شرح العقيدة الواسطية

من 1439-02-06 وحتى 1440-12-06
مشاركة هذه الفقرة

أركان الإيمان

فصل: السنة تفسر القرآن وتبينه

فصل: في قرب الله تعالى وإجابته وأن ذلك لا ينافي علوه

فصل: في الإيمان بأن القرآن كلام الله حقيقة

فصل: في الإيمان بأن المؤمنين يرون الله يوم القيامة

فصل: الإيمان باليوم الآخر

فصل: طريقة أهل السنة العملية

عدد المشاهدات : 475
الخميس 10 شعبان 1439هـ - الموافق 26 ابريل 2018 م

وسطية أهل السنة في الإيمان بالله عز وجل:

هذا أول ما ذكره المؤلف –رحمه الله- من أوجه وسطية أهل السنة والجماعة، أو من أمثلة وسطية أهل السنة والجماعة في الاعتقاد، وهو فيما يتصل بالإيمان بالله –عز وجل-، الإيمان بالله –عز وجل- مفتاح الخيرات، به يدرك الإنسان سعادة الدنيا والآخرة، به يدرك الفوز وينجو من كل عطب وهلاك.

الإيمان بالله يقتضي التوحيد بكل أنواعه:

الإيمان بالله –عز وجل- يقتضي الإيمان بربوبيته وأنه لا رب سواه جل في علاه أنه الخالق المالك المدبر الرازق يقتضي الإيمان بأسمائه وصفاته، يقتضي الإيمان بأنه لا يستحق العبادة سواه وأنه لا تصرف العبادة بكل صورها - الباطنة والظاهرة، القلبية والقولية والعملية - لا تصرف إلى غيره سبحانه وبحمده، بل هي حق له وحده لا شريك له وهذا معنى لا إله إلا الله.

فالإيمان بالله يقوم على هذه المرتكزات الثلاث:

الإيمان بالله –عز وجل- يقتضي الإيمان بربوبيته وأنه لا رب سواه جل في علاه أنه الخالق المالك المدبر الرازق يقتضي الإيمان بأسمائه وصفاته، يقتضي الإيمان بأنه لا يستحق العبادة سواه وأنه لا تصرف العبادة بكل صورها - الباطنة والظاهرة، القلبية والقولية والعملية - لا تصرف إلى غيره سبحانه وبحمده، بل هي حق له وحده لا شريك له وهذا معنى لا إله إلا الله.

كيف كان إيمان أهل السنة بالأسماء والصفات؟

فأهل السنة والجماعة يؤمنون بكل ما أخبر الله تعالى به عن نفسه من الأسماء ومن الصفات وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، والله قد ملأ كتابه بذكر أسمائه وصفاته جل في علاه، وذكر أفعاله الجميلة؛ فمن ذلك ما ذكره الله تعالى في أية الكرسي أعظم أية في كتابه الله ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيم[البقرة: 255]سبحانه وبحمده.

هذه الآية كانت أعظم آية في القرآن، لأنها أخلصت لبيان ما لله من الكمالات في أسمائه وصفاته وأفعاله جل في علاه، في سورة الإخلاص قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ[الإخلاص: 1- 4] فليس له مثيل ولا نظير ولا كفء في كل ما أخبر به عن نفسه سبحانه وبحمده، وهذه تعدل ثلث القرآن، وفي سورة الحشر يخبر الله بجملة من أسمائه ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ[الحشر: 22- 24] إلى آخر ما ذكره الله في السورة من أسمائه وصفاته، هذه الأسماء يؤمن بها أهل السنة والجماعة.

لكن ينبغي أن يعلم أن الذي ميز اللهُ تعالى به أهلَ السنة والجماعة الذين لزموا ما كان عليه النبي –صلى الله عليه وسلم- من نهج وما كان عليه الصحابة الكرام من طريق وسبيل أنهم يثبتون هذه الأسماء وما تضمنته من الصفات على هذا النحو.

تنزيه أهل السنة عن طرائق أهل البدع في الأسماء والصفات.

ليس ثمة تكييف ولا تمثيل لا يكيفون ولا يمثلون هذه الصفات، لا يقولون كيف الجبار؟ كيف السميع؟ كيف البصير؟ كيف العليم؟ كيف كذا من أسمائه وصفاته لأنه جل في علاه أجل من أن تحيط به العقول فلا تُعلم كيفية صفاته؟

كذلك لا يمثلون لأن التمثيل لا يكون إلا بعد معرفة الكيف، والله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ[الشورى: 11] ويقول ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ[الإخلاص: 4] ويقول جل في علاه ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا[مريم: 65] ويقول جل في علاه: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ[البقرة: 22].

