كتاب الطهارة - منهج السالكين

من 1440-01-10 وحتى 1442-10-10
مشاركة هذه الفقرة

باب الآنية

المسح على الخفين والجبيرة

باب الحيض

عدد المشاهدات : 304
الثلاثاء 5 صفر 1440هـ - الموافق 16 اكتوبر 2018 م

صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم:

"وأما صفة غسل النبي –صلى الله عليه وسلم- من الجنابة فإنه يغسل فرجه أولا ثم يتوضأ وضوءا كاملا، ثم يحثي الماء على رأسه ثلاثة يرويه بذلك سائر جسده ثم يغسل رجليه بمحل آخر والفرض من هذا غسل جميع البدن وما تحت الشعور الخفيفة والكثيفة والله أعلم".

قوله –رحمه الله-: "وأما صفة غسل النبي –صلى الله عليه وسلم- من الجنابة" هذا شروع في بيان كيفية غسل الجنابة، وبيان صفته، وذلك ببيان صفة غسل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما كان يفعله، وهو بلا شك أكمل الأغسال وأفضلها.

والغسل له صفتان؛ صفة كاملة وهي ما كان يفعله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهي المنقولة عنه.

والثاني من أقسام الغسل، هو الغسل المجزئ؛ يعني القدر الذي يتحقق به رفع الجنابة، وإن لم يكن قد حصل به كمال الصفة في الاغتسال.

يقول –رحمه الله-: "وأما صفة غسل النبي من الجنابة" هذا بيان أنه سيذكر لنا في صفة الغسل الغسل الكامل الذي كان عليه عمله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد جاء ذلك بنقل زوجاته، كما جاء في حديث ميمونة وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقد وصفا غسل النبي –صلى الله عليه وسلم- على وجه التمام والكمال.

البداءة بغسل الفرج بعد النية:

يقول –رحمه الله-: "فكان يغسل فرجه أولًا" هذا بيان لما يشرع في الاغتسال، ولم يذكر النية، لأنها شرط في صحة العبادات كما تقدم، فينوي رفع الحدث الأكبر، ويندرج فيه الحدث الأصغر لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا [المائدة: 6] دخل الحدث الأصغر في الحدث الأكبر؛ لأن الله لم يأمر مع الغسل بالوضوء، فدل ذلك على أن الحدث الأصغر منغمر في الحدث الأكبر.

وقوله –رحمه الله-: "فكان يغسل فرجه أولًا" هذا بيان لثاني ما يشرع في الغسل من الجنابة وهو غسل ما لوثه فقوله –رحمه الله-: "فكان يغسل فرجه أولًا" أي يغسل ما علق وأصابه بسبب الجنابة، كالمني أو المذي، أو غير ذلك.

فالحديث لا يقصر ذلك على شيء منه، فشمل كل ما يكون من مستقذر سواء كان نجسا، أو كان طاهرًا، فكان النبي –صلى الله عليه وسلم- يغسل ما لوثه وما أصابه بسبب الجنابة، كما سيأتي في وصف غسله صلى الله عليه وسلم.

الوضوء في الغسل:

قال رحمه الله: ثم يتوضأ وضوءًا كاملًا هذا ثالث ما يشرع في الغسل من الجنابة على صفته الكاملة التامة، وهو الوضوء كوضوء الصلاة، بأن يكمل الوضوء بفعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيتوضأ وضوءه للصلاة، مبتدئا بغسل يديه ثم بالمضمضة والاستنشاق ثم بغسل وجهه ثم بغسل يديه إلى المرفقين ثم بمسح رأسه ثم بغسل قدميه.

هذا ما يتحقق به ما ذكر أزواج النبي –صلى الله عليه وسلم- من أنه توضأ وضوء الصلاة والبداءة بمواضع الوضوء لشرفها ولعلو منزلتها بين سائر الأعضاء.

حثو الماء على الرأس:

"ثم يحثي الماء على رأسه ثلاثا يروِّيه بذلك" هذا ثالث ما يشرع في الغسل من الجنابة، وفي الغسل على وجه الإجمال، وهو أن يفيض الماء على رأسه، أي يصب الماء على رأسه ثلاثا، والتثليث لا يشرع في الغسل إلا في غسل الرأس، يعني لم يرد التثليث في الغسل إلا في الرأس، فهو الوارد في صفة وضوء النبي –صلى الله عليه وسلم- ولم يثبت عنه في غير ذلك.

