القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن

من وحتى

عداد المشاهدات : 72

التاريخ : 2026-06-06 07:01:15

  

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

(القاعدة السابعة والعشرون

المحترزات في القرآن تقع في كل المواضع في أشد الحاجة إليها)

 

شرح القاعدة:

(المحترزات) جمع محترز، وهو مأخوذ من الاحتراز، والاحتراز في الأصل مأخوذ من حَرَزَ، الفعل الثلاثي، الاحتراز هو ما يحتاط به المتكلم من فهم غير مراد، وأصله طلب الوقاية.

فالاحترازات أي ما توقى القرآن في اللفظ والمعنى، فالمواضع التي وردت فيها هـٰذه الاحترازات وقعت في موقع من أحسن ما يكون، وفي أشد ما يكون حاجة إلىٰ هـٰذا الاحتراز، هـٰذا معنى القاعدة.

وسيذكر المؤلف رحمه الله أمثلة لذلك يتضح بها المقام.

 

    

 

(وهذه القاعدة جليلة النفع، وعظيمة الوقع.

وذلك أنّ كل موضع يسوق الله فيه حكماً من الأحكام أو خبراً من الأخبار فيتشوف الذهن فيه إلى شيء آخر، إلا وجدتَ الله قد قرَن به ذلك الأمر الذي يعلق في الأذهان، فيبينه أحسن بيان.

وهذا أعلى أنواع التعليم، الذي لا يبقي إشكالاً إلا أزاله، ولا احتمالاً إلا وضّحه في نسخة: أوضحه.  .  وهذا يدل على سعة علم الله وحكمته. وذلك في القرآن كثير جدّاً).

 

    

 

(ولنذكر بعض أمثلة توضح هذه القاعدة، وتحسّن للداخل الدخول إليها.

فمن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ سورة : النمل (91).  .  لمَّا خصها بالذكر ربما وقع في بعض الأذهان تخصيص ربوبيته بها، أزال هذا الوهم بقوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ سورة : النمل (91).   ).

قال تعالىٰ: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ هـٰذا قول منه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عن رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ وهـٰذه من الربوبية الخاصة، فإن الله عز وجل يذكر الربوبية في القرآن على نوعين، وسيأتي كلام المؤلف في هـٰذا:

ربوبية عامة: تشمل كل شيء، وذلك نظير: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ سورة : الفاتحة (2) ، يونس (10) ، الزمر (75) ، غافر (65).   ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هـٰذه الربوبية العامة التي تعم كل شيء من الحي والجماد، من الرطب واليابس، هنا قال: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ هـٰذه ربوبية خاصة، فلما خص هـٰذا البلد بالربوبية، قد يتوهم متوهم ويظن أن الربوبية -ربوبية الله- خاصة بهذه البقعة وأن غيرها من البقاع لها رب آخر، فقال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى دفعاً لهذا التوهم: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ فهو رب كل شيء سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وهو مالكه، وإنما أضاف ربوبيته سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لهذه البقعة تمييزاً لها، واصطفاءً لها، والله عز وجل قد قال: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ سورة : القصص (68).    من الأماكن والأزمان والأشخاص والأوصاف، والله حكيم خبير يفعل ما يشاء، ﴿ لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23)﴾  سورة : الأنبياء (23).    . فالله اصطفى هـٰذا المكان وأضاف ربوبيته له تعظيماً وتشريفاً له؛ لكن دفعاً لهذا التوهم -وهو أن تخص ربوبيته بهذا المكان  دون غيره- قال في ذلك: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

إذاً أين الاحتراز في هـٰذه الآية؟ قوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾.

ما الفهم الخاطئ الذي يمكن أن يرد؟ حصر الربوبية بهذا المكان.

(ومنها قوله تعالى: ﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ سورة : هود (109).     لمَّا كان قد يقع في الذهن أنهم على حجة وبرهان فأبان بقوله: ﴿مَا يَعْبُدُونَ إِلا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾  سورة : هود (109).  أنهم ضُلال اقتدوا بمثلهم، ثم لما كان قد يتوهم المتوهم أنهم في طمأنينة من قولهم، وعلى يقين من مذهبهم، وربما يتوهم أيضاً أن الأليق ألا تبسط لهم الدنيا احترز من ذلك بقوله: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإنهم لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ سورة : هود (109-110).   .

ولما قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ سورة : النساء (95).  ربما يظن الظان أنهم لا يستوون مع المجاهدين ولو كان القاعدون معذورين. أزال هذا الوهم بقوله:﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ سورة : النساء (95).  ).

