شرح العقيدة الواسطية

من 1439-02-06 وحتى 1440-12-06
(88) أهل السنة وسط في أفعال الله تعالى
15 دقيقة 12 ثانية
الخميس 10 شعبان 1439هـ - الموافق 26 ابريل 2018 م
 
عدد المشاهدات : 460
المقدمة
(1) مقدمة بين يدي التعليق على الكتاب. 03 دقيقة 54 ثانية
(2) التعليق على البسملة 3 دقيقة 21 ثانية
(3) قول المؤلف : "الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى" 6 دقيقة 45 ثانية
(4) قول المؤلف : " ليظهره على الدين كله" 6 دقيقة 3 ثانية
(5) قول المؤلف : " وكفى بالله شهيدا" 4 دقيقة 7 ثانية
(6) قول المؤلف : "واشهد أن لا إله إلا الله" 7 دقيقة 32 ثانية
(7) قول المؤلف : " فهذا اعتقاد الفرقة الناجية" 11 دقيقة 12 ثانية
(8) قول المؤلف : "المنصورة إلى قيام الساعة" 2 دقيقة 19 ثانية
(9) قول المؤلف : " أهل السنة والجماعة" 05 دقيقة 24 ثانية
أركان الإيمان
(10) الأصل الأول الإيمان بالله 07 دقيقة 57 ثانية
(11) الأصل الثاني الإيمان بالملائكة 01 دقيقة 13 ثانية
(12) الأصل الثالث الإيمان بالكتب 1 دقيقة 13 ثانية
(13) الأصل الرابع الإيمان بالرسل 1 دقيقة 36 ثانية
(14) الأصل الخامس والسادس الإيمان بالبعث والقدر 01 دقيقة 38 ثانية
(15) الإيمان بما وصف الله به نفسه في كتابه 2 دقيقة 54 ثانية
(16) الإيمان بم وصفه به رسوله محمد 40 ثانية
(17) ضلالات أهل الانحراف في الأسماء والصفات 1 دقيقة 23 ثانية
(18) ضلالة التعطيل 04 دقيقة 18 ثانية
(19) ضلالة التمثيل 1 دقيقة 3 ثانية
(20)ضلالة التحريف 3 دقيقة 7 ثانية
(21) بل يؤمنون بأن الله سبحانه ليس كمثله شيء 5 دقيقة 31 ثانية
(22) قول المؤلف فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه 02 دقيقة 18 ثانية
(23) قول المؤلف ولا يحرفون الكلم عن مواضعه 14 دقيقة 58 ثانية
(24) قول المؤلف ولا يلحدون في أسماء الله وآياته 15 دقيقة 54 ثانية
(25) ولا يكيفون ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه 07 دقيقة 44 ثانية
(26) ولا يقاس بخلقه سبحانه 05 دقيقة 08 ثانية
(27) فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره 09 دقيقة 45 ثانية
(28) ولهذا قال سبحانه سبحان ربك رب العزة عما يصفون 06 دقيقة 26 ثانية
(29) فهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه 07 دقيقة 52 ثانية
(30) فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون 03 دقيقة 01 ثانية
(31)وقد دخل في هذه الجملة ما وصف الله به نفسه 09 دقيقة 33 ثانية
(32) قول المؤلف" قل هو الله أحد" 07 دقيقة 04 ثانية
(33) قول المؤلف " الله الصمد" 10 دقيقة 42 ثانية
(34) قول المؤلف" لم يلد ولم يولد" 02 دقيقة 47 ثانية
(35) قول المؤلف"ولم يكن له كفوا أحد" 03 دقيقة 35 ثانية
(36) قول المؤلف "وما وصف به نفسه في أعظم آية في كتاب الله" 05 دقيقة 09 ثانية
(37) قول المؤلف"الله لا إله إلا هو الحي القيوم" 10 دقيقة 35 ثانية
(38) قول المؤلف "له ما في السموات وما في الأرض" 06 دقيقة 01 ثانية
(39) قول المؤلف " يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم" 05 دقيقة 19 ثانية
(40) قول المؤلف " وسع كرسيه السموات والأرض" 04 دقيقة 49 ثانية
(41) قول المؤلف "وهو العلي العظيم" 06 دقيقة 05 ثانية
(42)\"ولهذا كان من قرأ هذه الآية في ليلة\" 04 دقيقة 08 ثانية
(43)\"وقوله سبحانه وتوكل على الحي الذي لا يموت\" 06 دقيقة 40 ثانية
(44)\" وقوله سبحانه هو الأول والآخر والظاهر والباطن\" 13 دقيقة 05 ثانية
(45)\" وقوله وهو العليم الحكيم\" 17 دقيقة 34 ثانية
(46) وقوله لتعلموا أن الله على كل شيء قدير 2 دقيقة 44 ثانية
(47) المقصود بالقدرة في حق الله جل وعلا 01 دقيقة 35 ثانية
(48) قوله إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين 5 دقيقة 50 ثانية
(49) الفرق بين القدرة والقوة في وصف الله جل وعلا 1 دقيقة 34 ثانية
