شرح العقيدة الواسطية

من 1439-02-06 وحتى 1440-12-06
فقرات المساق مناقشات حول المساق إشعارات تعريف بالمساق البث المباشر الاختبار العام الشهادات

عداد المشاهدات : 1474

التاريخ : 2018-09-18 08:22:22


"وفي عرصات القيامة الحوض المورود للنبي –صلى الله عليه وسلم- ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل أنيته عدد نجوم السماء طوله شهر وعرضه شهر من يشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا".

يقول المصنف –رحمه الله-: "وفي عرصات القيامة" يعني في أرضها التي يجمع الله تعالى فيها الخلائق الأولين والآخرين ويأتي بكل عبد في السماء والأرض كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا[مريم: 93] يؤتون إلى هذه الأرض وهذا المحشر وهذه العرصة التي يستمع فيها هؤلاء كلهم في هذه العرصة أي في أحوال القيامة وأرضها الحوض المورود الذي يرده أهل الإيمان، والحوض ثابت للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بدلالة الكتاب والسنة المتواترة، وأجمع على ذلك علماء الأمة.

 

  

 

أما دليل الحوض المورود الثابت للنبي –صلى الله عليه وسلم- في القرآن فهو في قوله –جل وعلا-: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ[الكوثر: 1]، فإن الله تعالى أعطى رسوله –صلى الله عليه وسلم- الكوثر والكوثر اسم لما ساقه الله تعالى وخص به رسوله -صلى الله عليه وسلم- من الخير الكثير، فالكوثر هو خير كثير أعطاه الله تعالى لرسوله –صلى الله عليه وسلم-وما جاء في التفسير من تخصيص الكوثر بنهر في الجنة، أو بالحوض، أو بغير ذلك مما ذكر، إنما هو من باب التفسير بالمثال، وليس تخصيصًا للكوثر بذلك، إذ الكوثر معناه الخير الكثير، وهو في الدنيا والآخرة، فقد ساق الله تعالى لرسوله خيرًا كثيرًا في دنياه، وساق إليه –صلى الله عليه وسلم-في الآخرة من الخير ما بز به سائر الخلق وتميز عليهم.

وقد ذكر العلماء نماذج لهذا الخير وأمثلة لهذه الخير الذي ساقه الله تعالى لرسوله –صلى الله عليه وعلى آله وسلم-فمما أعطاه الله تعالى رسوله في الدنيا الهدى الذي ميزه الله به، والعلم الذي شرح الله تعالى صدره له، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ[التوبة: 33].

العلم والعمل فقد بلغ من العلم والعمل ما لم يبلغه أحد من الخلق –صلى الله عليه وسلم-كما من عليه بالنصر والتأييد ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [غافر: 51] فهو نصر في الدنيا وفي الآخرة، ومن عليه بقرة العين وطمأنينة النفس، وانشراح الصدر، فكان أسعد الخلق في هذه الدنيا كما هو أسعد الخلق في الآخرة، أعطاه الله تعالى رفع الذكر كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 1-4]، فجمع الله تعالى له هذه العطايا وهي من الكوثر الذي يعطيه في الدنيا، شرح الصدر ووضع الوزر ورفع الذكر، وكلها من الخير الكثير الذي يعطيه –صلى الله عليه وسلم-في الدنيا.

وقد من الله عليه بعلوم قلبية وأحوال قلبية لم يبلغها أحد من الخلق حتى إنه كان يصوم اليوم تلو اليوم تلو اليوم، فيقول له أصحابه لما نهاهم عن الوصال «فإنَّكَ تواصِلُ يا رسولَ اللَّهِ قالَ: إنِّي لستُ كَهَيئتِكُم إنِّي أبيتُ يُطعمُني ربِّي ويَسقيني»[صحيح البخاري(7299)، ومسلم(57 - (1103))] المقصود هنا ليس الطعام والشراب الذي يأكله الخلق، إنما ما يفيضه الله على قلب رسوله من الانشراح والبهجة التي تغنيه عن طعام وشراب، فكان في نعيم في ذكر ربه وطاعته لم يبلغه أحد من الخلق ولا يشابهه نعيم من نعيم الدنيا، لا من نعيم الأموال، ولا من نعيم الأولاد، ولا من نعيم النساء، ولا من سائر ما يتنعم به الناس.

ولذلك قال: «حُبِّبَ إليَّ من دنياكم ثلاثٌ الطِّيبُ والنساءُ» ثم قال: «وجُعِلَ قُرَّةُ عيني في الصلاة» أبلغ وأعلى ما أدركه من النعيم ما كان في مناجاة ربه، «وجُعِلَ قُرَّةُ عيني في الصلاة»[أخرجه أحمد في مسنده بسند حسن(12293)] التي هي ذكر الله تعالى والذل له وعبادته هذا كله مما أعطيه في الدنيا، ومما أعطيه أيضًا في الآخرة –صلى الله عليه وسلم-الوسيلة والمقام المحمود، ومما أعطيه أيضًا في الآخرة أن جعله –صلى الله عليه وسلم-جعله الله تعالى بفضله أول شافع في الجنة، ويستفتح باب الجنة، فلا يفتح لأحد قبله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأعطاه لواء الحمد إذ إن الله يفتح له من حمد ربه، ما لا يعلمه في دنياه كما جاء ذلك في الصحيح من حديث أنس، أن النبي –صلى الله عليه وسلم-قال في حديث الشفاعة «فأسْتَأْذِنُ علَى رَبِّي، فيُؤْذَنُ لِي، ويُلْهِمُنِي مَحَامِدَ أحْمَدُهُ بهَا لا تَحْضُرُنِي الآنَ»[صحيح البخاري(7510)] أي: لا يعلمها الآن –صلى الله عليه وسلم-يفتحها الله تعالى له في الآخرة، كل ذلك من الخير الكثير الذي يعطيه رسول الله–صلى الله عليه وسلم-ومنه الحوض المورود، فالحوض المورود مما أعطيه النبي –صلى الله عليه وعلى آله وسلم-في ذلك الموقف.

