"وطريقتهم هي دين الإسلام الذي بعث الله به محمدا –صلى الله عليه وسلم- لكن لما أخبر النبي –صلى الله عليه وسلم- أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة، وفي الحديث عنه أنه قال: «هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي»[أخرجه الترمذي بسند حسن(2641)] صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب هم أهل السنة والجماعة وفيهم الصديقون والشهداء والصالحون، ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى أولو المناقب المأثورة والفضائل المذكورة وفيهم الأبدال وفيهم أئمة الدين الذين أجمع المسلمون على هدايتهم وهم الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي –صلى الله عليه وسلم- «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة»[صحيح مسلم(170 - (1920))] فنسأل الله أن يجعلنا منهم، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الواهب، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا".
يقول –رحمه الله-: في آخر هذه الرسالة المباركة جواب سؤال: لماذا سمي هؤلاء بأهل السنة والجماعة؟ لماذا لم يكتفوا باسم الإسلام؟
يقول –رحمه الله-: "وطريقتهم هي دين الإسلام" فأهل السنة والجماعة لم يأتوا بشيء خارج عما جاء به سيد الأنام صلوات الله وسلامه عليه بل هم لازمون للكتاب والسنة ولذلك سموا أهل السنة والجماعة، فهم لازمون للسنة التي هي بيان القرآن وإيضاحه كما قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾[النحل: 44] فالله تعالى أنزل على رسوله –صلى الله عليه وسلم- القرآن وأوكل إليه البيان.
لكن لما افترقت الأمة وتنوعت السبل وتعددت الطرق وكل يدعي وصلًا بهدي النبي –صلى الله عليه وسلم- وبالكتاب ميز الله –جل وعلا- هذه الأمة عن غيرها هذه الفرقة الناجية عن غيرها من الفرق بميزان عدل قسط «ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة»[سنن ابن ماجه(3993)] سئل عنها –صلى الله عليه وسلم- كما في حديث عبد الله بن عمرو عند الترمذي فقال –صلى الله عليه وسلم-: «هم من كانوا على مثل ما أنا عليه وأصحابي»[ أخرجه الترمذي بسند حسن(2641)] وفي حديث أنس في المسند والسنن قال: «هي الجماعة» [مسند أحمد(16937)]إن يد الله مع الجماعة ولذلك سموا أهل السنة والجماعة بناء على هذين الحديثين اللذين ميزا طريق المتبعين للكتاب والسنة عن غيرهم من الطرق والسبل التي لا توصل إلا إلى انحراف وضلال.
قال –رحمه الله-: لكن لما أخبر رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة كما تقدم في الحديث، وفي الحديث عنه أنه قال: «هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» كما في حديث عبد الله بن عمرو.
صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب. أي الخالص عن البدع في العقائد والأعمال هم أهل السنة والجماعة ثم بين هذا الوصف ليس وصفا لفئة ولا لمذهب ولا لأهل بلد، بل هو وصف عملي يفوز به كل من صار على هذا الطريق، ولهذا قال وفيهم الصديقون والشهداء والصالحون ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى أهل العلم ورثة الأنبياء أولو المناقب المأثورة أي أصحاب المناقب والأعمال الصالحة التي تؤثر عنهم والفضائل المذكورة.
وفيهم الأبدال والمقصود بالأبدال من يقومون من ورثة الأنبياء مقام الأنبياء بتبليغ الشريعة ونشرها والعمل بها والدعوة إليها.
سواء قيل: إنهم أبدال عن الأنبياء أي قاموا مقامهم، أو المقصود بذلك أنهم أبدال عمن تقدمهم من أهل العلم الذين قاموا بالحق ودعوا إليه كما قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله»[سنن البيهقي(20911)] أي أعدل أهله، أعدل أهل الزمان، الله أعلم حيث يجعل رسالته، فهم أبدال بهذا المعنى أو ذاك.
وذُكر معنى ثالث في معنى الأبدال أنهم الذين بدلوا السيئات بالحسنات، فأصلحوا العمل وقاموا بما فرض الله –عز وجل- من الفرائض والواجبات في العقائد والأعمال.
ثم قال –رحمه الله-: وفيهم أئمة الدين الذين أجمع المسلمون على هدايتهم» كالأئمة الأربعة.
قال –رحمه الله-:- "وهم الطائفة المنصورة" على من خالفها وخذلها كما قال النبي –صلى الله عليه وسلم- فيما جاء في الصحيح: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين»[صحيح مسلم(247 - (156))] على الحق ثابتين ظاهرين على من عاداهم وخاصمهم ونابذهم وخالفهم لا يضرهم من خالفهم، فيوجد مخالف لكنه لن يضرهم في إذهاب ما معهم من الحق، ولا من خذلهم يعني من لم يقم بنصرتهم حتى تقوم الساعة.
بعد ذلك قال: فنسأل الله أن يجعلنا منهم اللهم آمين، اللهم اجعلنا من أوليائك وعبادك الصالحين يا رب العالمين، اسلك بنا الصراط المستقيم واجعلنا ممن وُفِّق إلى صلاح العقل وسلامة العمل وسلك سبيل السلف الصالح في القول والعمل والظاهر والباطن.
فنسأل الله أن يجعلنا منهم ولا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الواهب وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
هذا آخر ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- في العقيدة الواسطية وهي من أجمع العقائد المختصرة التي بين فيها الأئمة عقيدة أهل السنة والجماعة في أصول الإيمان وفيما يتعلق بالأعمال، أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يهدينا سواء السبيل، وأن يثبتنا على الحق والهدى وأن يعيذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجعلنا من أوليائه المتقين وحزبه المفلحين، وأن يسلك بنا سبيل الصالحين، وأن يلزمنا هدي سيد المرسلين، وأن يحشرنا في زمرته، وأن يجمعنا معه في مستقر رحمته في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وأن يحفظنا وإياكم من البدع والضلالات والانحرافات، ويحفظ سائر بلاد المسلمين من الضلالات والانحرافات، وأن يلزمنا السنة، وأن يتبعنا آثار السلف الصالح.