"وأما الدرجة الثانية: فهي مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة؛ وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه، لا يكون في مُلكه ما لا يريد، وأنه سبحانه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات؛ فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه لا خالق غيره ولا رب سواه، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله ونهاهم عن معصيته وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين ويرضي عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا يحب الكافرين ولا يرضي عن القوم الفاسقين ولا يأمر بالفحشاء ولا يرضي لعباده الكفر ولا يحب الفساد".
إذًا عندنا أيها الإخوة الإيمان بالقدر يتضمن مرتبتين تقدم ذكرهما؛
المرتبة الأولى:- علم الله السابق للحوادث.
والمرتبة الثانية:- أن الله تعالى كتب ذلك فما من شيء إلا وهو مكتوب في اللوح المحفوظ كما قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «وكتب في الذكر كل شيء»[صحيح البخاري(3191)] والإيمان بذلك واجب، ولم ينكر هذا النوع أو هذه المراتب من مراتب القدر إلا غلاة القدرية الذين رد قولهم أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وبَيَّنَ الأئمة أنهم خارجون عن الدين لإنكارهم علم الله –عز وجل- الذي دلت عليه الأدلة في الكتاب والسنة، واجتمعت عليه جميع الرسالات والنبوات.
أما المرتبتان الثانيتان وهما ضمن الدرجة الثانية التي ذكرها المؤلف –رحمه الله- فأحدهما: مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾[الإنسان: 30] فمشيئة الله نافذة؛
ما شئتَ كان وإن لم أشأ ** وما شئتُ إن لم تَشأ لم يكنْ
خلقت العباد لما قد علمتَ ** ففي العلم يجري الفتى والمُسِنْ
فمنهم شقي، ومنهم سعيد ** ومنهم قبيح، ومنهم حسنْ
على ذَا مَنَنْتَ وهذا خذلتَ ** وذاك أعنتَ وذا لم تُعِنْ
وله في ذلك غاية الحكمة سبحانه وبحمده، هو أعلم بمن اتقى جل في علاه.
فالخلق كلهم تحت مشيئته لا يخرج ما يشاؤونه عما شاء، ولهم مشيئة لكنها لا تنفك عن مشيئة الله، كيف ذلك؟ سيأتي بيانه بعد قليل.
فمشيئته نافذة ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فأهل السنة متفقون على إثبات القدر وأن الله على كل شيء قدير، وأن ما شاء الله كان فوجب وجوده، وما لم يشأ لم يكن فامتنع وجوده، فما شاء الله كان وإن لم يشأه الناس، كما قال النبي –صلى الله عليه وسلم- في وصيته لعبد الله بن عباس: «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وأن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يضروك إلا بشي قد كتبه الله عليك».[سنن الترمذي(2516)، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ]، لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه جل في علاه.
وعلى هذا اتفق المسلمون وعليهم إجماع الرسل من أولهم إلى آخرهم، فلا ريب في هذا ولا نقاش.
أما المرتبة الثانية من هذه الدرجة فهي أن الله خلق كل شيء فما من شيء إلا هو خلق الله كما قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾[القمر: 49]، فمذهب أهل السنة والجماعة أن الله تعالى خالق كل شيء وربه ومليكه، وقد دخل في ذلك جميع الأعيان القائمة بأنفسها، فليس شيء من الخلق إلا هو خلقه جل في علاه، وكذلك صفاتهم دل على ذلك الكتاب والسنة وأجمع عليه علماء الأمة.
ومما يجب التنبه له والعناية به أنه لا يلزم من هذا، أن كل ما يشاؤه فهو محبوب له؛ فليس من لازم المشيئة المحبة، فشاء الله تعالى –كونا وقدرا- أمورًا لا يحبها جل في علاه ولا يرضاها -شرعا- لكنها من مقتضيات حكمته وقدرته جل في علاه.
فينبغي ألا يجعل المؤمن تلازمًا بين ما يشاؤه الله وبين ما يحبه، فليس ثمة تلازم بين المشيئة والمحبة، فقد يشاء ما لا يحب لحكمة، وقد يشاء ألا يقع ما يحب جل في علاه لحكمة أيضا، فالمؤمن إيمانه بمشيئة الله كونا وهو محبوب له شرعا، والكافر كفره بمشيئة الله كونا وهو مكروه لله –عز وجل- شرعا؛ كما قال تعالى: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾[الزمر: 7]، وكما قال –جل وعلا- في تحبيب الإيمان لعباده قال –جل وعلا-: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾[الحجرات: 7]، فمما أراده الرحمن أن يقع في قلب العبد حب الإيمان وكراهة الكفر والفسوق والعصيان ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ هؤلاء هم المصطفون الذين اصطفاهم الله –عز وجل- وتفضل عليهم بأن جعلهم من المصطفين الأخيار.
فالله تعالى يوفق من يشاء برحمته وفضله، ويخذل من يشاء بحكمته وعدله؛ فالجميع متقلب بين فضله وعدله سبحانه وبحمده.
قال الإمام الشافعي –رحمه الله-:
خَلقتَ العباد لما قد علمتَ
ما الذي علمه؟ الذي علمه هو عبادته جل في علاه وما يكون من عباده
ففي العلم يجري الفتى والمسن
كلنا نجري في علم الله، الصغير والكبير، والبر والفاجر على خلاف أحوال الناس.
فمنهم شقي ومنهم سعيد
هذه أحوال الخلق
ومنهم قبيح ومنهم حسن
على ذا مننت
أي تفضلت بالهداية والتوفيق إلى الطاعة والإحسان.
وهذا خذلت
أي خليت بينه وبين نفسه وما يشتهيه فخذل ووقع في العصيان
وذاك أعنت
على الطاعة والبر
وذا لم تعن
والعباد في قضاء الله وقدره يتقلبون بين عدله وفضله، ليس في حكم الله القدري ظلم لأحد من العباد ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾[فصلت: 46]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾[يونس: 44]، وقد قال النبي –صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما»[صحيح مسلم(55 - (2577))]، فما يجريه الله تعالى من الأقضية والأقدار هو بحكمته جل في علاه، له في ذلك الحكمة البالغة والعلم التام، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾[الإنسان: 30]. فمشيئته مقرونة بعلمه وحكمته سبحانه وبحمده.