هـٰذا الوهم توهمه ابن أم مكتوم رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فإن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استخلفه في المدينة في إحدى غزواته فقال: يا رسول الله لو أطقت جهاداً لجاهدت. بعد نزول هـٰذه الآية، الآية أول ما نزلت: (لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ). فقال: لو أطقت جهاداً لجاهدت. فأنزل الله عز وجل قوله تعالىٰ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ في قوله: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾. فهو قيد رفع التوهم، وهو أنه حتى ولو كان معذوراً بقعوده فإنه لا يساوي الخارج للجهاد، وقد قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند عودته من تبوك -وهي من أشد الغزوات عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال- لأصحابه كما في حديث جابر في صحيح مسلم: ((إن أقواماً في المدينة ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً ولا نزلتم منزلاً إلا كانوا معكم، أو: إلا شركوكم في الأجر)). قال الصحابة: وهم في المدينة يا رسول الله؟ قال: ((وهم في المدينة، حبسهم العذر))  البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب من حبسه العذر عن الغزو، حديث رقم (2839).    . وفي رواية: ((حبسهم المرض))  مسلم: كتاب الإمارة، باب ثواب من حبسه عن الغزو مرض أو عذر آخر، حديث رقم (1911).  . فدلّ ذلك على أن من منعه من الطاعة عدم قدرته عليها وعدم استطاعته إياها فإنه يكتب له أجر، وفضل الله واسع نسأل الله من فضله.

(وكذلك لما قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾  سورة : الحديد (10).  . ربما توهم أحد أن المفضولين ليس لهم عند الله مقام ولا مرتبة، فأزال هذا الوهم بقوله: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ سورة : الحديد (10).   ،  ثم لما كان ربما يتوهم أن هذا الأجر يُستحق بمجرد هذا العمل المذكور، ولو خلا من الإخلاص، أزال هذا الوهم بقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾   سورة : الحديد (10).  ).

 

    

 

سبحان الله! القرآن عجيب، يعني الإنسان وهو يقرأ الآيات قد لا يتبادر لذهنه هـٰذه المعاني؛ ولكن إذا أمعن النظر وتدبر وقلب الفكر في آيات هـٰذا الكتاب الحكيم انفتحت له الكنوز، وتبين له من المعاني ما ليس له على بال.

وكما قال شيخ الإسلام رحمه الله: الفاتحة مع كثرة تكرارها وترددها على ألسن القراء إلا أنه قد يبدو للإنسان المكثر للقراءة لها من المعاني ما لم يكن له على بال من قبل، وهـٰذا من صور إعجاز القرآن أنّ المعاني فيه تتجدد، فيعني سبحان الله نسأل الله أن يمن علينا بالتدبر.

الشيخ كتب هـٰذا في خلال شهر وستة أيام، وهـٰذه المعاني لو أن الإنسان فتش عنها في كتب أهل العلم ما وجدها، إنما هداه الله إليها بتدبره رحمه الله وغفر له، وهو من أئمة التدبر في الحقيقة، الذي يقرأ تفسير الشيخ ويسمع ما كان يقرره شيخنا رحمه الله- وقد استفاد من شيخه في هـٰذا- يعلم أنه قد فتح له في هـٰذا الباب ما لم يفتح لغيره من المتأخرين، نسأل الله من فضله.

 

    

 

(ومنها: قوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ﴾ سورة : النمل (48).     ربما وقع في الذهن أنهم يفسدون وقد يصلحون، فأزال هذا الوهم بقوله: ﴿وَلا يُصْلِحُونَ﴾ سورة : النمل (48).   . أي:لا خير فيهم أصلاً مع شرهم العظيم ) .

فائدة هـٰذا أيضاً، فائدة قوله تعالىٰ: ﴿وَلا يُصْلِحُونَ﴾ تأكيد بالنفي، وهـٰذه فائدة لغوية: إن من أهل النحو من يقول: التأكيد لا يكون إلا بالإثبات، تأكيد المعاني لا يكون إلا بإثباتها، والصحيح أن التأكيد -تأكيد الكلام- يكون بالنفي ويكون بالإثبات، ومثال التوكيد بالنفي هـٰذه الآية؛ فإن الله عز وجل قال: ﴿يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ﴾ ثم أكد إفسادهم -إضافة إلىٰ ما ذكره الشيخ من معنى- قال: ﴿وَلا يُصْلِحُونَ﴾. ومنه أيضاً قول الله تعالىٰ وسيأتينا في سورة الأنعام: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56)  سورة : الأنعام (56). .