 

  

 

ولكل نبي حوض كما جاء ذلك في حديث سمرة عند الترمذي بإسناد لا بأس به، لكن حوضه –صلى الله عليه وسلم-مختلف من جهة عظم هذا الحوض، ومن جهة كثرة من يرد عليه حوضه –صلى الله عليه وسلم-فهو أكثر الأنبياء تابعًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

وقد جاء خبر الحوض في أحاديث عديدة وهي متواترة جاء فيها الخبر عنه، وعن صفاته، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين في صحيح البخاري ومسلم من حديث أنس رضي الله تعالى عنه، ومن حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه في صفة الحوض.

حديث عبد الله بن عمرو قال: «حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ»[صحيح البخاري(6579)، ومسلم(27 - (2292))] أي طوله ومسافته.

"ماؤه أشد بياضا من اللبن" في لونه.

«ورِيحُهُ أطْيَبُ مِنَ المِسْكِ» في شمه.

«وكِيزانُهُ كَنُجُومِ السَّماءِ» أي كثرة.

«مَن شَرِبَ مِنْها فلا يَظْمَأُ أبَدًا»[صحيح البخاري(6579)، ومسلم(27 - (2292))] أي: لا يلحقه ظمأ بالمطلق، فذكر في هذا الحديث سعة الحوض، وطيب ما فيه، وكثرة من يرده، سعة الحوض في قوله –صلى الله عليه وسلم-«حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ»، طيب ما فيه ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطهر من المسك، فجمع طيب المرأة في اللون وطيب الريح أطيب من المسك.

وقد جاء في حديث ثوبان ذكر طيب المذاق فقال: "وأحلى من العسل".

أما ما يتعلق بالأمر الثالث وهو كثرة من يرده فقد قال –صلى الله عليه وسلم-: «وكِيزانُهُ» أي: أكوابه التي يشرب منه، ويورد بها الحوض عدد نجوم السماء كثرة، أما عاقبته وجمال مآله من شرب منه فلا يظمأ أبدًا، وهذا عطاء جزيل وفضل كبير خص به النبي –صلى الله عليه وعلى آله وسلم-إذ جمع له الله تعالى في هذا الحوض كل هذه العطايا والهبات في جميل المشروب، وفي جميل عاقبته، فقد تشرب شرابا حسنا ثم ينقطع عنك ولا يبقى له أثر، لكن هذا الحوض طيب في منظره، طيب في مذاقه، طيب في ريحه، يتلذذ به شاربه، فينقطع عنه ظمأه، لكنه أيضًا يعقب صاحبه ألا يظمأ أبدا، فنسأل الله أن يريدنا حوضا وأن يرزقنا شفاعته، وأن يحشرنا في زمرته، وأن يتبعنا سنته ظاهرًا وباطنًا، فذلك الفضل ثمرة العمل في هذه الدنيا، فمن كان للسنة ألزم وبها أعمل، كان نصيبه من ورود الحوض ومصاحبة النبي ومرافقته أكبر وأكثر، هذا ما يتعلق بالحوض فيما يتعلق بصفته وما فيه من الخصائص.

أما ما يتعلق بهل هو خاص بالنبي –صلى الله عليه وسلم-؟

تقدم أنه قال بعض أهل العلم إن الحوض خاص به –صلى الله عليه وسلم-وهو صحيح من جهة عظم الحوض، ومن جهة كثرة ما يرد عليه، أما ما يتعلق بسائر الأنبياء، فإن لهم حوضًا كما قال النبي –صلى الله عليه وسلم-فيما جاء في حديث سمرة «ولكلِّ نبيٍّ حوضٌ»[أخرجه الترمذي في سننه(2443) وقال: «هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ» وَقَدْ رَوَى الأَشْعَثُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ، هَذَا الحَدِيثَ عَنِ الحَسَنِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مُرْسَلًا وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ سَمُرَةَ وَهُوَ أَصَحُّ] ولكن الذي ميزه الله تعالى به عظم حوضه وعظم كثرة من يرد عليه، ولذلك قال: «[وإِنَّهم يتباهَوْنَ أيُّهم أكثرُ واردَةً، وإِنَّي أرجو أنْ أكونَ أكثرَهم واردَةً]»[ أخرجه الترمذي في سننه(2443)، »] وهذا الحديث ضعفه بعض أهل العلم، وقواه آخرون، والذي يظهر أن لكل نبي حوضا لكن النبي –صلى الله عليه وسلم-له من هذه الميزة ما ليس لغيره، هذا ما يتصل بنهاية ما يكون من الوقائع التي ذكرها المؤلف رحمه الله في أرض المحشر، بعد ذلك ذكر الصراط وما يكون من اجتياز الناس للصراط وعبورهم عليه.

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق