"ومن أصول أهل السنة التصديق بكرامات الأولياء وما يُجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات، كالمأثور عن سائر الأمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر فرق الأمة، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة".
قوله –رحمه الله-: "من أصول أهل السنة التصديق بكرامات الأولياء" كرامات جمع كرامة، وهي: الخارق للعادة، العادة هي ما جرى به معرفة الناس وعملهم وطبيعة أحوالهم.
إما أن يكون آية للرسول،
وإما أن يكون كرامة لولي،
وإما أن يكون شرا على يد كاهن أو فاجر.
فالخرق للعادات يجرى على أيدي ثلاثة: إما رسول، وإما ولي، وإما كاهن أو عراف.
أما بالنسبة لما يجريه على يد الرسول فهو ما يسمى بالآية، ويسميه كثير من المتأخرين (المعجزة) وهذه في الغالب تكون أمرا خارقا شديد الخرق للعادة؛ كما في شق القمر للنبي صلى الله عليه وسلم، ونبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهذا من الخرق للعادة الذي يتبين بلا ريب فيه للموالي والمعادي، للموافق والمخالف أنه خارق للعادة.
أما النوع الثاني فهو كرامة للولي، وهذا أنواع سيأتي ذكرها في كلام المؤلف رحمه الله.
أما ما يتعلق بما يكون على أيدي الكهان والعرافين فهذا من عمل الشياطين كأن يطعن نفسه بما يطعنها به ولا يتأثر أو يمشي على النار، أو ما إلى ذلك من الأفعال الخارقة كالمعتاد فهذا كله من عمل الشياطين.
عندما يقول الإنسان ما الفارق؟ أو كيف أُفرق بين كرامة الولي وعمل الكاهن؟ الفارق أن كرامة الولي لا يتحقق بها إلا هدى وحق ونصرة للدين ليس فيه مصالح شخصية ولا يفضي إلى باطل، أما أن ينصر الله الحق أو ينصر أهله بهذه الكرامة كما سيأتي في الشواهد والأمثلة التي يذكرها المؤلف الآن.
أما ما يجريه على أيدي الكهان من خوارق العادات، فهذا لا يكون إلا للدعوة إلى الباطل أو إلى إقرار الشر والفساد فلا يكون في خير مطلقًا، هذا الفارق بين خرق العادة للولي، وبين خرق العادة للكاهن والعرافين وأشباههم من أولياء الشياطين، ففرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.
أولياء الرحمن ما يجري على أيديهم إنما هو نصرة للحق وإيصال له وإظهار، وأما أولياء الشيطان فلا يجري على أيديهم إلا الباطل والزور والفساد والشر وهذا فارق واضح.
ثم إن من الفروق بينهما، أن ما يجري على أيدي أولياء الله إنه إذا ذكر الله لم يكن إلا زيادة في تلك الكرامات، أما ما يجري على أيدي الكهان فإنه عند ذكر الله تبطل تلك الأحوال هذا فرق ثاني.
الفرق الثالث بين ما يجريه الله على أيدي أوليائه وما يجري على أيدي أولياء الشيطان من الخوارق للعادات، أن ما يجريه الله على أيدي أوليائه لا يُطلب بل يمنح ويوهب، وأن ما يجريه على أيدي أولياء الشيطان من خرق العادات فإنهم يطلبونه بذبائح وقربات للشياطين ودعاء واستغاثة لهم يأتيهم من خلالها ما يكون من خرق العادة، فتنةً لهم من حِكمة رب العالمين.
هذه ثلاثة أمور يفرق فيها بين ما يجريه الله على أيدي أوليائه من خوارق العادات وما يجري على أيدي أولياء الشيطان من خرق العادة؛ فثمة فرق في السبب وفي النتيجة سبب كرامة أولياء الله طاعة الله ونتيجتها حق وخير ونصرة للحق، سبب على أيدي أولياء الشيطان من الكهان والعرافين من خوارق العادات الفسق والفجور والكفر كلما زاد كفرًا زادوا له عطاء في خارق العادات هذا بالنسبة للباعث.
وأما بالنسبة للنتيجة فالفرق أيضًا أنه في حق أولياء الشيطان، لا يفضي إلا إلى شر وفساد وباطل، أما ما يجريه الله تعالى على أيدي أوليائه فأمر مختلف تماما.