(50) إن الله كان سميعا بصيرا 07 دقيقة 05 ثانية
(51) السمع الثابت لله تعالى نوعان 5 دقيقة 51 ثانية
(52) الرؤية الثابتة لله تعالى على دلالتين 05 دقيقة 24 ثانية
(53) الإرادة الشرعية والإرادة الكونية 8 دقيقة 17 ثانية
(54) إثبات صفة محبة الله تعالى لعباده المؤمنين 9 دقيقة 7 ثانية
(55) إثبات صفة الرحمة لله تعالى 10 دقيقة 52 ثانية
(56) إثبات صفة الرضا لله تعالى 5 دقيقة 8 ثانية
(57) إثبات صفة الغضب والسخط لله تعالى 7 دقيقة 1 ثانية
(58) إثبات صفة مجيء الله تعالى يوم القيامة 6 دقيقة 10 ثانية
(59) إثبات الوجه والصورة لله تعالى 3 دقيقة 49 ثانية
(60) إثبات اليدين لله تعالى 03 دقيقة 27 ثانية
(61) إثبات صفة العين لله تعالى 02 دقيقة 52 ثانية
(62) إثبات السمع والرؤية لله تعالى 08 دقيقة 51 ثانية
(63) إثبات المحال والمكر والكيد لله تعالى 07 دقيقة 07 ثانية
(64) إثبات صفة العفو والمغفرة لله تعالى 05 دقيقة 02 ثانية
(65) إثبات صفة العزة لله تعالى 04 دقيقة 19 ثانية
(66) اسم الله تعالى مبارك تنال معه البركة 02 دقيقة 44 ثانية
(67) تنزيه الله تعالى عن النقائص 13 دقيقة 02 ثانية
(68) إثبات استواء الله تعالى على عرشه 11 دقيقة 34 ثانية
(69) إثبات صفة العلو لله تعالى 07 دقيقة 41 ثانية
(70) إثبات معية الله تعالى لخلقه HD 12 ثانية
(71)إثبات صفة الكلام لله تعالى 02 دقيقة 50 ثانية
(72) إثبات النداء لله تعالى 04 دقيقة 14 ثانية
(73) القرآن كلام الله تعالى 05 دقيقة 18 ثانية
(74) إثبات رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة 03 دقيقة 20 ثانية
(75) الآيات التي تخبر عن صفات الله تعالى في كتابه كثيرة 01 دقيقة 07 ثانية
(76) التفكر في آيات الله طلبا للهداية 03 دقيقة 26 ثانية
فصل: السنة تفسر القرآن وتبينه
(77) منزلة السنة في العقائد والشرائع 09 دقيقة 44 ثانية
(78) إثبات نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا 12 دقيقة 07 ثانية
(79)إثبات صفة الفرح والضحك والعجب لله تعالى 07 دقيقة 56 ثانية
(80) إثبات صفة القدم لله تعالى 05 دقيقة 23 ثانية
(81) إثبات أن الله تعالى متكلم بصوت 05 دقيقة 10 ثانية
(82) إثبات علو الله تعالى وفوقيته 05 دقيقة 19 ثانية
(83) معية الله تعالى لخلقه 07 دقيقة 36 ثانية
(84) إثبات رؤية الله تعالى يوم القيامة 02 دقيقة 15 ثانية
(85) أحاديث الصفات تمر كما جاءت 02 دقيقة 53 ثانية
(86) بيان وسطية أهل السنة والجماع 14 دقيقة 36 ثانية
(87) أهل السنة وسط في باب أسماء الله وصفاته 10 دقيقة 03 ثانية
(88) أهل السنة وسط في أفعال الله تعالى 15 دقيقة 12 ثانية
(89)أهل السنة وسط في باب الأحكام 07 دقيقة 41 ثانية
(90) أهل السنة وسط في أسماء الإيمان والدين 05 دقيقة 40 ثانية
(91) أهل السنة وسط في أصحاب رسول الله 08 دقيقة 06 ثانية
(92) الله سبحانه فوق عرشه علي على خلقه 04 دقيقة 11 ثانية
(93) الله يعلم ما أنتم عاملون 07 دقيقة 38 ثانية
(94) معية الله لا تعني الاختلاط بالخلق 12 دقيقة 31 ثانية
(95) مقتضى معية الله تعالى لخلقه 04 دقيقة 03 ثانية
(96) وجوب صيانة النصوص عن الظنون الكاذبة 09 دقيقة 04 ثانية
فصل: في قرب الله تعالى وإجابته وأن ذلك لا ينافي علوه
(97) الإيمان بأن الله قريب من خلقه 09 دقيقة 41 ثانية
فصل: في الإيمان بأن القرآن كلام الله حقيقة
(98) عقيدة أهل السنة والجماعة في مسألة القرآن 08 دقيقة 35 ثانية
(99) القرآن من الله بدأ وإليه يعود 03 دقيقة 02 ثانية
(100) القرآن كلام الله حقيقة 08 دقيقة 22 ثانية
(101) بل إذا قرأه الناس أو كتبوه في المصاحف 04 دقيقة 24 ثانية
(102) وهو كلام الله حروفه ومعانيه 01 دقيقة 48 ثانية
فصل: في الإيمان بأن المؤمنين يرون الله يوم القيامة
(103) الإيمان برؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة 09 دقيقة 56 ثانية
