"وكان النبي –صلى الله عليه وسلم- يصلي في السفر النافلة على رحلته حيث توجهت به متفق عليه وفي لفظ غير أنه لا يصلي المكتوبة" البخاري(1099), ومسلم(700) .
أما الحالة الثانية التي يجوز فيها التوجه إلى غير القبلة، ويسقط وجوب ذلك في الصلاة حال النفل في السفر وهو ما أشار إليه بقوله: "وكان النبي –صلى الله عليه وسلم- يصلي في السفر النافلة على راحلته حيث توجهت به"، فذكر المؤلف الحالة الثانية بدليلها وهي أن النبي –صلى الله عليه وسلم- كان يصلي النافلة في السفر حيث توجهت به، وبين أن ذلك خاص بالنافلة في قوله غير أنه لا يصلي المكتوبة فهذه هي الحالة الثانية التي يسقط فيها وجوب الاستقبال، وهي صلاة النافلة في السفر سواء أكان السفر طويلًا أو قصيرًا فيجزئ أن يصلي لأي جهة كان عليها ولا يلزمه الإعادة.
والأصل استواء الفرض والنفل في الأحكام، إلا ما ثبت تخصيصه بالدليل وهنا قد ثبت تخصيصه بفعل النبي –صلى الله عليه وسلم- وبين الناقل أن ذلك في النافلة حيث قال: "غير أنه لا يصلي المكتوبة" يعني على تلك الصفة التي ذكر، فلا يصح صلاة الفرض على الراحلة إلا في حال الاضطرار، كما تقدم في حال العجز فإنه في حال العجز في الفرض والنفل، أما هذا فهو خاص بالنفل.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يشترط في النافلة أن يستقبل بها عند الافتتاح القبلة فله أن يفتتح الصلاة إلى أي جهة تيسرت وهذه الرواية مخرجة عن الإمام أحمد –رحمه الله- أنه يصلي حيث تيسر ولا يلزمه استقبال القبلة، وأما المذهب مذهب الحنابلة فإنه يلزمه إن تيسر يعني المؤلف جرى على غير المذهب في هذه المسألة، حيث أنه ذكر الرخصة في ترك استقبال القبلة في السفر في النافلة، ولم يذكر أنه يفتتحها إلى جهة القبلة، بل ذكر ذلك مطلقًا، والمذهب أنه يلزمه التوجه إلى القبلة في افتتاح الصلاة لما جاء إن تيسر له لما جاء في حديث أنس أن النبي –صلى الله عليه وسلم- كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكبر ثم صلى وجه ركابه يعني في الجهة التي تتوجه إليها راحلته.
وظاهر كلام المؤلف –رحمه الله- أن هذه رخصة خاصة بالسفر، فلا يصلي في الحضر على راحلته، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد والرواية الثانية جواز النافلة على الراحلة للمقيم السائر في مصره لأنها رخصة تجوز في السفر فشرعت في المصر كالتيمم عند فقد الماء، وكأكل الميتة عند الاضطرار، وكذلك للمعنى الذي من أجله شرعت الصلاة إلى غير القبلة في السفر موجود في الحضر وهو التنشيط على النافلة.
وهذا القول وجيه وهو أن صلاة النافلة تصلح من السائر الراكب إلى غير القبلة ولو كان في غير سفر ولو كان في المصر، لاسيما مع حال الناس اليوم في المدن الكبيرة التي يقضون فيها أوقات طويلة على سياراتهم وسائر نقلهم يقضون ساعات، فمثل هذا القول فيه سعة لهم ليشتغلوا بالنوافل وطاعة الله –عز وجل- وهذا القول أقرب إلى الصواب وهو الرواية الثانية في مذهب الإمام أحمد وبه قال جماعة من أهل العلم.