شرح العقيدة الواسطية

من 1439-02-06 وحتى 1440-12-06
مشاركة هذه الفقرة

أركان الإيمان

فصل: السنة تفسر القرآن وتبينه

فصل: في قرب الله تعالى وإجابته وأن ذلك لا ينافي علوه

فصل: في الإيمان بأن القرآن كلام الله حقيقة

فصل: في الإيمان بأن المؤمنين يرون الله يوم القيامة

فصل: الإيمان باليوم الآخر

فصل: طريقة أهل السنة العملية

عدد المشاهدات : 432
الخميس 10 شعبان 1439هـ - الموافق 26 ابريل 2018 م

إثبات المعية لا يعني المخالطة عند ذوي الفطر المستقيمة:

وليس معنى قوله وهو معكم أنه مختلط بالخلق فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة وخلاف ما فطر الله عليه الخلق بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته وهو موضوع في السماء وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان.

هذا المقطع من كلام المؤلف –رحمه الله- فيه تقرير أن معية الله –عز وجل- لعباده لا يمكن أن يتطرق إليها ما فهمه بعض من طمس الله بصيرته فظن أن معيته تقتضي مخالطته لخلقه جل في علاه.

فقال –رحمه الله-: "وليس معنى قوله وهو معكم" قرر ما دلت عليه الأدلة في الكتاب والسنة وأجمع عليه علماء الأمة واقتضته الفطرة ودل عليه العقل من أن الله سبحانه وتعالى عال على خلقه، فوق خلقه، مباين لهم سبحانه وبحمده، مستوٍ على عرشه جل في علاه.

ما أخبر به من معيته هو ما تقدم من معنى أنه سبحانه وبحمده محيط بعباده وأنه عالم بهم وأنه قادر عليهم وسيأتي مزيد تقرير لهذا المعنى.

ولذلك قال: "وليس معنى قوله في الآية السابقة وهو معكم أنه مختلط بالخلق" فالمعية لا تقتضي أن الله تعالى مختلط بخلقه سبحانه وبحمده فهو العلي الأعلى كيف أبطل هذا التوهم؟

أدلة إبطال وهم المخالطة:

أولًا من الذي أوجب أن يذكر هذا الكلام؟ يعني لماذا جاء بهذا التوهم؟ جاء بهذا التوهم لأن قوم عمى نظرهم وانطمست بصائرهم فاعتقدوا أن الله جل في علاه حال في كل مكان سبحانه وبحمده، وأنه بذاته مع خلقه في كل مكان فلما اعتقدوا ذلك بين علماء السنة وأهل البصيرة ما دلت عليه الأدلة من أن هذا المعنى لا تقره النصوص بل النصوص على خلافه كما أنه لا تقره الفطر.

من جهة اللغة:

فأبطل ذلك من جهة اللغة ومن جهة دلالة النص، ومن جهة دلالة الفطرة، ومن جهة أخرى وهذا ما ذكره المؤلف –رحمه الله- هنا حيث قال: (وليس معنى قوله وهو معكم أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة).

هذا أول وجه لإبطال هذا المعنى أن اللغة لا تقتضي ولا تدل على أن المعية تقتضي المخالطة فإن كلمة (مع) في كلام العرب تدل على الموافقة والاقتران والمصاحبة ولا تستلزم المخالطة والامتزاج.

ولذلك يقول الله جل وعلا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾[الفتح: 29] هم من آمن به من صحابته الكرام ومن آمن به بعد موته –صلى الله عليه وسلم- ومن آمن به في زمانه ممن هو في أنأى مكان وأبعد محل عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلما كانت المعية لا تقتضي الممازجة والمخالطة والموافقة في المكان دل ذلك على أن كلمة (مع) في كلام العرب ليس من لوازمها الاختلاط ولا الامتزاج.

فقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ[الحديد: 5] لا تقتضي أنه مخالط لخلقه سبحانه وبحمده، ولذلك ذكر المؤلف –رحمه الله- في إبطال هذا الوجه دلالة اللغة ولا ريب أن دلالة اللغة من أقوى الأدلة ذلك أن دلالة اللغة هي بيان وإيضاح لما جاء في الكتاب المبين الذي أنزله الله تعالى بلسان عربي مبين.

فجميع استعمالات هذا اللفظ في القرآن والسنة لا توجب امتزاجا ولا اتصالا ولا اختلاطا فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على ذلك المعنى الذي اقترنت به، فإذا جاء في سياق الإحاطة بالعلم دلت على أنها معية علم، إذا جاء في سياق النصرة دل على أنها معية نصرة، إذا جاء في سياق التأييد دل على التأييد، وهلم جرا.

هذا هو الوجه الأول الذي ذكره المؤلف –رحمه الله- في إبطال أن قوله وهو معكم تقتضي المخالطة وتقتضي عدم علوه سبحانه.

من جهة الإجماع:

الثاني قوله: (وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة)، هذا هو الوجه الثاني من الأوجه التي تبطل هذا المعني أنه لم يقل بهذا المعنى أحد من الأئمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن تبعهم بإحسان، فهذا قول محدث قال به المنحرفون الضالون الذين أخطؤوا السبيل وضلوا عن الصراط المستقيم.