 

    

 

(ومنها:أنه قال في عدة مواضع: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ فربما توهم أحد أنهم وإن لم يسمعوا فإنهم يفهمون الإشارة. فأزال هذا الاحتمال بقوله: ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ سورة : النمل (80). ، فهذه حالة لا تقبل سماعاً ولا رؤية لتحصل الإشارة، وهذا نهاية الإعراض.

ومنها قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ربما توهم أحد أن هدايته تقع جزافاً من غير سبب. فأزال هذا بقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ سورة : القصص (56).    أي: بمن يصلح للهداية؛ لزكائه وخيره ممن ليس كذلك، فأبان أن هدايته تابعة لحكمته التي هي وضع الأشياء مواضعها. ومن كان حسن الفهم رأى من هذا النوع شيئاً كثيراً) .

هـٰذه القاعدة كما تقدّم قاعدة نافعة واضحة ولله الحمد، وما ذكره الشيخ رحمه الله من الأمثلة بيّن في الاستدلال لهذه القاعدة، وهي: أن المحترزات في القرآن الكريم تقع في كل موقع في أشد الحاجة إليها، يعني تقع موقعاً مناسباً تكون الحاجة فيه إلىٰ الاحتراز وتوقي الأفهام الخاطئة مهمة. وفي المثال الأخير قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ فيه دليل لما يقرره أهل السنة والجماعة من أن المشيئة مشيئة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مقترنة بحكمته، فما شاءه لا يشاؤه جل وعلا إلا لحكمة، وهـٰذه مسألة مهمة في غاية الأهمية، وهي: أن يعتقد العبد أنه ما من شيء من أفعال الرب جل وعلا إلا وله حكمة، وهو مقرون بالحكمة، فإعطاء الهداية لهذا ومنعها عن ذاك إنما هو بحكمته وعلمه جل وعلا، وليست حظوظاً عمياء؛ بل هي أمور موافقة لحكمة الله جل وعلا الحكيم الخبير، ولذلك قال: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾  أي الذين يستحقون الهداية، والذين يصلحون لها، كما قال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سورة : الأنعام (124).  . وهـٰذا في الرسل ابتداء وفي أتباعهم أيضاً، فإن الله أعلم بمن هو أهل لحمل هـٰذه الرسالة من الرسل في الأصل، وممن يمن عليهم بالاتباع لهم، فينبغي للمؤمن أن يسأل الله من فضله، وأن يحرص على إيجاد وقيام الأسباب التي تؤهله لهذه المنن والهبات من رب العالمين.

˜˜¹™™

 

 

 

    

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

(القاعدة الثامنة والعشرون

في ذكر الأوصاف الجامعة التي وصف الله بها المؤمن)

شرح القاعدة:

(لما كان الإيمان أصل كل الخير كله والفلاح، وبفقده يُفقد كل خير ديني ودنيوي وأُخروي، أكثر الله من ذكره في القرآن جداًّ: أمراً به، ونهياً عن ضده، وترغيباً فيه، وبياناً لأوصاف أهله، وما لهم من الجزاء الدنيوي والأخروي.

فأما إذا كان المقام مقامَ خطاب للمؤمنين بالأمر والنهي، أو مقامَ إثبات الأحكام الدنيوية بوصف الإيمان، فإنّها تتناول كل مؤمن، سواءً كان متمماً لواجبات الإيمان وأحكامه، أو ناقصاً في شيءٍ منها) .

وهـٰذا هو العام في جميع الأوامر التي صُدِّر الأمر فيها بوصف الإيمان، فإنها عامة لكل من اتصف بهذا الوصف، فقول الله تعالىٰ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) سورة : التوبة (119).   . هـٰذا أمر لكل من اتصف بالإيمان، ولا يلزم أن يكون قد كمّل أوصاف الإيمان وبلغ منها الغاية حتى يدخل في هـٰذا الخطاب، بل كل من اتصف بالإيمان ولو بشيء قليل منه فهو مأمور بهذا الأمر.

 

    

 

فالخطاب بوصف الإيمان أو بالإيمان نوعان:

خطاب يدخل فيه كل أحد من أهل الإسلام، وهو ما كان أمراً أو نهياً، طلباً أو منعاً، فإن الخطاب فيه لكل مسلم، لكل مؤمن، ولو لم يكمل أوصاف الإيمان، وهـٰذا -كما ذكرنا لكم- كل الأوامر المصدرة بوصف الإيمان مثال لهذا النوع، واضح.

