أحدهما:أن يرشد أمراً ونهياً وخبراً إلى أمر معروف شرعاً أو معروف عرفاً كما تقدم.
والنوع الثاني:أن يرشد إلىٰاستخراج الأشياء النافعة من أصول معروفة، ويعملالفكر في استفادة المنافع منها.
وهذه القاعدة شريفة جليلة القدر.
أما النوع الأول:فأكثر إرشادات القرآن في الأمور الخيرية في نسخة: الخبرية. والأمور الحُكْمية داخلة فيها.
وأما النوع الثاني:وهو المقصود هنا، فإنه دعا عباده في آيات كثيرة إلى التفكر في خلق السماواتوالأرض، وما خلق الله فيهما من العوالم، وإلى النظر فيها.
وأخبر أنه سخّرها لمصالحنا ومنافعنا، وأنه أنزل الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس:﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ سورة : الجاثية (13). . ونبه العقول على التفكر فيها، واستخراج أنواع العلوم والفوائد منها.
وذلك أننا إذا فكرنا فيها، ونظرنا حالها وأوصافها وانتظامها، ولأي شيء خلقت، ولأي فائدة أبقيت؟ وماذا فيها من الآيات، وما احتوت عليه من المنافع؟ أفادنا هذا الفكر فيها علمين جليلين:)
شرح القاعدة:
هـٰذه القاعدة الثالثة والعشرون أشار فيها الشيخ رحمه الله إلىٰ أن القرآن (يرشد إلىٰاستخراج الأشياء النافعة من أصول معروفة، ويعملالفكر في استفادة المنافع منها) . هـٰذا المقصود بالقاعدة، والنوع الأول تقدم في القاعدة الحادية والعشرين، وهي: إجراء الأمور على ما اقتضاه العرف فيما لم يرد فيه تحديد من الشرع، وأن الشرع رد الناس فيما يختلفون فيه إلى العرف.
النوع الثاني من القواعد هو: النظر في آلاء الله عز وجل، وآياته الكونية الدالة على عظيم خلقه وصنعه جل وعلا.
فالنوع الأول تقدم في القاعدة الحادية والعشرين، والنوع الثاني سيأتي له إشارة أو سيأتي له بعض البيان في هذه القاعدة.
وما ذكره الله جل وعلا في آيات الكون الخلْقية، وما امتن به عليهم من الخلق أفاد فائدتين:
(أحدهما:أننا نستدل بها على ما لله من صفات الكمال والعظمة، والحكم البالغة، وما له من النعم الواسعة والأيادي المتكاثرة، وعلى صدق ما أخبر به من المعاد والجنة والنار، وعلى صدق رسله وحقيقة ما جاؤوا به.
وهذا النوع قد أكثر منه أهل العلم، ولكل من ذلك ما وصل إليه علمه، فإن الله أخبر أن الآيات إنما ينتفع بها أولو الألباب.
وهذا أجل العِلْمين وأعلاهما، وأكملهما.
والعلم الثاني:أننا نتفكر فيها ونستخرج منها المنافع المتنوعة، فإن الله سخرها لنا، وسلطنا على استخراج جميع ما لنا فيها من المنافع والخيرات الدينية والدنيوية. فسخّر في نسخة: فذلل. لنا أرضها لنحرثها ونزرعها ونغرسها، ونستخرج معادنها وبركتها، وجعلها طوع علومنا وأعمالنا لنستخرج منها الصناعات النافعة. فجميع فنون الصناعات على كثرتها وتنوعها وتفوقها –لا سيما في هذه الأوقات- كل ذلك داخل في تسخيرها لنا.
وقد عرفنا في نسخة: عُرفت. الحاجة؛ بل الضرورة في هذه الأوقات إلى استنباط المنافع وترقية الصنائع إلى ما لا حد له، وقد ظهر في هذه الأوقات من موادها وعناصرها أمور فيها فوائد عظيمة للخلق.