من جهة الفطرة:

أما الثالث من الأوجه التي أبطل المؤلف –رحمه الله- بها هذا الأمر أو هذا المعنى أن الفطرة تستلزم وتقتضي وتقر بأن الله تعالى مباين لخلقه، وهذا العلم الضروري من أهم العلوم التي تدل على صحة ما دل عليه الكتاب والسنة من علو الله تعالى على خلقه، وأنه سبحانه وبحمده منزه عن أن يكون في شيء من خلقه أو أن يكون فيه شيء من خلقه.

فإن الله تعالى فطر الخلق على اعتقاد أنه سبحانه فوق العالم وعلم الخلق بهذا علم ضروري فطري، فالخلق كلهم إذا اشتد عليهم أمر ونزل بهم كرب وحزبهم خطب فإنهم يوجهون قلوبهم وأيديهم إلى الله في العلو سبحانه وبحمده، حتى الصبيان الذين لم يبلغوا يجدون في أنفسهم ضرورة عندما يسألون أو يدعون أن يتوجهوا إلى الله –عز وجل- ولذلك لما كانت هذه الضرورة قائمة في قلوب الخلق.

لم يجد هؤلاء المكذبون لعلو الله على خلقه إلا أن يقولوا إن الله جعل السماء قبلة الداعي كما الكعبة قبلة المصلي فنحن نتوجه إلى السماء في الدعاء ونرفع أيدينا وقلوبنا إلى الله في جهة السماء، لا لأن الله في السماء كما يزعمون بل لأن السماء قبلة الداعي.

وهذا تحريف للكلم عن مواضعه، ومكابرة لما اقتضته الفطرة ودلت عليه من أن الله سبحانه وبحمده عال على خلقه فما من أحد يقول: يا الله؛ صغير أو كبير، مسلم أو كافر إلا ويجد في قلبه ضرورة التوجه إلى العلو لما فطر الله تعالى القلوب على ذلك، ومما يؤيد هذا ما ذكره الله في قصة فرعون عندما أخبره موسى عن ربه أين طلب فرعونُ ربَّ موسى؟ هل طلبه في سفل فحفر الأرض ليبحث عن الله؟ أو التفت يمنة أو يسرة أو بين يديه أو خلفه؟ لا بل أخبر الله عنه أنه قال: ﴿ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا[غافر: 36- 37] فلم يطلب هذا الرب الذي جاء موسى يدعو إليه ويأمر فرعون وقومه بعبادته إلا في جهة العلو.

فدل ذلك على أن علوه سبحانه وبحمده مركوز في فطر البشر، مسلمهم وكافرهم ومما يدل على أن معية الله –عز وجل- التي ذكرها في كتابه لا تقتضي ولا تدل على مخالطة الله لخلقه ولا تنافي علوه سبحانه وبحمده أن الله عندما ذكر المعية ذكرها على نحوين؛ معية الله في كتابه جاءت عامة وخاصة، عامة في نحو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ[الحديد: 4] وكذلك في نحو قوله جل وعلا: ﴿وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا[المجادلة: 7] فهذه معية عامة لجميع خلقه سبحانه وبحمده.

أما المعية الخاصة ففي نحو قوله: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا[التوبة: 40] ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى[طه: 46]، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ[النحل: 128]، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ[البقرة: 153] فكل هذه المعيات معيات خاصة بأشخاص أو بأوصاف وأيهما أكثر ذكرا في القرآن؟ الأكثر ذكرا في القرآن هي معية الله الخاصة.

فدل ذلك على أن المعية المذكورة في القرآن المضافة لله –عز وجل- لا تقتضي المخالطة لأنها معية تفهم وتعرف ويدرك معناها من سياقاتها وما اقترن بها لما في ذلك من إيضاح المعاني في سباق وسياق الآيات ولهذا كان ذكر المعية الخاصة يدل على أن المعية المذكورة في القرآن ليست معية اختلاط ولا امتزاج ولا اتحاد في مكان فالله عليٌّ عن ذلك سبحانه وبحمده، فهو العلي الأعلى جل في علاه.

من جهة العقل:

أما رابع الأدلة التي تبطل هذا الفهم فهو دليل عقلي، وهو ما ذكره المؤلف –رحمه الله- في المثال المضروب حيث ذكر –رحمه الله- في المثال المضروب القمر، فالقمر في السماء في العلو لا تطاله الأيدي ولا يبلغه الناس، ومع ذلك تقول العرب سرنا والقمر معنا وهو في علوه ليس ممازجًا ولا مخالطًا للبشر ومع ذلك يقال وهو من أصغر المخلوقات السماوية يقال معنا فلا تنافي بين علو الله –عز وجل- وهو العلي الأعلى وبين معيته لخلقه إذا كان هذا يتصور في هذه المخلوقات كالقمر ونحوه يقال: هو معنا وهو فوقنا فكيف لا يدرك ذلك في حق العلي الأعلى الذي له المثل الأعلى سبحانه وتعالى.

فالله جل في علاه ليس فوقه شيء، وهو العلي العظيم سبحانه وبحمده ومع ذلك هو مع عباده سبحانه وبحمده بعلمه وقدرته وسائر معاني ربوبيته.


التعليقات