"وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾[الأنفال: 2] وقوله –صلى الله عليه وسلم-: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن»[صحيح البخاري(2475)، ومسلم(100 - (57))]
ونقول: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته فلا يعطي الإثم المطلق، ولا يسلب مطلق اسمه بكبيرته"
هذا الذي تجتمع به النصوص، تبين به كمال طريق أهل السنة والجماعة، وأنهم سالمون من العور الذي أصاب أولئك الذين ينظرون إلى نص ويغفلون آخر كالوعيدية والمرجئة فإن هؤلاء أخذوا ببعض النص وتركوا بعضه، أما أهل السنة فمَنَّ الله عليهم بالجمع بين النصوص، فشارب الخمر والسارق والزاني ومن كان نحوهم من أهل الكبائر لهم إيمان يصدق عليهم به وصف الإيمان في الدنيا بالخطاب، فهم داخلون في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران: 102]، ونحو ذلك من النداءات التي نادي الله تعالى بها أهل الإيمان، فإنه يخاطب بها الزاني والسارق وما إلى ذلك.
وأما ما يتعلق بحكم الآخرة فإن الزاني والسارق ونحوهم نَقص من إيمانهم ما أوجب عقوبتهم وذلك إن لم يتوبوا، فإنهم يُعَاقبون، وكذلك إن لم يعف الله تعالى عنهم، أو لم يجر عليهم من أسباب تمحيص الذنوب ما يكون سببًا لمجازاتهم على أعمالهم قبل أن يبلغوا الآخرة، ولا يدخل بذلك النار فإن لم يكن معهم ما يمحص فقد يعاقبهم الله تعالى بإدخالهم النار وحينئذ إذا دخلوا النار، فإنهم قد يخرجون بالشفاعة وقد يخرجون بعد تطهيرهم بما يكون من العقاب على ذنوبهم التي أوجبت دخولهم النار، لكنهم لا يدخلون في اسم الإيمان المطلق الذي يعني الإيمان الكامل المطلق في الآخرة، وبهذا تجتمع النصوص.
ولهذا قال المصنف- رحمه الله-: "فلا يعطى الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الاسم بكبيرته": لا يعطي الاسم المطلق؛ يعني: لا يعطى العاصي وصف الإيمان الكامل، فالزاني والسارق وصاحب الكبيرة ليس كمن سلمه الله تعالى من تلك الموبقات في إيمانه، لكنه لا يسلب مطلق الاسم بكبيرته، بل يقال: هو مؤمن بإيمانه عاصي بكبيرته، وبهذا تجتمع النصوص فإن النبي –صلى الله عليه وسلم- أخبر بارتفاع الإيمان عن الزاني فقال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع فيها الناس إليه أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن»[سبق] فدل ذلك على انتفاء الوصف الكامل وليس أنه يكون بذلك كافرًا، فإن النبي –صلى الله عليه وسلم- جاءه ماعز وجاءته المرأة التي أقرت بالزنا، وحَدَّهما وأخبر عن المرأة أنها تابت توبة لو وُزِّعَت على سبعين من أهل المدينة لوسِعَتْهُم، وكذلك ما أجراه –صلى الله عليه وسلم- من الحدود على أصحاب الكبائر لم يكفروا بذلك، فالشاهد أن أهل السنة والجماعة يجمعون بين النصوص فيثبتون مطلق الاسم (اسم الإيمان) لأصحاب الكبائر، لكنهم لا يثبتون الإيمان المطلق.