(104)رؤية الله في عرصات القيامة وفي الجنة 08 دقيقة 41 ثانية
فصل: الإيمان باليوم الآخر
(105) الإيمان بما أخبر به النبي مما يكون بعد الموت 07 دقيقة 12 ثانية
(106) الإيمان بفتنة القبر 10 دقيقة 50 ثانية
(107) الإيمان بعذاب القبر ونعيمه 15 دقيقة 20 ثانية
(108) ما هي فتنة القبر 02 دقيقة 14 ثانية
(109) إعادة الأرواح إلى الأبدان 16 دقيقة 06 ثانية
(110) توصيف يوم القيامة 20 دقيقة 41 ثانية
(111) تصفة الحساب يوم القيامة 12 دقيقة 56 ثانية
(112) صفة حوض النبي صلى الله عليه وسلم 12 دقيقة 38 ثانية
(113)صفة الصراط يوم القيامة 08 دقيقة 29 ثانية
(114) ما يصير إليه أهل الإيمان بعد عبور الصراط 01 دقيقة 44 ثانية
(115) وأول من يستفتح باب الجنة محمد 07 دقيقة 48 ثانية
(116) وله في القيامة ثلاث شفاعات 05 دقيقة 35 ثانية
(117) شفاعة النبي في أهل الموقف ليقضى بينهم 03 دقيقة 35 ثانية
(118) شفاعة النبي لأهل الجنة في دخول الجنة 07 دقيقة 14 ثانية
(119) شفاعة النبي فيمن استحق دخول النار 04 دقيقة 25 ثانية
(120) ويخرج الله من النار أقواما بغير شفاعة 04 دقيقة 46 ثانية
(121) أصناف ما تضمنته الدار الآخرة 3 دقيقة 31 ثانية
(122)الإيمان بالقدر خيره وشره 11 دقيقة 29 ثانية
(123) الإيمان بالقدر على درجتين 7 دقيقة 50 ثانية
(124) التقدير والكتابة تكون تفصيلا بعد جملة 7 دقيقة 36 ثانية
(125) موقف غلاة القدرية من علم الله المتقدم 5 دقيقة 24 ثانية
(126) مشيئة الله تعالى النافذة 9 دقيقة 59 ثانية
(127) العباد فاعلون حقيقة والله خالق أفعالهم 10 دقيقة 31 ثانية
(128) بيان الفرق التي ضلت في القدر 9 دقيقة 56 ثانية
(129) القدرية التي تثبت القضاء والقدر وتكذب بالأمر والنهي 6 دقيقة 57 ثانية
فصل: الدين والإيمان قول وعمل
(130) الدين والإيمان قول وعمل 10 دقيقة 38 ثانية
(131) الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية 5 دقيقة 31 ثانية
(132) أهل السنة لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي 5 دقيقة 50 ثانية
(133) الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي 2 دقيقة 16 ثانية
(134) لا يسلبون الفاسق الملي الإيمان بالكلية 3 دقيقة 43 ثانية
(135) الفاسق يدخل في اسم الإيمان المطلق 42 ثانية
(136) صاحب الكبيرة قد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق 5 دقيقة 27 ثانية
فصل: موقف أهل السنة من أصحاب الرسول وأهل بيته
(137) سلامة قلوب أهل السنة والجماعة لأصحاب الرسول 4 دقيقة 57 ثانية
(138) سب أصحاب الرسول محرم بالكتاب والسنة 7 دقيقة 50 ثانية
(139) معرفة قدر الصحابة 1 دقيقة 57 ثانية
(140) أفضل أمة محمد القرن الأول 8 دقيقة 9 ثانية
(141) يشهد أهل السنة والجماعة أن العشرة في الجنة 2 دقيقة 12 ثانية
(142) خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر 5 دقيقة 7 ثانية
(143) أجمع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة 8 دقيقة 9 ثانية
(144) أهل السنة يحبون أهل بيت رسول الله ويتولونهم 12 دقيقة 7 ثانية
(145) أهل السنة والجماعة يتولون جميع المؤمنين 3 دقيقة 11 ثانية
(146) الإمساك عما شجر بين الصحابة 8 دقيقة 59 ثانية
(147) خير الخلق بعد الأنبياء 5 دقيقة 31 ثانية
(148) التصديق بكرامات الأولياء 12 دقيقة 3 ثانية
فصل: طريقة أهل السنة العملية
(149) بيان الأصول التي يستند إليها أهل السنة والجماعة 15 دقيقة 9 ثانية
فصل:منهج أهل السنة في الأمر بالمعروف
(150) ما تميز به أهل السنة والجماعة في مسلكهم 4 دقيقة 28 ثانية
(151) ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع مع الأمراء 3 دقيقة 18 ثانية
(152) أهل السنة والجماعة يدينون بالنصيحة للأمة 7 دقيقة 21 ثانية
(153) على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم 8 دقيقة 31 ثانية