وقد تقدّم لنا في قاعدة اللازم:أنّ ما لا تتم الأمور المطلوبة إلا به فهو مطلوب. وهذا يدلّ على أن تعلم الصناعات والمخترعات الحادثة من الأمور المطلوبة شرعاً، كما هي مطلوبة لازمة عقلاً، وأنها من الجهاد في سبيل الله، ومن علوم القرآن.
فإنّالقرآن في نسخة: الله. نبه العباد على أنه جعل الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس، وأنه سخر لهم ما في الأرض. فعليهم أن يسعوا لتحصيل هذه المنافع من أقرب الطرق إلى تحصيلها، وهي معروفة بالتجارب.
وهذا من آيات القرآن. وهو أكبر دليل على سعة علم الله وحكمته ورحمته بعباده بأن أباح لهم جميع النعم، ويسّر لهم الوصول إليها بطرق لا تزال تحدث وقتاً بعد وقت. وقد أخبر في عدة آيات أنه تذكرة يتذكر بها العباد في كل ما ينفعهم فيسلكونه وما يضرهم فيتركونه، وأنه هداية لجميع المصالح) .
إذاً أمر الله جل وعلا بالنظر في الآيات الكونية- وهو كثير في كتاب الله عز وجل- يفيدنا فائدتين:
الفائدة الأولى: الاستدلال بها على عظيم الربّ الذي خلقها وسخرها لعباده.
الأمر الثاني: هو الاستفادة مما فيها مما سخّره الله عز وجل لبني آدم.
وهاتان فائدتان جليلتان.
أما الفائدة الأولى فيزداد بها الإيمان، وتعمر بها الآخرة؛ لأنها مما يصلح به القلب.
وأما الفائدة الثانية: فهو لعمارة الدنيا وإقامتها، وتحقيق مصالحها وتحصيلها.
ولاشك أن الثاني مقصود، كما أنّ الأول مقصود؛ لكن القصد الأكبر والأعظم هو الأول، ولذلك قال الله جل وعلا: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ سورة : فصلت (53). . فهـٰذا هو المقصود الأكبر والأعظم من هـٰذه الآيات التي أمر الله جل وعلا بالنظر إليها؛ ولكن مما يستفاد أيضاً من هـٰذه الآيات هو تحقيق ما سخرها الله جل وعلا من أجله، وهو الانتفاع بها في عمارة الدنيا، على أن لا يطغى ذلك على المعنى الأول، وعلى أن يضبط ذلك بالإطار العام، وهو أن لا يخرج بها عن المقصود، وهو عبادة الله جل وعلا.
وقول الشيخ رحمه الله: (وهذا يدلّ على أنّ تعلم الصناعات والمخترعات الحادثة من الأمور المطلوبة شرعاً) لا إشكال في ذلك، فهو من فروض الكفايات التي يجب على الأمة تحصيلها، (كما هي مطلوبة لازمة عقلاً، وأنها من الجهاد في سبيل الله) لأنها من الإعداد الذي ذكره الله جل وعلا في قوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ سورة : الأنفال (60). . وتقدم لنا أن القوة أوسع من كونها القوة الحربية، بل القوة المعنوية والقوة النفسية وغير ذلك من القوى، ولا شك أن الأمة إذا كانت متخلفة ليس عندها معرفة ولا إتقان لما تُعمر به الدنيا- كما هو الحال الآن- أن ذلك من الضعف والوهن؛ ولذلك قال رحمه الله: (وأنها من الجهاد في سبيل الله، ومن علوم القرآن) من علوم القرآن على وجه العموم لا على وجه التفصيل، فلم يأت القرآن كتاب فيزياء، ولم يأتِ الكتاب كشرح لما تضمنه علم الأحياء أو علم الكيمياء أو غير ذلك من علوم الطبيعية، إنما أتى بلفت النظر إلىٰ هذه الأمور والاستفادة منها في تحقيق غاية الوجود وهي عبادة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ثم ضرب مثالاً لذلك بتسخير الحديد وذكر الله جل وعلا أن فيه بأساً شديداً، وأن هـٰذا الذكر وهـٰذا الامتنان للاستدلال على قوة من خلقه وعظمة الصانع جل وعلا، وأيضاً للاستفادة منه في عمارة الدنيا.
