"فصل: ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على توجبه الشريعة".
يقول –رحمه الله-: "ثم هم مع هذه الأصول" يعني ما تقدم من عقائد تتعلق بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وما يُلحق بذلك من مسائل الاعتقاد، هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف. والمعروف هو: كل ما أمر الله تعالى به ورسوله صلى الله عليه وسلم، أمر إيجاب وأمر استحباب.
وينهون عن المنكر، والمنكر هو: كل ما نهى الله عنه ورسوله عنه نهي تحريم أو تنزيه هذا المعروف وذاك المنكر.
فالأمر بالمعروف هو أمر بما أمر الله به ورسوله أمر إيجاب كالصلاة مثلا، أو أمر استحباب كالنوافل والتطوعات، وينهون عن كل منكر نهى الله تعالى عنه ورسوله نهيَ تحريم كالخمر والربا أو نهي كراهة كالشرب واقفًا مثلا.
هذا كله مما يجري عليه أهل السنة والجماعة يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر.
لكنهم في الأمر بالمعروف والنهي بالمنكر لا يسيرون في ذلك على وفق أهوائهم وما يحبون وما يشتهون، بل هم في ذلك يلزمون ما توجبه الشريعة يعني ما تقتضيه الشريعة، ما تأمر به الشريعة، فليس الأمر والنهي على وفق ما تشتهي وتحب، إنما الأمر والنهي على وفق ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم.
ولهذا بيَّن المؤلف –رحمه الله- أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقوم على ثلاثة أصول، لا يمكن أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق ما توجبه الشريعة إلا إذا توافرت هذه الأصول الثلاثة.
الأول:-أن يكون عن علم، فيأمر بعلم وينهى بعلم وليس بما يشتهي ويحب.
الثاني:-أن يكون رفيقًا في أمره وفي نهيه فما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه.
الثالث:-الصبر، والصبر يكون أثناء الأمر والنهي ويكون بعده فيصبر لامتثال أمر الله بالأمر والنهي، ويصبر بعد ذلك على ما يصيبه كما قال الله تعالى فيما قصه من وصية لقمان لابنه ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾[لقمان: 17]، فإن الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر لابد في غالب الأحوال أن يصيبه من ذلك ما يصيبه مما يكره.
ولهذا لابد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون على هذه الصورة، فما كان من الأمر والنهي خارجًا عن العلم فإنه خارج عما أمر الله تعالى به ورسوله، وإذا كان لا رفق فيه فهو خارج عن الشرع وعما أمر الله به ورسوله، وإذا لم يكن معه صبر كان خارجًا عما أمر الله تعالى به ورسوله.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتاجه الإنسان مع نفسه، فيأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر، ويحتاجه مع زوجه وولده وأهله ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾[طه: 132] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾[التحريم: 6]،فيحتاجها الإنسان مع نفسه ومع أهله ومع من يحيط به ويحتاجها في سائر أحواله «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»[صحيح مسلم(78 - (49))]، وبهذا يتبين أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على مراتب ودرجات منوطة بالاستطاعة فاتقوا الله ما استطعتم.