أولياء الله قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[يونس: 62] من هم؟ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾[يونس: 63] الولاية ليست لباسًا ولا وراثة ولا هيئة، الولاية عمل يدور على التقوى والإيمان ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله وبما يجيب الإيمان به ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ماعدا هذا مما يصوره بعضهم أنه ولاية بسبب وراثة أو بسبب لباس أو بسبب ما يكون من تزيين الشياطين فإنه خارج عن ولاية الله –عز وجل- التي تجري بها الكرامة.
النوع الأول:- ما يتعلق بالعلم وهو ما يكشفه الله تعالى لأوليائه من العلوم التي خفيت على غيرهم، وهذا فتح من الله –عز وجل- يهبه من يشاء، دليله قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾[الأنفال: 29] هذا الذي من ثمار الولاية وهو كرامة لأوليائه، أن يجعل لهم فرقانًا نورًا يميزون به بين الحق والباطل وبين الهدى والضلال، فهذه ثمرة الولاية وقد يكون ذلك بسماع يُسمعهم الله شيئًا لم يُسمِعْه غيرَهم، أو بمشاهد يكشف الله لهم ما لا يراه غيرهم، أو بمكاشفة وذلك في العلو فيكشف لهم من المعارف والمعاني ما التبس على غيرهم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وقد مثل له المؤلف –رحمه الله- بقول عمر وهو على المنبر في قصة سارية وذلك أنه رضي الله تعالى عنه قال: يا سارية الجبل يخاطب قائدا من قواده في مكان أبعد ما يكون عنه، وهو بين الناس يخطبهم فيقول فجأة: يا سارية الجبل، فالذي كشف له ذلك أنه محدث ملهم رضي الله تعالى عنه لما كان عليه من تقوى وإيمان وهذا من كرامات أولياء الله جعلنا الله وإياكم من أوليائه.
أما النوع الثاني من أنواع الكرامات فهو من جنس القدرة، يقول –رحمه الله-:
"ما هو من جنس القدرة والملك كالتصرفات الخارقة للعادة وهي من جنس القدرة الخارقة، وما كان من " باب القدرة " فهو التأثير وقد يكون همة وصدقا ودعوة مجابة وقد يكون من فعل الله الذي لا تأثير له فيه بحال مثل هلاك عدوه بغير أثر منه كقوله: {من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وإني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرب} . ومثل تذليل النفوس له ومحبتها إياه ونحو ذلك ومن أمثلة هذا قصة الذي عنده علم من الكتاب وقصة أهل الكهف وقصة مريم وقصة خالد بن الوليد وسفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي مسلم الخولاني وأشياء يطول شرحها فإن تعداد هذا مثل المطر. وإنما الغرض التمثيل بالشيء الذي سمعه أكثر الناس. وأما القدرة التي لم تتعلق بفعله فمثل نصر الله لمن ينصره وإهلاكه لمن يشتمه. وكرامات الصحابة والتابعين بعدهم وسائر الصالحين كثيرة جدا.
الثالث: "ما هو من جنس الغناء عن الحاجات البشرية ، وذلك مثل الاستغناء عن الأكل والشرب مدة".
إذًا هذا النوع الثاني والثالث من أنواع الكرامات.
النوع الثاني من أنواع الكرامات ما يتعلق بالقدرة والملك والتصرفات الخارقة للعادة، وهي على نوعين:
منها؛ ما يكون بفعل من الإنسان،
ومنها من يكون بفعل الله –عز وجل- دون أن يكون للإنسان فعل.
ومثَّل لذلك بجملة من الأمثلة ومن أمثلته شرب خالد للسم لما قال له أهل الحصن لا نفتح لك الحصن حتى نعلم أنك على الحق، ولم نعلم أنك على حق إلا أن تشرب السم فلا يضرك فشربه خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه ولم يضره وكان هذا فعله فهو كرامة له ولأهل الإسلام.
هنا يتبين أن الكرامة مقصودها ليس النفع الشخصي وإنما لغرض إظهار الحق والإيصال إلى الهدى، ونصرة أولياء الله –عز وجل- وإظهار مكانتهم وفضلهم على غيرهم، هذا مثال لخارق من خوارق العادات كرامة من الكرامات متصلة بالقدرة والملك.
أما النوع الثالث من الأنواع فهو ما يكون من جنس الغناء عن الحوائج البشرية كأن يمضي عليه أيام دون طعام ولا شراب ولا يتأثر ويكون على قوة وقدرة تمكنه من الوصول إلى ما يريد والعمل بما يشاء.
هذا ما يكون من أنواع الكرامات وخوارق العادات، منها ما يتعلق بالعلم، منها ما يتعلق بالقدرة، منها ما يتعلق بالاستغناء.