القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن

من وحتى

عداد المشاهدات : 85

التاريخ : 2026-06-06 07:01:31

  

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

(القاعدة التاسعة والعشرون

في الفوائد التي يجتنيها العبد في معرفته وفهمه لأجناس علوم القرآن)

شرح القاعدة:

(وهذه القاعدة تكاد أن تكون هي المقصود الأعظم في علم التفسير؛ وذلك أن القرآن مشتمل على علوم متنوعة، وأصناف جليلة من العلوم. فعلى العبد أن يعرف المقصود من كل نوع منها، ويعمل على هـٰذا، ويتّبع الآيات الواردةَ فيه، فيحصِّل المراد منها: علماً وتصديقاً وحالاً وعملاً).

هـٰذه القاعدة في الحقيقة مهمة لطالب العلم، وهي أن يعتني بكتاب الله عز وجل في أخذ العلم منه؛ لأن كثيراً من الناس لا سيما في العصور المتأخرة يغفلون عن استقاء العلوم من كتاب الله عز وجل، فيجعلون القرآن العظيم لمجرد التلاوة والتقرب لله عز وجل بقراءته وحفظه؛ لكنهم يغفلون عن أخذ العلم عنه والاستفادة منه فيما يحتاجونه من العقائد والأحكام، وهـٰذا يحرِم الإنسان خيراً كثيراً، والسلف إنما صلحت أحوالهم واستقامت عقائدهم لما كان مرجعهم في عقائدهم كتاب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وما صحّ من سنة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ، فالواجب على المؤمن أن يهتم بكتاب الله.

    

 

سألني بعض طلبة العلم مرة فقال: لماذا نحفظ القرآن؟ العلوم ميسرة الآن: الفقه فيه متون متخصصة، والحديث فيه متون متخصصة، وسائر العلوم لها متون متخصصة، فلماذا يحفظ القرآن لغير التعبد؟ الله عز وجل يقول: ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ سورة : العنكبوت (49).   . فهو آيات وعلامات وحجج وبراهين؛ لكنها ليست لكل أحد، في صدور الذين أوتوا العلم، نسأل الله أن نكون منهم، فالواجب على المؤمن أن يعتني بالقرآن وأن يعلم أن القرآن قراءته وحفظه ليس لمجرد التعبد بذلك؛ بل لما ذكر الله في كتابه: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلْبَابِ (29)  سورة : ص (29).    ،  هـٰذه مسألة مهمة.

 

    

 

ثم اعلم أن القرآن احتوى من كل علم أصوله، وهـٰذه مسألة يغفل عنها كثير من الناس، القرآن لم يأتِ في العلوم على وجه التفصيل؛ بل لم يأت في العبادات على وجه التفصيل، فالصلاة لم تفصل تفصيلاً مطولاً في الكتاب، إنما جاء بيانها تفصيلاً في السنة، وإنما احتوى القرآن أصول التشريع في كثير من الأحكام، كما أنه احتوى على أصول العلم، ففي الفقه أصول أصوله في القرآن، العقائد أصولها في القرآن وإن كان كثير من التفصيل جاء في القرآن في علم العقائد، وهلم جرّاً، وأبواب الفقه المعاملات والعبادات والقضاء وما إلىٰ ذلك تجد أن كل باب من أبواب العلم ذُكر في القرآن إنما يذكر أصول هـٰذا العلم.

فينبغي للمؤمن - وطالب العلم خصوصاً- أن يحرص على ضبط هـٰذه الأصول التي تضمنها هـٰذا الكتاب، والشيخ رحمه الله الآن يشير إلىٰ بعض ما تضمنه القرآن من العلوم والأصول التي أشار إليها.

 

    

 

 (فأجلُّ علوم القرآن على الإطلاق: علم التوحيد، وما لله من صفات الكمال، فإذا مرت عليه الآيات في توحيد الله وأسمائه وصفاته أقبل عليها، فإذا فهمها وفهم المراد بها أثبتها لله على وجه لا يماثله فيه أحد، وعَرَفَ أنه كما ليس لله مثيل في ذاته فليس له مثيل في صفاته، وامتلأ قلبه من معرفة ربه وحبّه بحسب علمه بكمال الله وعظمته، فإن القلوبَ مجبولةٌ على محبة الكمال، فكيف بمن له كل الكمال، ومنه جميع النعم الجِزَال؟ ويعرف أن أصل الأصول هو الإيمان بالله، وأن هذا الأصل يقوى ويكمُل بحسب معرفة العبد لربه، وفهمه لمعاني صفاته ونعوته وامتلاء القلب بمعرفتها ومحبتها.

وأيضاً يعرف أنّه بتكميله هذا العلم تكمل علومه وأعماله، فإن هذا هو أصل العلم وأصل التعبد) .

التوحيد أشرف العلوم ولا إشكال، والقرآن دائر على تقرير التوحيد بأنواعه، وأجلّ ما ذكره الله في كتابه ما ذكره من الخبر عنه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فيما يجب له وفيما يتعلق به: فيما يجب له من العبادة، وفيما يتعلق به سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى من التعريف بما له من الكمال في الأوصاف والجميل في الأفعال والحسن من الأسماء، فالله عز وجل له الأسماء الحسنى، وله الصفات العلا، وله الأفعال الجميلة جل وعلا.

