"والأفضل تقديم الصلاة في أول وقتها إلا العشاء إذا لم يشق وإلا الظهر في شدة الحر قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «إذا اشتد الحر فابردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم» البخاري(533), ومسلم(617) ".
ثم قال –رحمه الله-: "والأفضل" يعني فيما يتعلق بوقت الصلاة وفعلها، تقديم الصلاة في أول وقتها لا خلاف بين أهل العلم أن جميع الوقت جميع وقت الصلاة محل لفعلها يجوز فعل الصلاة المكتوبة في الوقت في أوله وفي أوسطه وفي آخره، فإذا صلى في أول الوقت فقد أتى بما طلب منه، إن صلى في أوسطه فقد أتى بما طلب منه، إن صلى في آخره بحيث يفرغ من الصلاة قبل خروج الوقت فقد أتى بما طلب منه.
لكن فيما يتعلق بالأفضل، الأفضل في الصلاة أن تكون في أول الوقت إلا ما جاء استثناءه ولهذا قال –رحمه الله-: "والأفضل تقديم الصلاة في أول وقتها إلا العشاء والظهر" كما سيأتي بيانه.
أما دليل أفضلية الصلاة في أول الوقت فما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سألت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أي الأعمال أحب إلى الله؟ وما كان أحب إلى الله فهو أعظم أجرًا وأكبر فضلًا فسئل رسول الله –صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله؟ قال:«الصلاة على وقتها» البخاري(527), ومسلم(85) ، وهذا يشمل معنيين؛ المعنى الأول الصلاة في الوقت كله بألا يخرج الصلاة عن وقتها، وثمة معنى آخر الصلاة في أول الوقت من أين أخذنا هذا؟ من أين استفدنا؟ إن الصلاة في أول الوقت أفضل من الصلاة في أوسطه أو آخره أن الصلاة إذا وقعت في أول الوقت كانت على الوقت يعني في أعلاه وهذا وجه الدلالة في الحديث على أن الصلاة في أول الوقت أفضل منها في وسطه وفي آخره لقوله –صلى الله عليه وسلم- لما سئل عن أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال –صلى الله عليه وسلم- الصلاة على وقتها.
إلا أن المؤلف –رحمه الله- استثنى من ذلك حالين:
إلا العشاء إذا لم يشق، يعني إذا لم يكن في تأخيرها مشقة فيستحب تأخير العشاء للآخر حيث لا مشقة لما جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «أعتم النبي –صلى الله عليه وسلم- ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل» البخاري(7239), ومسلم(638) عامة الليل يعني المألوف في عمل الناس أن يبقوا على يقظة في زمن النبي –صلى الله عليه وسلم- وليس عامة الليل يعني جميع الليل، إنما عامة الليل المعتاد أن يسهره الناس وأن يبقوا مستيقظين والزمن السابق قبل هذه الأنوار والإضاءات، الناس بعد صلاة المغرب يهجعون ويكاد أكثر الناس ألا يدرك العشاء يقظين وذلك لأن الناس يستيقظون في أول النهار وتستوعب الأعمال طاقاتهم في النهار، فإذا جاء الليل جاءوا وقد وصلوا إلى حد يحتاجون معه إلى الراحة، ولهذا نهى النبي –صلى الله عليه وسلم- عن النوم قبل العشاء خشية فواتهم ولأنه كثير في زمانهم، إذ أن أصحاب الأعمال كانوا ينامون بعد غروب الشمس فهذا معنى قولها رضي الله تعالى عنها «حتى ذهب عامة الليل» المقصود بعامة الليل عامة الليل المعتاد أن يستيقظه الناس زمن النبي –صلى الله عليه وسلم- أن يبقوا ساهرين وليس المقصود عامة الليل أنه بلغ ثلث الليل أو منتصف الليل، لأن ذلك لم يحدث منه –صلى الله عليه وسلم- ولذلك قالت: حتى نام أهل المسجد ثم خرج –صلى الله عليه وسلم- فقال: «إنه لوقتها» يعني أفضل ما يكون في وقت فعلها «لولا أن أشق على أمتي».
هذا الوقت الأول الذي يستحب أن تؤخر الصلاة فيه عن أول الوقت خلافًا لسائر الصلوات التي يستحب أن يكون الصلاة فيه في أول الوقت، وهو على وجه الامتداد صلاة العشاء التأخير إلى ثلث الليل مستحب في الزمان كله.
آخر ما نتكلم عنه في مسائل أوقات الصلاة :
الظهر يجوز تأخيره عن أول الوقت أو يسن تأخيرها عن أول الوقت في شدة الحر لما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا اشتد الحر فابردوا عن الصلاة»
"ابردوا" أي لا تعجلوا في شدة الحر، «فإن شدة الحر من فيح جهنم» البخاري(533), ومسلم(617) فالظهر هو ثاني الأوقات التي يستحب تأخيره عن أول الوقت، إلا أن ذلك مقيد بحال وهو شدة الحر، أما في غير شدة الحر فإن صلاة الظهر كسائر الصلوات يستحب أن يؤتى بها في أول وقتها.