ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ[فاطر: 15] فالناس محتاجون إلى الله –عز وجل- في كل لحظاتهم لا يستغنون عنه لحظة من اللحظات ولا شيء من الزمن فهم إلى الله جل وعلا فقراء في غاية الضرورة والحاجة.

قال: "من يستغفرني فأغفر له" وهذا ذكر مسألة بعينها وهي الاستغفار، والسبب في هذا أن الاستغفار من أجل الأعمال، لذلك ذكره الله تعالى في أعمال أهل التقوى والصلاح ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ[الذاريات: 18] فذكر الاستغفار على وجه الخصوص مع دخوله في الدعاء والمسألة تنبيه إلى أهميته وأنه من المواطن التي يتفضل الله تعالى بها على العباد بجزيل المغفرة والعفو والصفح.
هذا الحديث تكلم به رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بين أصحابه وهم أعلم الناس بالله، وأحرص الناس على الخير، وهم أشد الناس حرصا على معرفة قوله –صلى الله عليه وسلم- فقبلوا ذلك منه وآمنوا بما فيه، لم يعارضوه بآراء، ولم يخالفوه بأوهام، ولم يردوا عليه بظنون وإيرادات لإضعافه أو رده أو التشكيك فيه وهكذا ينبغي للمؤمن عندما يسمع مثل هذا الحديث الذي يخبر فيه النبي –صلى الله عليه وسلم- عن ربه يجب عليه قبول ذلك والنظر إلى ما فيه من الرحمة والمنة والنعمة حيث أن النبي –صلى الله عليه وسلم- أخبر عن هذا تحفيزًا للنفوذ.

إثبات الصفات يكون بلا توهم نقص قط.

والصحابة يوقنون أن الله تعالى ليس كمثله شيء، فنزوله الذي أخبر به رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث نزول يليق به لا يستلزم بحال من الأحوال معنى فاسد أو نقص أو عيبًا،

فالله منزه عن كل عيب ونقص سبحانه وبحمده، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير له المثل الأعلى أي الصفة التامة الكاملة، وله الأسماء الحسنى جل في علاه، فلا يتطرق إليه عيب ولا نقص سبحانه وبحمده، ولهذا آمنوا بالنزول على الوجه الذي أخبر به النبي –صلى الله عليه وسلم- ولم يأتِ في أذهانهم أن ذلك يقتضي نقصًا أو عيبًا أو شيئًا من هذه الأوهام التي يتكلم بها ضعاف الإيمان ممن امتلأت قلوبهم شُبَهًا وريبًا، فظهرت في ألسنتهم على نحو من الأسئلة؛ فتجد من يقول كيف ينزل فيقال له: نزول يليق به سبحانه وبحمده.

لا نمثل ولا نكيف في الإثبات:

لا نعلم كيف نزوله لأن الكيف في صفات الله تعالى مجهول، إنما نثبت نزولا يليق به لا يستلزم منازلة المخلوقين، له فيه الكمال المطلق سبحانه وبحمده، ولهذا ما يورده بعض الناس من أن هذا الحديث يستلزم أن يكون الله نازلا إلى السماء الدنيا كل وقت لأن الليل وثلث الليل ينتقل من مكان إلى مكان هؤلاء لم يتدبروا ما في هذا الحديث من المعنى المقصود ببيان عظيم رحمة الله وفضله والله ليس كمثله شيء سبحانه وبحمده كل يوم هو في شأن.

فإذا جاءك الخبر عن الله؛ أو عن أسمائه، وعن صفاته احذر أن تُمَثِّل، احذر أن تطلب كيفيته، احذر أن ترد قول الله أو قول رسوله لوهم يرد في قلبك، أو ظن فاسد يلقيه الشيطان على خاطرك، فالله ليس كمثله شيء سبحانه وبحمده، فآمن بما أخبر به النبي –صلى الله عليه وسلم- وسلم بذلك دون أن تورد عليه هذه الإيرادات الباردة التي تخرج النص عن مدلوله، ولو كانت خيرًا وبرًّا وعلمًا وهديا لسأل عنها أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ولطلبوا بيانها وإيضاحها.

فلما سمعوها وأعرضوا عن ذلك دل أن المقصود هو ما اعتقدوه من الخبر عن الله –عز وجل- بما يليق به من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل.

أقوال من ضل في هذه الصفة:

وقد ضل في هذه الصفة قوم فقالوا: إن الذي ينزل ملك من الملائكة، وقال آخرون: الذي ينزل هو أمر الله. وكل هذا فرار من إثبات ما أثبته الله لنفسه؛ لاعتقادهم أن النزول الإلهي يقتضي نقصًا وتشبيها بالبشر، والحقيقة أنه يقتضي بيان كمال الرب برحمته وفضله وإحسانه على عباده، فهو الرءوف الرحيم وهو جل في علاه الذي يبتدر عباده بإحسانه، فرب العالمين ينادي عباده فيقول: من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطي من يستغفرني فأغفر له، فهل تقول الملائكة أو يقول أمرُ الله: هل من سائل فأعطيه؟! أم هل يقول أمره: هل من تائب فأتوب عليه؟! وهل يختص نزول أمر الله أو نزول الملائكة بثلث الليل؟ فإذا كان الجواب – قطعا – لكلا السؤالين: لا. فينبغي إمرار ذلك على نحو ما دلت عليه النصوص من غير تحريف ولا تعطيل. وعدم النظر إلى تلك الأسئلة والإيرادات التي يوردها الموردون على مثل هذه النصوص، فإنها صدرت عن أعلم الخلق بربه، وأفصح الخلق لسانا، وأعظمهم نصحا وبيانا صلى الله عليه وعلى آله وسلم.


التعليقات