القسم الثاني من الخطاب بالإيمان:

(وأما إذا كان المقام مقام مدح وثناء وبيان الجزاء الكامل للمؤمن: فإنما المراد بذلك المؤمن حقاًّ الجامع لمعاني الإيمان.

وهذا هو المراد بيانه هنا) .

المدح والثناء والوعد بالجزاء على وصف الإيمان هو لمن كان قد حقق الإيمان، فأتى من الإيمان بالوصف الواجب، أما من قصر بارتكاب محرّم أو بترك واجب فإنه لا يدخل في هـٰذه المواضع التي فيها الثناء والمدح لأهل الإيمان.

ويذكر الشيخ رحمه الله لذلك نماذج وأمثلة.

إذاً  يتلخص لنا الآن أن الخطاب بالإيمان على نوعين:

يُذكر الإيمان ويراد به مطلق الإيمان؛ يعني أدنى ما يكون من وصف الإيمان، وهـٰذا في أي نوع من أنواع الخطاب؟ خطاب الأمر والنهي والحث والمنع.

النوع الثاني من الخطاب: خطاب الثناء والمدح، وهـٰذا يُراد به الإيمان المطلق، يعني الإيمان الكامل المكمل لواجباته.

فعندنا أمران:

·       عندنا إيمان مطلق.

·       وعندنا مطلق إيمان.

مطلق الإيمان يعني أدنى ما يكون من وصف الإيمان، والإيمان المطلق يعني الإيمان التام الكامل.

 

    

 

(فنقول:

وصف الله المؤمن في كتابه باعترافه وتصديقه بجميع عقائد الدين، وبإرادة ما يحبه الله ويرضاه، وبالعمل بما يحبه الله ويرضاه، وبترك جميع المعاصي، وبالمبادرة بالتوبة مما صدر منه منها، وبأنّ إيمانهم أثر في أخلاقهم وأقوالهم وأفعالهم الآثار الطيبة.

فوصف المؤمنين بالإيمان بالأصول الجامعة: وهو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وأنهم يُؤمنون بكل ما أتت به الرسل كلهم، ويُؤمنون بالغيب، ووصفهم بالسّمع والطاعة، والانقياد ظاهراً وباطناً، ووصفهم بأنهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ سورة : الأنفال (2-4).   .

ووصفهم بأن جلودهم تقشعر، وعيونهم تفيض من الدّمع، وقلوبهم تلين وتطمئن لآيات الله وذكره، وبأنهم يخشون ربهم بالغيب والشهادة، وأنهم يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون.

ووصفهم بالخشوع في أحوالهم عموماً وفي الصلاة خصوصاً، وأنهم عن اللغو معرضون، وللزّكاة فاعلون، ولفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم، وأنهم بشهاداتهم قائمون، ولأماناتهم وعهدهم راعون.

ووصفهم باليقين الكامل الذي لا ريب فيه، وبالجهاد بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله.

ووصفهم بالإخلاص لربهم في كل ما يأتون ويذرون.

ووصفهم بمحبة المؤمنين، والدعاء لإخوانهم من المؤمنين السابقين واللاحقين، وأنهم مجتهدون في إزالة الغِلّ من قلوبهم على المؤمنين، وبأنهم يتولون الله ورسوله وعباده المؤمنين، ويتبرؤون من موالاة جميع أعداء الدين، وبأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويطيعون الله ورسوله في كل أحوالهم.

فجمع الله لهم بين العقائد الحقّة واليقين الكامل، والإنابة التامة التي آثارها الانقياد لفعل المأمورات وترك المنهيات، والوقوف على الحدود الشرعيات.

فهذه الأوصاف الجليلة هي وصف المؤمن المطلق الذي سلم من العقاب، واستحق الثواب، ونال كل خير رُتِّب على الإيمان.

فإن الله رتّب على الإيمان في كتابه من الفوائد والثمرات ما لا يقل عن مائة فائدة، كل واحدة منها خير من الدنيا وما فيها) .

قبل أن يشرع فيما رتّب الله عز وجل على الإيمان من الفوائد، الواجب على المؤمن في هـٰذا الحصر الذي ذكره المؤلف رحمه الله أن يتفقد المؤمن هـٰذه الأوصاف التي ذكرها الله جل وعلا في كتابه في نفسه، وأن ينظر إليها، هل هو متصف بها؟ هل هو مكمل لها؟ هل هناك نقص فيه في بعضها، فيكمله بالتوبة والاستغفار والاستعتاب وتلافي ما مضى وكان، هـٰذا هو الواجب على المؤمن؛ لأنه ما رُتِّب على فوائد الإيمان إنما يكون بتكميل ما مضى من العقائد الحقة، ومن اليقين الكامل، ومن الإنابة التامة التي تقتضي فعل المأمور وترك المنهي، العقائد الحقة في الله جل وعلا، وفيما يجب اعتقاده، اليقين التام الكامل وهو التصديق بذلك تصديقاً يسكن إليه القلب ويطمئن.

