هذا بيان أن الإيمان يزيد وينقص بعد أن بين حقيقة الإيمان، وأن الإيمان قول وعمل ذكر –رحمه الله- ما يتعلق بزيادة الإيمان ونقصانه، والزيادة تتعلق بالإيمان قولًا وعملًا فالإيمان بالقول والإيمان بالعمل كله يزيد وينقص، وقد جرى على هذا الأئمة وأهل العلم من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان.
وقد اتفق العلماء على زيادة الإيمان بالأعمال، فإن الله تعالى ذكر ذلك في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾[الحجرات: 15] وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾[الأنفال: 2] والآيات الدالة على زيادة العمل كثيرة.
فهؤلاء منهم من ينكره ولا يصدق به، ويقول: لا يزيد الإيمان في القلوب.
والآيات دالة على زيادة الإيمان في القلب كما أن الإيمان يزيد بالعمل، أما زيادته في القلب فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾[الأنفال: 2].
وكذلك قوله –جل وعلا-: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾[الفتح: 4]، وكذلك قوله: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾[آل عمران: 173]، فهذه الآيات كلها تثبت زيادة الإيمان، ولم تقيد ذلك بزيادة عمل بل زيادة الإيمان في القول والعمل، وهذا محل اتفاق لا خلاف بين أهل العلم من أهل السنة فيه، ويدل له أيضًا ما في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه في شفاعة النبي –صلى الله عليه وسلم- لأمته يوم القيامة فإنه يأتي يشفع فيقول: «ربي أمتي أمتي فيقول له الله تعالى: اذهب فأخرج من كان في قلبه مثقال حبة أو شعيرة من إيمان في قلبه ثم يقول: فأذهب فأُخْرِجُ من كان في قلبه مثقال حبة أو شعيرة من إيمان، ثم أعود فأقول: ربي أمتي أمتي فيقول الله –عز وجل-: اذهب فأخرج من كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان فأذهب، ثم يقول بعد ذلك: أمتي أمتي الثالثة فيقول: اذهب فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردله من إيمان».[صحيح البخاري(7510)، ومسلم(326 - (193))]
وأنه مراتب ودرجات، وهذا ما عليه عقد أهل السنة والجماعة: أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والمؤمنون يتفاضلون في إيمانهم بالأعمال كما يتفاضلون بالإقرار، فمن كان عالما بالشرع كان إقراره أعظمَ من إقرار من لم يعلم بالإجمالات من دين الله –عز وجل- فإن الإنسان كلما ازداد علمه ازداد يقينه.
كما ذكر أهل العلم، وذكر المؤلف –رحمه الله- ذلك في بعض كتبه.
أحدهما:هل العمل يدخل في حقيقة الإيمان أو في مطلق الإيمان أو لا؟ وقد تقدم أن العمل يدخل في حقيقة الإيمان وبالتالي إذا كنا نقول أن العمل يدخل في حقيقة الإيمان فلابد من الإقرار بأن الإيمان يزيد وينقص؛ لأن الأعمال تزيد وتنقص.
الأمر الثاني: أن ما في القلب من إيمان هل يتفاضل أو لا؟ وقد دلت الأدلة على أن ما في القلب يتفاضل، وأن لأعمال الجوارح أثرا في ذلك؛ حيث يرتبط القلب بعمل الجوارح، كما في حديث «ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله»[صحيح البخاري(52)، ومسلم(107 - (1599))]، فالقلب مرتبط بالجوارح، وهناك تلازم بين الظاهر والباطن، كما أن الواقع يشهد بذلك، فإن تفاضل الناس في إيمانهم بيِّنٌ واضح فمن يصدق بكل الأصول إجمالًا وتفصيلًا صورة الإيمان في قلبه ليست كمن يصدق مجملا بما في هذه الأصول دون تفاصيلها لعدم علمها واطلاعه عليها.
فمن يعلم مثلا أن من أسماء الله الصمد ويعرف ويؤمن بأنه الصمد لكن ما يعرف معناه ليس كمن يعلم أكمل بعد الصلاة.