القرآن يرشد إلى التوسط والاعتدال في الأمور، ويذم التقصير والغلو ومجاوزة الحد في كل الأمور.
قال تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ﴾ سورة : النحل (90). ، وقال:﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ سورة : الأعراف (29). . والآيات الآمرة بالعدل والإحسان والناهية عن ضدهما كثيرة.
والعدل في كل الأمور:لزوم الحد فيها وأن لا يغلو ويتجاوز الحد، كما لا يقصر ويدع بعض الحق) .
هـٰذه قاعدة التوسط، هي قاعدة التوسط، وهـٰذه في قوله تعالىٰ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾ سورة : البقرة (142). . فجعل الله عز وجل هـٰذه الأمة وسطاً، وجعل الوسطية سبباً لكونها شاهدة على الناس الأولين والآخرين، فهـٰذه الأمة أمة وسط في الاعتقاد، وفي العمل، وفيما يتعلق بالأخلاق، وفيما يتعلق بأمور الدنيا، وسط في كل شيء، على خلاف أمتين عظيمتين: أمة اليهود وأمة النصارى.
فاليهود أخذوا في جانب الغلو والتشديد.
والنصارى أخذوا في جانب التفريط والتقصير.
وهـٰذه الأمة وسط في جميع شؤونها: في عقائدها، وفي أعمالها، وفي أخلاقها، وفيما يتعلق بأمر معاشها ودنياها، وهـٰذا من نعمة الله عز وجل. والشيخ رحمه الله استدل لهذه الوسطية بقوله تعالىٰ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾؛ سورة : النحل (90). لأن الوسط في قوله تعالىٰ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ هم الخيار العدل، فلا وكس ولا شطط، لا غلو ولا تقصير، سيضرب أمثلة لوسطية الأمة في جوانب عديدة.
(ففي عبادة الله أمر بالتمسك بما عليه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في آيات كثيرة، ونهى عن مجاوزة ذلك في آيات كثيرة، وتعدي الحدود في آيات كثيرة، وذم المقصرين عنه في آيات كثيرة.
فالعبادة التي أمر الله بها ما جمعت الإخلاص للمعبود والمتابعة للرسول، فما فقد فيه الأمران في نسخة: فإذا خلت من الأمرين. أو أحدهما فهي لاغية) .
دليل ذلك، دليل هذين الأصلين: العبادة لا بد فيها من الإخلاص والمتابعة: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا﴾ هـٰذا فيه المتابعة ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)﴾ سورة : الكهف (110). هـٰذا فيه الإخلاص، والأدلة على هذين الأصلين -وهما شرطا قبول العمل- كثيرة في الكتاب والسنة.
(وفي حق الأنبياء والرسل عَلَيْهِم الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أمر بالاعتدال، وهو: الإيمان بهم، ومحبتهم المقدمة على محبة الخلق، وتوقيرهم، واتّباعهم، ومعرفة أقدارهم ومراتبهم التي أكرمهم الله بها. ونهى عن الغلو فيهم في آيات كثيرة،وهو: أن يُرفعوا فوق منزلتهم التي أنزلهم الله، ويُجعل لهم من حقوق الله التي لا يشاركه فيها مشارك. كما نهى عن التقصير في حقهم في الإيمان بهم ومحبتهم وترك توقيرهم أو عدم اتباعهم. وذمَّ الغالين فيهم كالنصارى ونحوهم في عيسى، كما ذمَّ الجافين لهم كاليهود حين قالوا في عيسى ما قالوا، وذمَّ من فرق بينهم فآمن ببعض دون بعض، وأخبر أن هذا كفر بجميعهم ) .
استهزاء اليهود بمقام الأنبياء وحقهم، في القول والعمل: في القول بما رموا به عيسىٰ ابن مريم من التهمة بأنه ولد زنى، وفي العمل بسعيهم في قتله وقتل غيره من الأنبياء، فإنهم كانوا يقتلون أنبياءهم كما ذكر الله ذلك في كتابه.