أهل-السنة-وسط-في-أفعال-الله-تعالى

يقول المؤلف –رحمه الله- في بيان وسطية أهل السنة والجماعة

"وهم" أي أتباع الكتاب والسنة من أهل السنة والجماعة.

"وسط في باب أفعال الله تعالى" أي فيما يثبتون من أفعال الله تعالى فيما يتصل بخلق أفعال العباد بين الجبرية والقدرية؛ وهذان فريقان ضلَّا في أفعال الله –عز وجل- وذلك أن

الفرق في أفعال الله –عز وجل- ثلاثة:

أهل السنة والجماعة الذين يثبتون لله تعالى كمال الفعل وتمام القدرة، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه سبحانه وبحمده له في ذلك كمال العلم وكمال الخلق وكمال الإحاطة بما يكون من عباده جل في علاه، ولا يعارضون القدر بالشرع بل يؤمنون بقدر الله –عز وجل- وينقادون لشرعه جل في علاه.

بخلاف هذه الطوائف التي انحرفت فضلت فصادمت الشرع بالقدر وقالوا بأن الله خلق أفعالهم لكنهم قالوا بأنهم لا إرادة لهم فهم مجبورون على أفعالهم. وأولئك هم الجبرية.

أو أنهم أخرجوا أفعال العباد عن تقدير الله –عز وجل- فجعلوا في خلق الكون ما لم يخلقه الله، وما ليس من تقديره وما ليس من قضائه جل في علاه وهم القدرية.

والله تعالى يقول: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ[القمر: 49] ويقول جل في علاه: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[الحشر: 6] سبحانه وبحمده فهاتان الطائفتان الجبرية والوعيدية القدرية متقابلتان كلاهما أخذ ببعض النصوص وضل عن الأخرى، وبالتالي انحرفوا عن السبيل القويم، وخرجوا عن الصراط المستقيم، ومالوا عن الوسط إلى بنيات الطريق إما بغلو وإما بجفاء، إما بإفراط وإما بتفريط. فأهل السنة والجماعة يؤمنون بأن الله تعالى خالق كل شيء، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه من حكمته وعظيم قدرته جعل لخلقه مشيئة، هذه المشيئة سببٌ عنها تصدر أفعالهم، والخلق مشيئة وفعلا خلق لله –عز وجل- كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا[الإنسان: 30].

فالله منح العباد مشيئة واختيارًا على ضوئه يجري مجازاتهم بالإحسان إحسانًا وبالسيئات إما معاقبة ومؤاخذة وإما عفوا وتجاوزا، فهذا مقتضي ما دلت عليه النصوص.