ووجه التثليث أي صب الماء ثلاث وتروية الماء ثلاث لرأسه، ذلك لشرفه وأنه احتاج إلى الإسباغ أكثر من غيره لما فيه من الشعر، وفيه أيضًا مجمل حواس الإنسان من سمع وبصر وشم وذوق، فلذلك كانت العناية به وبتطيبه وتنظيفه أولى من غيره، ويسن في غسل الرأس أن يرويه بمعنى أن يوصل الماء إلى أصول شعره وبشرة رأسه لفعل النبي –صلى الله عليه وسلم- فإن عائشة لما أخبرت أنه غسل رأسه –صلى الله عليه وسلم- قالت: «حتى ظن أنه قد أروى» يعني حتى غلب على ظنه أن الماء قد بلغ أصول شعره، هذا معنى قوله –صلى الله عليه وسلم- حتى ظن أنه قد أروى.

إفاضة الماء على سائر الجسد:

قوله –رحمه الله-: "ثم يفيض الماء على سائر جسده" هذا بيان لرابع ما يشرع في الغسل من الجنابة وهو غسل بقية البدن بعد الرأس وهو أن يصب الماء على بدنه وأن يعم ذلك جميع بدنه لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا [المائدة: 6] فإن الله تعالى أضاف التطهر للإنسان فعم ذلك جميع بدنه ولم يخصصه بشيء دون شيء.

غسل الرجلين في الغسل:

وقوله –رحمه الله-: "ثم يغسل رجليه بمحل آخر" هذا خامس ما يشرع في الغسل من الجنابة، غسل قدميه في موضع آخر، يعني في غير مكان اغتساله، وهذا لما جاء عن ميمونة رضي الله تعالى عنها في صفة وضوء النبي –صلى الله عليه وسلم- قالت: «ثم تنحى فغسل رجليه» يعني تنحى عن المكان الذي كان يغتسل فيه، فغسل رجليه، وهل هذا يستحب في آخر الغسل مطلقًا؟ أم أنه يكتفي بغسله أولا؟

للعلماء في ذلك قولان؛ منهم من قال يكتفي بغسله أولا في أول طهارته، أي عند وضوءه في أول الغسل، ولا يحتاج إلى تكرار، إلا أن يكون قد علق في قدميه شيء يحتاج معه إلى تكرار.

والمسألة في ذلك قريبة، يعني الأمر في هذا قريب، إن كان يحتاج إلى غسل قدميه في نهاية الغسل فعل، وإلا فلا حاجة.

وكذلك التَّنحي إلى موضع آخر، إنما يكون فيما إذا كان المكان يجتمع فيه الماء، أما إذا كان المكان كما هو حال الناس اليوم يجري فيه الماء من أول ما ينزل، فلا يجتمع ماء ولا يجتمع في مكان الاغتسال ما يلوث القدمين، فلا حاجة إلى أن يتنحى إلى موضع آخر، بل يغسل قدميه في الموضع الذي هو فيه.

فروض الغسل:

قوله –رحمه الله-: "والفرض من هذا غسل جميع بدنه" بعد ما فرغ –رحمه الله- من ذكر صفة الغسل الكامل، انتقل إلى بيان صفة الغسل المجزئ، يعني المطلوب لرفع الحدث الأكبر، فقال: "والفرض من هذا غسل جميع البدن وما تحت الشعور الخفيفة والكثيفة" هذا بيان لصفة الغسل المجزئ وهو أن يعمم التطهير بجميع ظاهر بدنه بالغسل مرة واحدة، ولا يترك منه شيئًا؛ لأن الله أضاف الغسل إلى البدن، فوجب أن يعم جميعه، ويشمل هذا ما تحت الشعور خفيفة أو كثيفة، والمواضع الخفية، وظاهر الشعر وباطنه في الجنابة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا [المائدة: 6] فيجب على المغتسل أن يوصل الماء إلى البشرة سواء كانت خفيفة أو كثيفة.

لكن هذا ليس على وجه اليقين، بل يكفي في ذلك غلبة الظن؛ لأنه قد لا يتمكن من اليقين، لاسيما إذا كان له شعر كثيف، فإنه قد لا يتمكن من اليقين والواجب في الغسل أن يكون صبًا للماء لا مسحًا؛ لأن بعض الناس يظن أن مسحه لأعضائه لاسيما في أوقات البرد أو في زمن قلة الماء يغني عن الغسل، وهذا غير صحيح، فإن الغسل لابد فيه من جريان الماء على العضو، وأما ترطيب اليد أو ترطيب الموضع الذي شرع غسله سواء في الوضوء أو في الغسل فإن ذلك لا يجزئ، أي لا تحصل به الطهارة المطلوبة.


التعليقات