وأما النصارى فهم ضالون: غلوا في عيسىٰ فجعلوه ابناً لله عز وجل، تعالىٰ الله عما يقولون علوًّا كبيراً.
والأمة -ولله الحمد- وسط بين هـٰذه الطريق وهـٰذه الطريق.
وكل من غلا في النبوة سواء في الأنبياء السابقين أو في نبينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فله نصيب من طريق الضالين.
وكل من جفا في مقام النبوة وقصر واتهم وتنقص، فله نصيب من طريق المغضوب عليهم وهم اليهود.
والواجب على أهل الإسلام أن يقِفُوا في هـٰذا الباب عند ما وقف عليه سلف الأمة الصالحون -من الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُم ومن بعدهم من أهل القرون المفضلة-، فإنّهم أكمل الناس محبة لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكل من ادعى المحبة وسلك طريقاً غير طريقهم فهو كاذب. وهـٰذا يجب أن يشاع وأن يعلن وأن يعرفه أهل الإسلام، وأن يبلغ الناس ذلك؛ لأن كثيراً ممن يدعون محبة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقعون في أنواع من الغلو والبدع والإحداثات التي تخالف طريقه، وتخرج عن رسم هديه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم إنهم لا يكتفون بذلك؛ بل يتهمون المستقيمين على الصراط المستقيم بأنهم يجفون رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأنهم يقصرون في حقه، وأنهم لا ينزلونه منزلته، وهذا خطأ في الفهم وضلال فيه، وسفه في العقل: أن يظن الإنسان أن طريقاً يوصل إلىٰ تعظيم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإيفائه حقه أفضل من طريق أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والعشرة المبشرين بالجنة وسائر الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُم أجمعين.
فينبغي لأهل السنة المتمسكين بطريق السلف أن يبينوا ذلك للناس في كل مناسبة، وأن يبينوا أن المحبة الحقيقية ليست بإنشاد الأشعار، ولا بالترنمات، ولا بالإفراط في المدح والثناء، فإن ذلك مما يكرهه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إنما يكون ذلك بالمعيار الإلهي في قوله تعالىٰ: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ سورة : آل عمران (31). . هـٰذا هو المعيار الصّادق القسط العدل في محبة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فبقدر ما مع العبد من متابعة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الظاهر والباطن بقدر ما معه من محبته، وانتبه إلىٰ الأمر الثاني وهو المتابعة في الظاهر والباطن، فإن كثيراً من الناس يحرص على المتابعة الظاهرة ويغفل عن متابعة الباطن، نسأل الله أن يعيننا على ذلك.
(وكذلك يتعلق هذا الأمر في حق العلماء والأولياء، فتجب محبتهم ومعرفة أقدارهم، ولا يحلُّ الغلو فيهم، وإعطاؤهم شيئاً من حق الله، وحق رسوله الخاص، ولا يحلُّ جفاؤهم ولا عداوتهم، فمن عادى لله وليّاً فقد بارزه بالحرب).
(وأمر بالتوسط في النفقات والصدقات، ونهى عن الإمساك والبخل والتقتير، كما نهى عن الإسراف والتبذير.
وأمر بالقوة والشجاعة بالأقوال والأفعال، ونهى عن الجبن، وذم الجبناء وأهل الخور وضعفاء النفوس، كما ذم المتهورين الذين يلقون بأنفسهم وأيديهم إلى التهلكة.
وأمر وحث على الصبر في آيات كثيرة، ونهى عن الجزع والهلع والسّخط، كما نهى عن التجبر وعدم الرحمة والقسوة في آيات كثيرة.
وأمر بأداء الحقوقلكل من له حق عليك:من الوالدين والأقارب والأصحاب ونحوهم، والإحسان إليهم قولاً وفعلاً، وذمَّ من قصر في حقهم أو أساء إليهم قولاً وفعلاً، كما ذم من غلا فيهم وفي غيرهم حتى قدم رضاهم على رضا الله وطاعتهم على طاعة الله.