تفصيل ضلال الفرق:

أما الجبرية والقدرية فإنهم ضلوا،

فالجبرية قالوا إن كل ما يكون من العبد لا دخل له فيه وليس له اختيار في إيجاده بل هو كالريشة في مهب الريح ليس له أدنى تصرف فيما يصدر عنه، وهؤلاء سموا الجبرية لأنهم يعتقدون أن الخلق مجبرون على أفعالهم.

ويقابلهم القدرية الذين يقولون: إن الله تعالى لم يخلق أفعال العباد بل العباد خلقوا أفعال أنفسهم فأثبتوا مع الله خالِقِين، ثم قالوا: إن الله تعالى لم يعلم ما يكون من الخلق فنفوا العلم والكتابة والخلق والمشيئة فلم يؤمنوا بالقدر، وهذا في غلاتهم، وأما الأخف غلوًّا فهم الذين أثبتوا علم الله وكتابته لكنهم نفوا خلق الله ومشيئته لما يكون من أفعال العباد.

فقالوا: لا يكون من أفعال العباد ما هو خلق لله وما هو بمشيئته، بل العباد يفعلون ما يفعلونه دون مشيئة الله وإرادته، وهذا زعموا أنه تنزيه لله عن الظلم وهم قد ظلموا أنفسهم بعدم العلم بكمال ما دلت عليه النصوص من إثبات خلق الله لكل شيء، وأن ذلك لا ينافي ما هو معلوم بالعقل والحس أن الإنسان يفعل ما يشاء اختيارا.

أنتم الآن في هذا المكان الذي أنتم فيه أجئتم مختارين وجلستم بإرادتكم، أم أن ثمة شيئا أجبركم على المجيء؟ بالتأكيد أن الجميع جاء باختياره وبإرادته وهذا ما منحه الله تعالى الخلق لكن هذا لا ينفي أن الله علم ذلك وكتبه في الأزل وأنه جل في علاه خلقه وشاءه وهنا السر الخفي في ارتباط مشيئة الإنسان بمشيئة الله، أنه مهما شاء الإنسان فإن الله منحه الاختيار لكن هذه المشيئة لا تخرج عن مشيئة الله –عز وجل-، فإذا ضاق عقل الإنسان عن إدراك هذا الارتباط بين مشيئة البشر ومشيئة الله فليؤمن بأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما من شيء هو خلق الله وإرادته، وأن الله تعالى {لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}، املأ قلبك يقينا بهذه العقائد تسلم من تلك الانحرافات التي تورط فيها الجبرية والقدرية، واعلم أن هؤلاء يقدمون عقائدهم المنحرفة في بعض الأحيان بزخرف من القول قد يعمى عنه الإنسان فيظن أن هذا تنزيه لله –عز وجل- وهو في الحقيقة قدح في الله وعدم إيمان بما دلت عليه النصوص.

جاء رجل عند خليفة من الخلفاء وعنده عالم من العلماء فقال وهو منحرف الاعتقاد، قال سبحان من تنزه عن الفحشاء، كلمة جميلة سبحان من تنزه عن الفحشاء فتفطن له العالم وعلم أنه أراد بهذه الكلمة أن ينفي عن الله خلق ما يكون من أفعال العباد التي تخالف أمره من الفساد والشر، وأن هذا ليس خلق لله، فبماذا أجابه العالم؟ رد عليه مباشرة كلمة تمتلئ إيمانا ويقينا بما دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة وتجمع ذلك فقال سبحان من لا يكون في ملكه إلا ما يشاء.

وهذا أكمل تنزيهًا وأعظم تمجيدًا وثناء على الله –عز وجل- من ذلك الذي قال تلك المقالة فقال: سبحان من تنزه عن الفحشاء، فمقتضي ذلك أن يكون في ملك الله ما لا يشاء أن يكون في ملك الله ما لا يريد وهذا نقص في حق الله –جل وعلا-.

أرأيت لو أن أحدا فعل في ملكك ما لا تشتهي، ألا يدل ذلك على ضعفك وعدم قوتك الجواب: بلى، هذا يدل دلالة واضحة على عدم القدرة، فلهذا قال العالم في جواب هذا الانحراف: سبحان من لا يكون في ملكه إلا ما يشاء.

الجواب الصحيح لسؤال: هل الإنسان مسير أم مخير؟

واعلم بارك الله فيك أن ما يردده بعض الناس من السؤال هل الإنسان مسير أو مخير؟ ليس الجواب أن يقال: إنه مسير، ولا أن يقال: إنه مخير، منحك الله اختيارا في أمور كثيرة وقضى جل في علاه عليك أمورا ليس لك بها خيار أنت لم تختر لونك ولم تختر لغتك في الأصل عندما خلقت من بلد تتكلم باللغة العربية، لم تختر أشياء كثيرة مما يجري في خلقك، خلقك الله تعالى بها طولا وعرضا ووزنا وما إلى ذلك.