الإنابة التامة هي ثمرة العقائد الحقة واليقين التام؛ لأن من صح عقده واستقام قلبه استقامت جوارحه: ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب))  البخاري: كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، حديث رقم (52).مسلم: كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، حديث رقم (1599).   . ولذلك يجب على المسلم أن يتفقد نفسه عند هـٰذه الأوصاف.

ولذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه: إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فأرعها سمعك،

فهو خير تؤمر به، أو شر تنهى عنه.

 وأما أن يستعرض الإنسان هـٰذه الأوصاف الجميلة التي بها سعادة الدنيا والآخرة، ثم لا يتفقد نفسه عندها، فهـٰذا من الخسران، ومن النقص الذي يجب على المؤمن أن يتلافاه وأن يحذر منه.

 

    

 

والذي يشحذ همته إلىٰ النظر في هـٰذه الصفات ما يذكره الشيخ رحمه الله مما رتبه الله عز وجل على تلك الصفات الجميلة والأفعال الكريمة التي تقدم ذكرها؛ فقال:

(فإن الله رتّب على الإيمان في كتابه من الفوائد والثمرات ما لا يقل عن مائة فائدة، كل واحدة منها خير من الدنيا وما فيها.

رتب على الإيمان: نيل رضاه الذي هو أكبر من كل شيء، ورتب عليه دخول الجنة والنجاة من النار، والسلامة من عذاب القبر ومن صعوبات القيامة وتعثر أحوالها، والبشرى الكاملة في الحياة الدنيا وفي الآخرة، والثبات في الدنيا على الإيمان والطاعات وعند الموت وفي القبر على الإيمان والتوحيد والجواب النافع السديد، ورتب عليه الحياة الطيبة في الدنيا والرزق الحسن، وتيسير العبدَ لليسرى وتجنيبه للعسرى، وطمأنينة القلوب وراحة النفوس والقناعة التامة، وصلاح الأحوال، وصلاح الذرية، وجعلهم قرة عين للمؤمن، والصبر عند المحن والمصائب.

وحمْل الله عنهم الأثقالَ، ومدافعة الله عنهم جميع الشرور، والنصر على الأعداء، ورفع المؤاخذة عن الناسي والجاهل والمخطئ منهم، وأن الله لم يضع عليهم الآصار بل أزالها، ولم يحملهم ما لا طاقة لهم به، ومغفرة الذنوب بإيمانهم والتوفيق للتوبة.

فالإيمان أكبر وسيلة للقرب من الله والقرب من رحمته، ونيل ثوابه، وأكبر وسيلة لمغفرة الذّنوب، وإزالة الشدائد أو تخفيفها.

وثمرات الإيمان على وجه التفصيل كثيرة، وبالجملة خيرات الدّنيا والآخرة مترتِّبة على الإيمان، كما أن الشرور مترتبة على فقده، والله أعلم).

قوله رحمه الله: (وأكبر وسيلة لمغفرة الذّنوب، وإزالة الشدائد أو تخفيفها). وهـٰذا لا إشكال فيه، ابن القيم رحمه الله يقول: إذا سُلِّطَ عليك فأكثر من الاستغفار، فإن ما سلط عليك بذنبك.

والناس إذا سُلط عليهم إنما يشتغلون بمن سلطه الله عليهم من كلام أو وقيعة أو قدح أو ذم، ويغفلون عن أن هـٰذا التسليط عليهم إنما هو بسبب ذنوبهم وما عندهم من قصور، كما قال الله عز وجل: ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ سورة : النساء (79). . وهـٰذا يشمل كل إصابة، فالواجب على المؤمن إذا أصيب ونزلت به الكرب والشدائد أن يكثر من الاستغفار والتوبة، فإن ذلك من أسباب رفعها.

والمهم أن هـٰذه الثمار الجليلة والفوائد العظيمة للإيمان لا تُحصَّل إلا بهذا الوصف, فكلما تحقق الإنسان بوصف الإيمان ازدادت فيه هـٰذه الأوصاف؛ لأنه من القواعد التي تقدمت معنا: أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، قوةً وضعفاً، فبقدر ما معك من الإيمان بقدر ما تقوى هـٰذه الثمار، نسأل الله من فضله.

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق