"هم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج"
يقول –رحمه الله-: بعد أن قرر حقيقة الإيمان وبين أنه يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
قال "وهم": يعني أهل السنة والجماعة. "مع ذلك" يعني مع إقرارهم بما تقدم.
"لا يكفرون أهل القبلة" أي لا يحكمون بكفر أهل الإسلام ممن خالفهم، فأهل القبلة اسم لأهل الإسلام؛ وسموا بذلك لأن القبلة تجمعهم فهم يستقبلون قبلة واحدة وإن اختلفوا فيما اختلفوا فيه ويسمون أيضًا أهل الصلاة أو المصلين، والاستناد في ذلك إلى ما رواه البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم»[صحيح البخاري(391)]، فكل من صلى صلاة المسلمين واستقبل قبلتهم وأكل ذبيحتهم فهو المسلم، فهذا من الشعائر والعلامات التي تدل على إسلام الشخص وإيمانه ما لم يأت بناقض ظاهرٍ بيِّنٍ من نواقض الإسلام، فعند ذلك يُحكم له بما يقتضيه بعد استيفاء ما يكون من شروط ونظر في الموانع كذلك المسلم له ما لنا وعليه ما علينا.
هذا وجه تسمية الطوائف، وإن كانت مخالفة في الاعتقاد بأهل القبلة، فالجامع لها استقبال القبلة في الصلاة، فأهل السنة والجماعة لا يكفرون أهل القبلة؛ أي: لا يحكمون بكفر من استقبل القبلة، إلا أن يأتي بموجب ذلك أي بموجب الحكم بالكفر على وفق ما ذكر الأئمة من استيفاء النظر في الشروط وانتفاء الموانع.
يقول –رحمه الله-: "لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر" أي بمجرد المعاصي أي بكل ذنب وبكل معصية.
"كما يفعله الخوارج" فالخوارج يكفرون أهل الإسلام بما يكون من سيء الأعمال من المعاصي الكبائر.
وقوله –رحمه الله-: "بمطلق المعاصي" هو بيان أنهم (أهل السنة) لا يكفرون بذلك لكن قد يحكمون بالكفر على من أتى ناقضا من نواقض الإسلام إذا توافرت في ذلك شروط وانتفت الموانع.
لأن بعض الناس قد يقول: أهل السنة لا يكفرون أهل القبلة، ويذكر ذلك في عقائد أهل السنة لكن لابد من بيان أنهم لا يكفرون أهل القبلة بمطلق الكبائر كما تفعله الخوارج، لكن قد يكفرون من قام في مكفر من المكفرات وناقض من النواقض وإن كان يصلي، وإن كان يستقبل القبلة لوجود ناقض من نواقض الإسلام.
ولهذا أشار المؤلف –رحمه الله- في بعض كلامه أنه عندما يقال: "لا يكفرون بمطلق المعاصي" فالمقصود بالمعاصي الزنا والسرقة وشرب الخمر والكبائر من الذنوب، وليس المقصود مباني الإسلام وغيرها مما يكون تركه كفرًا في قول بعض أهل العلم.
فعلى سبيل المثال: ترك الصلاة اختلف فيها أهل العلم: هل ترك الصلاة كسلًا وتهاونًا كفر؟ اختلف العلماء فيه؛ فقال بعض أهل العلم: إنه كفر، وقال آخرون: ليس بكفر، والقائل بأنه كفر هو من أهل السنة والجماعة يستند في ذلك إلى أدلة، والقائل بأنه ليس كفرا من أهل السنة والجماعة وليس مرجئا؛ إنما قال: الأدلة تدل على أنه لا يكفر بذلك وساق من شواهد قوله ما ساق فالمسألة مدارها على الاختلاف في الأدلة فهي من مسائل الفقه، وليست من مسائل الاعتقاد.
وقوله –رحمه الله-: "كما يفعله الخوارج" ذكر الخوارج لأنهم أبرز الفرق في التكفير بالمعاصي والذنوب والكبائر، وإلا فإنهم يوافقهم جماعات على التكفير لكن لا يسمون من وقع في كبيرة: كافرًا، ولا يسمونه: مؤمنًا؛ كالمعتزلة، فإنهم يقولون هو في منزلة بين المنزلتين هو في منزلة بين الكفر والإيمان، فلا يحكمون له بالكفر، لكنهم لا يثبتون له وصف الإسلام والإيمان.