"وتصح الصلاة في كل موضع إلا في محل نجس"
قوله: "وتصح الصلاة في كل موضع" عادة الفقهاء يذكرون ما يتصل بمواضع الصلاة تحت شرط مستقل وهو شرط اجتناب النجاسة، إلا أنه تقدم الحديث عن الطهارة وأنها شرط من شروط الصلاة وقلنا الطهارة تشمل الطهارة من الحدث، والطهارة من الخبث.
فجاء تكميلًا ببيان ما يتصل بمواضع الصلاة التي تصح فيها والتي لا تصح فيها، لأن الصلاة لابد أن تكون في موضع وتقدم بيان ما يتصل بطهارة البدن وطهارة الثوب، وكمال ذلك ببيان ما يتصل بطهارة البقعة.
قال –رحمه الله-: "وتصح الصلاة في كل موضع" لعموم قول النبي –صلى الله عليه وسلم-: «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» البخاري (335) ومسلم (521). فهذا النص عام لا يخرج عنه شيء إلا ما صح به النقل من نهي النبي –صلى الله عليه وسلم- عن صلاة في مكان معين، وإلا فالأصل صحة الصلاة في كل المواضع وفي كل الأماكن.
وقوله –رحمه الله-: "إلا في محل نجس" هذا شروع في ذكر المواضع التي لا تصح الصلاة فيها بدأ أولا بالموضع النجس، والموضع النجس هو المكان الذي أصابته نجاسة، ويشمل ذلك الموضع الذي يفعل الإنسان فيه الصلاة، ويباشر فيه الأرض فيجب أن يكون طاهرًا.
ودليل ذلك قول النبي –صلى الله عليه وسلم-: «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» والأصل في الأرض الطهارة، فدل ذلك على أن الصلاة يطلب أن تكون فيما جعله الله تعالى موضع للصلاة وهو الموضع الطاهر، ويدل له أيضا قول الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31] والزينة في البدن والثوب، ولا يمكن أن يكون ذلك إلا دالًا على أنه يجب أن يكون الموضع طاهرًا لأن أخذ الزينة في البدن والثوب يزول في كون الموضع نجسًا.
وجاء ذكر جملة من المواضع التي نهى النبي –صلى الله عليه وسلم- عن الصلاة فيها وقد علل جماعات من العلماء أن النهي فيها لأجل كونها نجسة غير طاهرة وهذا ما ذكره جمهور الفقهاء وسيأتي بيان ذلك وتفصيله، فهذا مجمل ومجموع ما استدلوا به وأيضًا استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4] فقال إذا كان مطلوب الطهارة في الثوب والبدن في صلاته بقوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾[المدثر: 4] فمن لازم ذلك لأنه لا يمكن أن يكون ثوبه طاهرًا ولا بدنه طاهرًا إلا إذا كانت البقعة طاهرة لأنه لو لم تكن البقعة طاهرة لتنجس بدنه أو ثوبه.
هذا الموضع الأول الذي ذكره المؤلف –رحمه الله- من المواضع التي لا تحل الصلاة فيها الموضع النجس، وسواء كان موضع للنجاسة المعتادة أو كانت النجاسة عارضة في الموضع.