قال: (ثم يكبر ويصلي باقي صلاته بالفاتحة في كل ركعة، ثم يتشهد التشهد الأخير وهو المذكور، ويزيد على ما تقدم، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، ويدعو الله بما أحب، ثم يسلم عن يمينه، وعن يساره).
يقول رحمه الله: (ثم يتشهد التشهد الأخير، وهو المذكور) يعني المتقدم، فإذا جلس بعد فراغه يقول رحمه الله ثم يكبر فيما إذا كانت ثلاثية أو رباعية، ويصلي باقي صلاته بالفاتحة في كل ركعة، أي يصلي مقتصرا في قراءته على الفاتحة فيما بقي، وهذا في المكتوبات، وأما في الوتر إذا وصله، فإنه يقرأ بعد الفاتحة سورة، أو ما شاء الله له أن يقرأ.
فقوله رحمه الله ويصلي باقي صلاته بالفاتحة في كل ركعة، يعني في المكتوبات، أما الوتر إذا وصله فصلى ثلاثا أو خمسا، أو سبعا، أو تسعا، فإنه يقرأ بعد الفاتحة، كما ثبت عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والدليل على الاقتصار على الفاتحة ما جاء في حديث أبي قتادة في صفة صلاة النبي صلى الله وسلم قال ويقرأ في الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب.
قال رحمه الله: (ثم يتشهد التشهد الأخير المذكور، وهو المذكور) التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله.
قال: (ويزيد على ما تقدم)، يعني يأتي بزيادة على ما تقدم، الصلاة، يأتي بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قال:( اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على ابراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)، وهذه إحدى صيغ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من أثبتها وأصحها، وقد علمها النبي صل الله عليه وسلم أصحابه لما سألوه، قالوا عرفنا كيف نسلم عليك السلام عليك يا أيها النبي ورحمة الله وبركاته فكيف نصلي عليك؟ قال: « قولوا اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم » البخاري(3370), ومسلم(406) .
بعض العلماء قال اللهم صل على محمد معناها اللهم ارحمه، ومنهم من قال اللهم صل على محمد، اللهم اثني عليه في الملأ الأعلى، يعني عند الملائكة، وقيل وهو القول الثالث اللهم صل على محمد أي اللهم أعطه خيرا كثيرا، وهذا شامل للرحمة والذكر الحسن, والحفظ بعد موته في قبره وفي سنته، وفي أمته، وفي آله كل ذلك مما يدخل في الصلاة عليه، وهذا أوسع المعاني، وأصوبها فيما يظهر والله تعالى أعلم أوسع المعاني وأشملها، وهو الأقرب في معنى، اللهم صل على محمد، يعني اللهم أعطه خيرا كثيرا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: 1] أي الخير الكثير، فأنت تسأل الله أن يعطيه خيرا كثيرا، الصلاة عليه صلى الله وسلم.
وعلى آله، وهم أهل بيته، وقيل أتباعه، وهذا أوسع في معنى الآل، فإن الآل يشمل أهل البيت، ويشمل الأتباع، ومن أهل بيته أزواجه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما دل عليه القرآن.
كما صليت على آل إبراهيم، يعني على إبراهيم وآله في بعض الروايات الحديث على إبراهيم وعلى آل إبراهيم والتي في الصحيحين على آل إبراهيم، وهي شاملة للصلاة على إبراهيم، إنك حميد مجيد.
ثم بعد الفراغ من الصلاة عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بهذا الدعاء يشرع الاستعاذة بالله من أربع، فقد أمر بذلك صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله» أي ليطلب الحماية، والعصمة من الله، واللجأ إليه من أربعة شرور« من عذاب القبر، ومن عذاب جهنم، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال » البخاري(1377), ومسلم(588) ، وهذه إذا سلم من أهل الإنسان، سلم في دينه ودنياه، وسعد في الأولى والآخرة.
ولذلك شرع أن يستعيذ بالله منها في كل صلاة، فرضا أو نفلا، لعموم قوله إذا تشهد أحدكم يعني في فرض أو نفل، فليستعذ بالله من أربع اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، يعني من كل فتنة مضلة في معاشه، وعند موته في الممات، يعني حال الموت، فإن الشيطان يتسلط على الإنسان عند موته، وقد يظله، وقد يذله، وقد يخرجه عن الملة، وقد ينقص إيمانه، ومن شر فتنة المسيح الدجال تخصيص بعد العموم، فإن شر غائب ينتظر هو الدجال، أعاذنا الله تعالى وإياكم منه، وفي هذه الاستعاذة التي أمر بها، وكان يفعلها كما في حديث أبي هريرة دليل على إثبات عذاب القبر خلافا لمن أنكر عذاب القبر، وقال ليس في القبر عذاب، الأدلة متوافرة في الكتاب والسنة، وأجمع على ذلك علماء الأمة سلفا وخلفا أن في القبر عذاب ونعيم، أن في القبر عذابا ونعيما، نسأل الله أن نكون من أهل النعيم.