"وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلًا، فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكا فيؤمر بأربع كلمات، فيقال له: اكتب رزقه وأجله وعمله، وشقي أم سعيد ونحو ذلك"
أنواع الكتابة:
هذا البيان إيضاح وتفصيل أن القدر الذي هو حكم الله الكوني كتابته ليست على حال واحدة، بل هي على أحوال، فمنها كتابة إجمالية، ومنها كتابة تفصيلية.
أولا: في اللوح المحفوظ:
وذكر لذلك مثالا فقال –رحمه الله-: "فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء" أي: ما أراده جل في علاه، وما اختاره سبحانه وبحمده.
ثانيا: كتابة يأمر الله بها الملَكَ، والإنسان في رحم أمه:
ثم قال: "وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكا فيؤمر بأربع كلمات" أي: يؤمر بكتابة أربع كلمات كما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: «والذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها».[صحيح البخاري(6594)، ومسلم((2643))]
ثم قال رضي الله تعالى عنه: «يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما». فهو قدَّم بهذه المقدمة أولًا: «يجمع خلق أحدكم في بطن أمه» ثم قال: «يرسل الله تعالى إليه الملك» يعني على رأس (120) ليلة من بداية الحمل، «فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات؛ رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد؟».
"رزقه" يعني ما يرزقه الله تعالى من كل أوجه الرزق؛ من رزق الأبدان، ومن رزق القلوب، ومن رزق الدين، ومن رزق الدنيا.
"وعمله" أي: وما يكون من عمله الذي يعمله من خير أو شر.
"وأجله" يعني وموته متى يكون بعد سنة بعد سنين.
"وشقي أم سعيد" هذا مآله يعني من أهل الشقاء أو من أهل السعادة، من أهل الجنة أم من أهل النار، وما ذكره المؤلف هو في رواية أخرى أن الله يبعث ملكا على رأس مائة وعشرين ليلة فيؤمر فيقال له: ما أكتب؟ فيقال له: «اكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أم سعيد».
يعني أهو شقي أم سعيد، ثم ينفخ به الروح، فأخبر في الحديث أن الملك يؤمر بكتابة هذه الأمور الأربعة قبل أن يخلق الإنسان، قبل أن تنفخ فيه الروح كما تقدم.
الكتابة في ليلة القدر:
ومن التفصيل بعد الإجمال ما يكون من التقدير في ليلة القدر، فإن الله تعالى يقدر فيها تفصيلًا ما يكون في العام من حوادث الزمان ووقائعه، كما قال تعالى: ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾[الدخان: 1- 3]، أي: يقضي ويحكم ويقدر فيها يفرق كل أمر حكيم فهي ليلة الحكم والتقدير.
يقضي الله فيها كل أجل وعمل ورزق إلى مثلها من العام القادم، ولذلك سميت هذه الليلة بليلة القدر.
التقدير اليومي:
وثمة تقدير يومي وهو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾[الرحمن: 29].
وبهذا يتبين أن كتابة القدر على مراتب وليس على مرتبة واحدة.
الأول:- التقدير الأزلي، وهو الذي أخبر عنه النبي –صلى الله عليه وسلم- بقوله: «قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة».[أخرجه الترمذي في سننه(2156)، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ]
ثم بعد ذلك تقدير بالنسبة للناس عند خلقهم وهو التقدير العمري الذي يكون عند خلق الإنسان قبل نفخ الروح فيه، يؤمر الملك بكتابة رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد، هذا هو النوع الثاني من أنواع التقدير، وهو التقدير العمري.
النوع الثالث من أنواع التقدير، التقدير الحولي وهو الذي يكون في ليلة القدر يقضي الله تعالى فيه ما شاء من الأقضية والأقدار التي تكون مثلها من العام القادم.
وأما الرابع من مراتب التقدير، فهو التقدير اليومي، وهو الذي أشار إليه قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾[الرحمن: 29]، أي: في قضاء وحكم سبحانه وبحمده، وهذا معنى ما ذكره المؤلف –رحمه الله- في قوله: "يكون في مواضع جملة وتفصيلا" أي: القدر يكون مجملًا ويكون مفصلًا.
بعد ذلك يقول في بيان الدرجة الثانية من درجات الإيمان بالقدر، وهي تتضمن مرتبتين أيضًا، تقدم أن من الإيمان بالقدر أن تؤمن بأن الله علم كل شيء قبل وقوعه، وأنه كتب كل شيء قبل وقوعه سبحانه وبحمده.