كل هذه الآيات تدل على أنه لا يمكن أن يمثل الله تعالى بأحد من خلقه، فالله لا مثيل له، لا كفء له، لا نظير له، لا سمي له، لا ند له، سبحانه وبحمده هو الواحد الأحد المنفرد عن كل مثيل ونظير، فإذا كان كذلك انقطع في ذهن المؤمن كل تصور وتخيل في أسماء الله وصفاته لأنه ليس له مثيل؛ فنؤمن بأنه السميع وأنه البصير وأنه الرحمن وأنه على العرش استوي؛ دون أن نقول هو بهذه الصورة أو بتلك الكيفية لأننا لا نحيط به علمًا سبحانه وتعالى.

كذلك يثبتون ذلك من غير تحريف ولا تعطيل، من غير تحريف الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، يميلون بالمعاني عن ظواهرها بلا دليل؛ فيقولون في أسماء الله وصفاته خلاف ما يفهم منها فيما تقتضيه لغة العرب، فعلى سبيل المثال:

استواء الله الذي أخبر الله تعالى به عن نفسه في سبع مواضع من الكتاب العظيم ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى[طه: 5] يؤمن أهل السنة والجماعة بأن الله تعالى على عرشه علا؛ فالاستواء هو العلو وهذا علو خاص بالعرش، وهو غير علوه العام الذي على جميع المخلوقات لكنه يختص بالعرش دونما سواه.

نؤمن بهذا العلو ولا نقول إنه على الصفة الفلانية بالكيفية الفلانية لأننا لا نعرف ذلك ولا نحيط به علما لهذا قال الإمام مالك –رحمه الله- لمن سأله عن هذه الآية ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى[طه: 5] كيف استوي؟ بعد أن أطرق وشق عليه السؤال وعرق من شدة وقع السؤال على نفسه لأنه سؤال عن كيفية صفة العظيم الذي لا تدركه العقول، ولا تحيط به جل في علاه ولا يحيطون به علما قال: الاستواء معلوم هذا من فتح الله عليه –رحمه الله- حيث وفق إلى هذه الكلمات المختصرات التي تمثل ما كان عليه الصحابة من منهج قويم وطريق مستقيم الاستواء معلوم يعني من جهة المعنى.

فالاستواء من جهة المعنى معلوم وقد دل عليه الكتاب، وهو في لغة العرب يدل على العلو، والكيف مجهول لأننا لا نحيط به علما سبحانه وبحمده، ولا نحيط بشيء من أوصافه جل في علاه والإيمان به واجب لأن الله أخبر به في كتابه وأخبر به رسوله في سنته، والسؤال عنه بدعة أي محدث لماذا؟ لأنه لم يسأل عنه خيار الخلق أعظم الناس حرصا على معرفة الرب وهم الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم فلم يسألوا كيف استوي فكان السؤال عنه بدعة كما قال الإمام مالك –رحمه الله-.

فدل هذا على إثبات ما أثبته الله لنفسه على المعنى اللائق بالله دون أن نمثل ودون أن نكيف، الذين مثلوا وكيفوا وتصورا معنى من المعاني ذهبوا فارين من ذلك المعنى إلى التحريف أو التعطيل، ذهبوا فارين من تلك السورة التي تخيلوها وقذفها الشيطان في قلوبهم لصفة الله وما أخبر عن نفسه ذهبوا فارين إلى التحريف.

أنواع التحريف عند أهل البدع:

إما التحريف الكلي،

وإما التحريف الجزئي،

إما تحريف اللفظ والمعنى

وإما تحريف المعنى وهذا هو الأغلب الأكثر، فوقعوا في الانحراف ولهذا سلم الله أهل السنة والجماعة من هاتين الضلالتين فكانوا كما قال –رحمه الله- فهم وسط في باب صفات الله تعالى بين أهل التعطيل الجهمية نسبة إلى جهم بن صفوان، وأهل التمثيل المشبهة الذين يشبهون الله تعالى بخلقه، والله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير سبحانه وبحمده.

فأهل السنة والجماعة يصفون الله بما وصف نفسه وبما وصفه به رسوله –صلى الله عليه وسلم- من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل.

هذا أول ما ذكره المؤلف من أوجه وسطية أهل السنة والجماعة بين الفرق في مسائل الاعتقاد.


التعليقات