وأمرنا بالاقتصاد في الأكل والشرب واللباس، ونهى عن السّرف والترف، كما نهى عن التقصير الضار بالقلب والبدن.
وبالجملة فما أمر الله بشيء إلا كان وسطاً بين خلقين ذميمين:تفريط وإفراط) .
الشيطان لا يبالي أيهما أصاب من الإنسان التفريط أو الإفراط، فإذا أصاب منك تفريطاً أو إفراطاً فقد تحقق مراده ومطلوبه؛ لأن الاثنين يجتمعان في أي شيء؟ في أنهما خروج عن الصراط المستقيم، ولذلك كان الصراط المسؤول في سورة الفاتحة صراطاً واضحاً بيناً سالماً من هاتين البدعتين: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ ثم هل وقف؟ ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ هٰؤلاء أهل التقصير والتفريط، ﴿وَلاَ الضَّالِّينَ (7)﴾ سورة : الفاتحة (6-7). هم أهل الغلو والخروج عن الصراط المستقيم.
وعلى كل حال يجب على المؤمن أن يكون رقيباً على نفسه في دقيق الأمر وجليله؛ لأن هـٰذا الأمر يحتاج إلىٰ دوام مراقبة، وأن لا يكل الإنسان عمله إلىٰ العادة وما جرى به طبعه؛ بل ينبغي له أن يراقب نفسه في لزوم الصراط المستقيم، ولذلك كان سؤال الله عز وجل الهداية إلى الصراط المستقيم في كل ركعة من الصلاة؛ لشدة ضرورة الإنسان إلىٰ هذا الصراط، وكثرة الأسباب الصارفة عنه، فلهذين الأمرين تكرر السؤال، في كل ركعة يسأل الإنسان ربه في مناجاته: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ (7)﴾. السبب في ذلك شدة حاجتنا إلىٰ الثبات على هـٰذا الصراط؛ لأن الثبات عليه هو النجاة في الدنيا والآخرة، ولكثرة الصوارف عنه.
وقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الجواب الصحيح فيمن بدل دين المسيح كلاماً مطولاً في وسطية هـٰذه الأمة -أمة الإسلام- وما فارقت به اليهود والنصارى، ثم بعد أن ذكر كلاماً طويلاً قال: ولو تتبعنا هـٰذا المقام لطال بنا الكلام. أو قال: وهـٰذا مقام يطول وصفه.
المهم هـٰذا المقام -كما يقول الشيخ- يطول وصفه، ولو تتبع الإنسان وسطية هـٰذه الأمة في ما شرعه الله لها، وما جاء من العقائد والأعمال لوجد شيئاً كثيراً، وإنما يتبين ذلك بالنظر والتأمل، والمهم أن يتحرى الإنسان العدل والوسط في عقده وقوله وعمله، وأن يستعين الله عز وجل، وأن يسأله إصابة ذلك.
أما حدود الله:فهي ما حدّه لعباده من الشرائع الظاهرة والباطنة، التي أمرهم بفعلها، والمحرمات التي أمرهم بتركها. فالحفظ لهايكون بأداء الحقوق اللازمة، وترك المحرمات الظاهرة والباطنة.
ويتوقف هذا الفعل وهذا الترك على معرفة الحدود على وجهها، ليعرفَ ما يدخل في الواجبات والحقوق، فيؤدِّيها على ذلك الوجه كاملة غير ناقصة، وما يدخل في المحرمات ليتمكن من تركها، ولهذا ذمَّ الله من لم يعرف حدود ما أنزل الله على رسوله، وأثنى على من عرف ذلك).
شرح القاعدة:
حفظ الحدود يكون بترك ما نهى الله عنه، وفي فعل ما أمر الله به، وفيما أباحه الله عز وجل، كل هـٰذا مما يجب فيه حفظ الحد: في الأمر وفي النهي وفي المباح، كيف يكون ذلك؟ سيأتي بيانه في كلام الشيخ رحمه الله.