لم تختر ذلك، بل الله تعالى خلقك على هذه الصورة وعلى هذا الشأن أو على هذه الحال، لكن هذا لا يعني أنه ليس لك اختيار في كل شيء حتى أفعالك مثلا، بل الله منحك اختيارا في أمور كثيرة، فأنت تذهب إذا شئت وتأتى متى شئت، تقوم متى شئت، تفعل متى شئت، تفعل ما تشاء في أمور كثيرة فليس ثمة جواب يكون في أحد الاختيارين فقط، بل الإنسان له اختيار في أمور وليس له اختيار في أمور ولهذا أقوم جواب لهذا السؤال أن يقال إن الإنسان ميسر ليشمل ما يكون مما قضاه الله مما لا اختيار للإنسان فيه، ومما للإنسان فيه اختيار كما قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى[الليل: 5- 10].

فالإنسان ميسر ليس مسيرا تماما فهو مجبر، وليس مخيرا مطلقا اختياريا يخرجه عن إرادة الله –عز وجل- بل هو ميسر وقد قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» فالجواب عن هذا السؤال الذي يتكرر كثيرًا على ألسنة بعض الناس، هل الإنسان مسير أم مخير؟ أن يقال: إن الإنسان ميسر كما دل عليه القرآن والسنة ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى[الليل: 5- 10] وقد قال صلوات الله وسلامه عليه لما سئل فيما العمل يا رسول الله؟ قال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له».

وسطية أهل السنة.

أهل السنة والجماعة فتح الله عليهم فكانوا وسطا بين هاتين الضلالتين ضلالة الجبرية الذين يلغون اختيار الإنسان ويجعلونه كالريشة بمهب الريح وهؤلاء يترتب على اعتقادهم أن دخول الجنة ودخول النار ليس للعمل، العمل لا أثر له إنما هو محض مشيئة الله التي لا تتعلق بها حكمة ولا رحمة ولهذا يقولون لو أن الله –عز وجل- جعل أكبر الطائعين وأعظم العابدين في النار وجعل أكبر العاصيين وأعظم المعاندين في الجنة لما كان ظالما، والله تعالى قد تنزه عن الظلم، وهذا يجافي الحكمة كما يجافي النصوص التي دلت على كمال الرحمة وأن الجنة هي دار العباد الصالحين وأن النار هي دار المعتدين الظالمين المجرمين فليس من حكمة الله ولا من رحمته أن يجعل أولياءه في جهنم وأن يجعل أعداءه في الجنة.

والجبرية يعتقدون أن ليس ثمة مشكلة في هذا، لأنهم ينفون عن الله الحكمة وينفون عنه جل في علاه ما اقتضته رحمته من أنه سبحانه وبحمده لا يظلم الناس شيئا.

خفاء العقائد المنحرفة أحيانا وسبيل العصمة منها:

هذا ما يتصل بما يترتب على العقائد المحرفة، ولذلك نقول: أحيانا العقيدة المنحرفة لا يبدو عوارها ولا يظهر فسادها إلا بمعرفة لوازم تلك العقائد وما يترتب عليها ولهذا ينبغي للمؤمن أن يلزم ما كان عليه النبي –صلى الله عليه وسلم- وأن يعتصم بما اعتقده سلف الأمة الصالح من الصحابة والتابعين وتابعهم بإحسان فإنهم أعلم الخلق بالله وأنصح الخلق للأمة وهم أفصح الأمة بيانا وأعظمها إيضاحًا فوجب أن تكون الاستقامة والهدى ما كانوا عليه صلوات الله وسلامه عليه.

وقبلهم القدرية الذين يخرجون عن أفعال الله –عز وجل- ما يكون من أفعال الخلق حيث أنهم يعتقدون أن أفعال الخلق خارجة عن إرادة الله –عز وجل- وسيأتي مزيد بيان وإيضاح في مسائل القدر في حديث المؤلف –رحمه الله- عن هذا الأصل الإيمان بالقدر نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الإيمان الصادق واليقين الراسخ وأن يكمل ظواهرنا وبواطننا بما كان عليه سيد الورى صلوات الله وسلامه عليه وما جرى عليه أصحابه الكرام.


التعليقات