"وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي –صلى الله عليه وسلم- مجوس هذه الأمة، ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته واختياره ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها"
هذا بيان الفِرق التي ضلت في القدر، تقدم أن القدر لا يثبت الإيمان به إلا بأن يؤمن بأن الله تعالى علم كل شيء قبل وقوعه وكتب ذلك، وهذا لا ينكره أحد في الأزمنة المتأخرة، إنما كان هذا في أول الأمر في قول بعض الغلاة غلاة القدرية أنكروا ذلك، وأما بعد أن قام الصحابة عليهم وبينوا خطورة ما قالوا انقرض هؤلاء الغلاة الذين ينكرون علم الله وكتابته.
وبقيت طوائف تنكر خلق الله ومشيئته، وهؤلاء هم القدرية، والقدرية اسم لفرقة ضلت في القدر، وهما صنفان من الناس بينهم المؤلف –رحمه الله- على وجه الإجمال في كلامه.
فقال: وهذه الدرجة من القدر –التي هي مشيئة الله وخلقه لأفعال العباد- يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي –صلى الله عليه وسلم- مجوس هذه الأمة.
صفحة جديدة 1
هؤلاء هم القسم الأول وهم قدرية مجوسية تثبت الأمر والنهي وتنفي المشيئة والخلق، تنفي القضاء والقدر حيث يقولون إن الله لم يقدر مقادير الخلائق، فما يكون من الخلق هو بفعلهم لا بتقدير الله –عز وجل- لا بخلقه ولا بمشيئته ولا بإرادته بل هو بمشيئتهم التي لا مشيئة لله تعالى فيها، فيكذبون القرآن وهذا قد رد عليه الأئمة وبينوا الضلال، وأن أصحابه قد خرجوا عن الصراط المستقيم ووصفوا بالمجوسية لأنهم يعتقدون أن الإنسان يخلق فعل نفسه، وأن فعله ليس خلقًا لله فأثبتوا خالقا بل أثبتوا خالقين مع الله، فلذلك سموا بالمجوسية الذين يقولون بإله الخير وإله الشر، وهؤلاء نحوا نحوهم وصاروا في سبيلهم حيث أثبتوا خالقًا مع الله فجعلوا أفعال العباد من خلقهم لا من خلق الله –عز وجل- بل ليس لله فيها مشيئة ولا له عليها قدرة، ولذلك قال: أحدهم يريد أن يظهر هذا العقد بصورة تكذب الأسماع وتغطي ما فيه من مخالفة الكتاب والسنة قال أحدهم: سبحان الذي تنزه عن الفحشاء يعني يريد نفي أن يكون الله يُقدِّر ما يكون من أفعال العباد من الفاحشة والمعاصي والذنوب فقال: سبحان من تنزه عن الفحشاء يعني أن ما يقع من أفعال العباد من المعاصي والسيئات ليس خلقا لله، بل هي من خلق الخلق من خلق الناس من خلق الفاعلين وليست من خلق الله.
فرد عليه إمام بصير عالم بالكتاب والسنة مطلع على دلالتهما جامع بين دلالات النصوص فقال: سبحان من لا يكون في ملكه إلا ما يشاء، أيهما أعظم تنزيهًا أن يعجز الله عن خلقهم بعد فعل عباده أم أن يكون خالقًا لكل شيء ولا يكون في ملكه إلا ما يشاء سبحانه وبحمده.
صفحة جديدة 1
فسبحان ما لا يكون في ملكه إلا ما يشاء، لكنه سبحانه لا يلزم أن يكون ما شاءه قد رضيه وأحبه بل قد يشاؤه سبحانه لما فيه من الحكمة والمصلحة وليس لذاته أو محبة فيه، فليس ثمة تلازم بين المحبة والمشيئة فقد يحب الله الشيء ولا يشاء وقوعه، وقد يشاء الله تعالى شيئًا لا يحبه، وهذا إذا كان معقولا في فعل الناس فكيف في فعل الحكيم العليم.
أنت الآن إذا أصابك مرض في إصبعك وأخبرك الأطباء أنه إن تركت إصبعك ولم تزله سيمضي المرض إلى بقية يدك فتتلف جميعها أليس قطع الإصبع مكروهًا لك؟ بلى، لكنك تفعله مع كونه مكروهًا لما فيه من المصلحة والحكمة هذا في فعلك في نفسك، كذلك في فعلك في ولدك تمنع ولدك مما يحب لأن منعه مما يحب مصلحة له، فإذا كان هذا معقولا في فعل الخلق، فكيف في فعل العليم الحكيم سبحانه وبحمده؟
ولهذا هؤلاء لم تتسع صدورهم لدلالات النصوص ولا عقلت عقولهم ما دلت عليه مما يجتمع به كل شيء ويزول به كل اشتباه على الناس، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن سبحانه وبحمده.
فتسميته هؤلاء بمجوس الأمة هو لأنهم جعلوا كل أحد يخلق فعل نفسه وما ذكره المؤلف –رحمه الله- من أن النبي –صلى الله عليه وسلم- سماهم مجوس هذه الأمة يشير بهذا إلى ما جاء من الأحاديث، ومنها ما جاء عن جابر رضي الله تعالى عنه في المسند والسنن؛ أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «إن مجوس هذه الأمة المكذبون بأقدار الله تعالى إن مرضوا فلا تعودوهم» أي: لإحداثهم هذه المقالة الشريعة «وإن ماتوا فلا تشهدوهم» ردعًا لهم عن هذه المقالة «وإن لقيتموهم فلا تسلموا عليهم»[سنن أبي داود(4691)، ومسند أحمد(5584). وسنده ضعيف]، وقد جاء في سنن أبي داود عن عبد الله ابن عمر رضي الله تعالى عنه أن رجلًا جاءه فقال: إن فلانًا يقرأ عليك السلام، أي: يسلم عليك، فقال: إنه بلغني أنه قد أحدث أي في أمر الدين ما لم يكن عليه عمل سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، فإن كان قد أحدث فلا تقرئه مني السلام. أي لا تبلغه سلامًا مني فإني سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول: «في هذه الأمة خسف ومسخ أو قذف في أهل القدر»[أخرجه الترمذي في سننه(2152) ابن ماجه في سننه(4061)، وقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ]، وبهذا يتبين أنه قد جاء فيهم جملة من الأحاديث أفرادها ضعيف لكن مجموعها يَثْبُت به المعنى الذي تضمنته من تحذير النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن هذا المسلك وتحذيرهم من هذا السبيل وهو إنكار أقدار الله –عز وجل- هذه الفرقة الأولى التي ضلت في القدر وهم القدرية المجوسية أثبتوا الأمر والنهي أثبتوا الشرع ونفوا القدر.