بيان معنى الحدود:
لكن ينبغي أن نعرف أن الآيات الآمرة بحفظ حدود الله أو المثنية على الحافظين لحدود الله ليس فقط في الأمر والنهي بل حتى في المباح، فحفظ حدود الله:
· يكون فيما أمر.
· ويكون فيما نهى.
· ويكون في ما أباح وأحل.
بيان هـٰذا في كلام الشيخ رحمه الله.
(وحيث قال الله تعالى:﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ سورة : البقرة (229). كان المراد بها:ما أحله لعباده، وما فصله من الشرائع. فإنه نهى عن مجاوزتها وأمر بملازمتها.
كما أمر بملازمة ما أحله من الطعام والشراب واللباس والنكاح، ونهى عن تعدي ذلك إلى ما حرم من الخبائث.
وكما أمر بملازمة ما شرعه من الأحكام في النكاح والطلاق والعدة وتوابع ذلك، ونهى عن تعدِّي ذلك إلى فعل ما لا يجوز شرعاً.
وكما أمر بالمحافظة على ما فصّله من أحكام المواريث ولزوم حدِّه، ونهى عن تعدي ذلك، وتوريث من لا يرث، وحرمان من يرث، وتبديل ما فرضه وفصّله بغيره.
وحيث قال:﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ سورة : البقرة (187). كان المراد بذلك:المحرمات. فإن قوله:﴿فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ نهي عن فعلها،ونهي عن مقدماتها وأسبابها الموصلة إليها والموقعة فيها.
كما نهاهم عن المحرمات على الصائم، وبين لهم وقت الصيام فقال:﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾. وكما حرّم على الأزواج أن يأخذوا مما آتوا أزواجهم شيئاً إلا أن يأتين بفاحشة مبينة.
فالخير والسعادة والفلاح في معرفة حدود الله، والمحافظة عليها. كما أن أصل كل الشر وأسباب العقوباتالجهل بحدود الله، أوترك المحافظة عليها، أو الجمع بين الشرين. والله أعلم) .
ما أمر الله به من الواجبات والمأمورات:
قال فيه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ سورة : البقرة (187). . فلا يجوز تعدي ما أمر الله به من الواجبات، وضرب لذلك أمثلة كتوريث ما لا يستحق الإرث.
وهـٰذا النهي عن تعدي حدود الله في المأمورات يشمل جميع المأمورات في جميع شرائع الدين: في العبادات، وفي المعاملات؛ بل حتى في العقائد.
وأما المنهيات:
فإن طريقة القرآن في ذلك النهي عن قربانها، وذلك أن هـٰذه الشريعة المطهّرة شريعة جاءت من لدن حكيم خبير، فمنعت الشر ومنعت الأسباب الموصلة إليه، فسدت الطرق الموصلة إلىٰ الشرور، ومنعت مقدمات المعصية، ولذلك قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ سورة : البقرة (187). هـٰذا في مقام ذكر المحرمات، وقال في الزنى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً (32)﴾ سوة : الإسراء (32). . وقال في مال اليتيم: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ سورة : الأنعام (152). . كل هـٰذا نهي عن مقاربة المعصية بسلوك الطرق الموصلة إليها، وهـٰذا فيه النهي عن المعصية وزيادة؛ لأنه ينهى عن الفعل المحرم، وينهى عن مقدماته المفضية إليه والمؤدية إليه.
أما المباحات فإنها كالمأمورات:
أمر فيها الشارع بعدم تعدي حدود الله، وذلك بأن يلزم فيها الإنسان الطريق الوسط القسط العدل، من غير تقصير ولا غلو ولا زيادة، كما قال الله جل وعلا في ثنائه على عباد الرحمـٰن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ سورة : الفرقان (67). . فامتنعوا من هذين: الإسراف وهو الزيادة عن الحد في الصّرف، والتقتير :هو الإمساك عما يحتاجه الإنسان من النفقة.