"وطاعة النبي –صلى الله عليه وسلم- في قوله: «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه».[صحيح البخاري(3673)، ومسلم(221 - (2540))]
إذًا أول ما يجب لأصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تسلم القلوب والألسنة تجاههم فليس في القلوب غل ولا حقد، ولا في الألسنة ذم ولا تنقص، ثم ذكر أن ذلك يدل عليه ما في آية سورة التغابن، وكذلك ما في آية سورة الحشر، وكذلك ما أمر به النبي –صلى الله عليه وسلم- فسلامة الألسن لأصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم- تقتضي أن تصان الألسن عن ذمهم أو تنقصهم أو سبهم.
وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن سب أصحابه رضي الله تعالى عنهم، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا تسبوا أصحابي» فنهى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أهل الإيمان أن يسبوا أصحابه رضي الله تعالى عنهم.
هم كل من لقي النبي –صلى الله عليه وسلم- مؤمنًا به ومات على ذلك، ولو كان لقاؤه هو مجرد أن رآه فقط، حتى ولو لم يكلمه فالصحبة تثبت بمجرد اللقاء.
وهذا شرف عظيم ومنزلة كبرى بلغها من تفضل الله عليه، ومَن هو مِن أصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم- لذلك نهى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عن سب أصحابه فقال: «لا تسبوا أصحابي».
ولا ريب أن السب والذم ممنوع لكل مؤمن، فكيف بخيار أهل الإيمان، فإن حقهم في ذلك أعظم من حق غيرهم، ولهذا كل ما جاء من النهي عن القول القبيح في القرآن العظيم من النهي عن الغيبة، والنهي عن الهمز واللمز، والنهي عن البهتان والقذف، وغير ذلك من سيء القول يجب أن يصان أصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، فإن السب هو القول القبيح في المسبوب سواء كان ذلك في حضرته أو في غيبته، وسواء كان ذلك تنقصًا، أو كان ذلك عيبًا، أو كان ذلك بهتانًا، أو كان ذلك همزًا أو لمزًا بأي صورة كان.
فإنه مشمول بالنهي الذي قال فيه النبي –صلى الله عليه وسلم-: «لا تسبوا أصحابي»، فأصحاب النبي بلغوا منزلة لم يبلغها أحد من الخلق سوي النبيين فإن الله قد أثبت لهم الرضا من غير اشتراط، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾[التوبة: 100]، فمن رضي الله عنه كيف تناله الألسن بقدح أو عيب، بسب أو ذم، بتنقص أو همز أو لمز أو بهتان أو غير ذلك، كل هذا من الضلال المبين ومن الانحراف الكبير، الذي يجب على المؤمن أن يتقي الله –عز وجل- وأن يصون لسانه عنه مع أصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم- جميعهم دون استثناء، صغيرهم وكبيرهم، من تقدم إيمانه وإسلامه، ومن تأخر إيمانه وإسلامه.
ولا يسوغ أن يسمع الإنسان شيئًا عن أصحاب النبي يكرهه أن يكون ذلك حاملًا له على أن يذمهم أو أن يتنقصهم فإن هذا لا يجوز، فالله تعالى قد رضي عنهم بلا استثناء وبدون قيد ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ انظر ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾[التوبة: 100]
وهم ثلاثة: السابقون الأولون، المهاجرين والأنصار هاتان فئتان ثم قال: والذين اتبعوهم بإحسان، فالطائفة الثالثة التي رضي الله تعالى عنها وأرضاها هم من تبع أولئك بإحسان، أما الصحابة من المهاجرين والأنصار، فقد أثبت الله تعالى له الرضا دون قيد وهذه منزلة عالية سامية.
والسنة صريحة في النهي عن النيل بالقبيح من أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقوله: «لا تسبوا أصحابي» يشمل جميعهم أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والعشرة المبشرين بالجنة، وأزواج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومن أسلم قبل الفتح، ومن أسلم بعد الفتح، ومن تأخر إسلامه، جميعهم مشمولون بقوله –صلى الله عليه وسلم- «لا تسبوا أصحابي».
وهذا الحديث له سبب وهو أن خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه نال من عبد الرحمن بن عوف شيئًا من النيل، لشأن أمر وقع بينهما فبلغ ذلك رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فقال –صلى الله عليه وسلم-: «لا تسبوا أصحابي» فإذا كان هذا في قول خالد في عبد الرحمن، فإنه لنا في قول الصحابة جميعًا، فمنزلتنا بالنسبة للصحابة أبعد من منزلة خالد بن الوليد - رضي الله تعالى عنه - من عبد الرحمن بن عوف مع جليل قدر الجميع رضي الله تعالى عنهم.
فينبغي أن تصان الألسن، وأن تحفظ عن أن تقع في سب أحد من أصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم- لا قولًا ولا كتابة بل ولا سماعًا، فإنه لا يجوز لأحد أن يجلس في مجلس ينال من أصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم- فإنه مجلس زور وبهتان، وهو مما ينال به الإنسان الإثم من الله –عز وجل- كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾[النساء: 140].
فلا يجوز لمؤمن أن يجلس في المجالس التي ينال فيها من أصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم- ولا يسمع الوسائل التي تنقل ذلك سواء كانت مرئية أو مسموعة مسجلة أو مباشرة.