وبقدر معرفة العبد بهذه الأمور الثلاثة المتعلقة بالرب بقدر ما يحصل معه من تكميل توحيد الإلهية الذي هو ما يجب للرب سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فإن العبد إذا ملأ قلبه بإجلال الله وتعظيمه ومحبته حقق له توحيد العبادة؛ لأن توحيد العبادة هو غاية وكمال المحبة لله وغاية وكمال الذل والتعظيم له سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ولذلك ينبغي للمؤمن أن يعتني بهذا العلم، وأن يكون مصدره في تلقيه الكتاب الحكيم وما صح من سنة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وفي مسألة الصفات ينبغي لنا أن لا نقتصر فقط على معرفة المذاهب والأقوال؛ بل ينبغي أن ننتقل من ذلك بعد تقريره إلىٰ معرفة المعاني التي تستقر في القلوب -المعاني القلبية-؛ لأن نقاش أهل السنة والجماعة مع المعارضين المخالفين من المتكلمين إنما هو نقاش وسيلة لتحقيق غاية، وهي تحقيق التوحيد لله عز وجل في أسمائه وصفاته الذي يثمر تحقيق العبودية له سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فإن توحيد الأسماء والصفات يستلزم توحيد الإلهية، من حقق الإيمان بالله عز وجل في أسمائه وصفاته تحقق له توحيد الإلهية، وبقدر ما يكون معه من القصور في هـٰذا النوع من التوحيد الذي هو توحيد الأسماء والصفات يتبعه قصور في توحيد العبادة.

ولذلك ينبغي لنا أن لا نقتصر فقط في مباحث الأسماء والصفات أن نقول: هـٰذه عقيدة أهل السنة والجماعة، وهـٰذا قول الجهمية، وهـٰذا قول المعتزلة، وهـٰذا قول الأشاعرة، ونقتصر انشغالاً في هـٰذا الباب بهـٰذه الأمور؛ بل بما هو زائد على ذلك من معرفة معانيه والتعبد لله عز وجل.

ومن أحسن من تكلم في هـٰذا الجانب وأبدع الإمام ابن القيم رحمه الله في مؤلفاته، والشيخ عبد الرحمـٰن بن سعدي رحمه الله له مؤلفات عديدة، ويشير إليه كثيراً في تفسيره، فالاستفادة من هـٰذه الكتابات مهمة، لا سيما الشيخ عبد الرحمـٰن؛ لأنها أسهل عبارة وأوضح، ورحم الله الجميع.

 

    

 

 (ومن علوم القرآن: صفات الرسل وأحوالهم، وما جرى لهم وعليهم، مع من وافقهم ومن خالفهم، وما هم عليه من الأوصاف الراقية. فإذا مرت عليه هذه الآيات عرف بها أوصافهم وازدادت معرفته بهم ومحبتهم، وعرف ما هم عليه من الأخلاق والأعمال، خصوصاً إمامهم وسيدهم محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيقتدي بأخلاقهم وأعمالهم بحسب ما يقدر عليه، ويفهم أن الإيمان بهم تمامه وكماله: معرفته التامة بأحوالهم، ومحبتهم، واتّباعهم. وفي القرآن من نعوتهم الشيء الكثير الذي يحصل به تمام الكفاية.

ويستفيد أيضاً الاقتداء بتعليماتهم العالية، وإرشاداتهم للخلق، وحسن خطابهم، ولطف جوابهم، وتمام صبرهم. فليس القصد من قصصهم أن تكون سمراً!! وإنما القصد أن تكون عبراً) .

رحمه الله، كثير ممن يهتم بقصص الأنبياء تجده يذهب إلىٰ كتب المؤرخين الذين يستقون الأخبار عن بني إسرائيل، ويترك ما في الكتاب الحكيم من القصص النافع؛ لأن ما ذكره الله عز وجل هو محل العبرة، وهو المقصود من سير هٰؤلاء وأخبارهم.

وأما ما في هـٰذه الكتب فهو حشو لا فائدة منه، وكثير منه لا يصح ولا يثبت؛ ولذلك ينبغي في الخبر عن الأمم المتقدمة قبل أمة الإسلام أن يُقتصر على ما في الكتاب الحكيم وما صح في سنة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وما عدا ذلك فهو متلقى عن بني إسرائيل لا يُعلم صدقه من كذبه، أما الاستفادة منه فالاستفادة في ما وافق الشرع، فيما جاء الخبر عنه في كتاب الله عز وجل، وهـٰذا الخبر العظيم في كتاب الله عز وجل مقصوده العبرة: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوِْي الأَلْبَابِ سورة : يوسف (111).    . فالواجب على المؤمن أن يستفيد الاعتبار من سير هٰؤلاء، والمؤلف رحمه الله بعد أن ذكر العلم الأول علم التوحيد وهو أصل العلوم انتقل إلىٰ العلم الثاني وهو الذي يحصل به علم التوحيد، وهو علم الرسل؛ لأنهم طريق معرفة الله عز وجل.

 

 

    

 

ثم قال: (ومن علوم القرآن: علم أهل السعادة والخير وأهل الشقاوة والشر. وفي معرفته لهم ولأوصافهم ونعوتهم فوائد الترغيب في الاقتداء بالأخيار، والترهيب من أحوال الأشرار، والفرقان بين هٰؤلاء وهؤلاء، وبيان الصفات والطرق التي وصل بها هؤلاء إلى دار النعيم، و  في نسخة: وصل بها.  أولئك إلى دار الجحيم، ومحبة هؤلاء الأتقياء من الإيمان، كما أن بغض أولئك من الإيمان. وكلما كان العبد أعرف بأحوالهم تمكن من هذه المقاصد) .

والله عز وجل لم يذكر هذين الصنفين: صنف أهل الخير وصنف أهل الشر، بأعيانهم في الغالب، إنما ذكرهم بأوصافهم، وذلك لأن المقصود الأوصاف لا الأعيان، الأعيان يذهبون ويتغيرون ويختلفون إنما العبرة في الأوصاف، ولذلك غالب ما في القرآن من ذكر الخير والشر بالصفة لا بالعين، إلا في نزر قليل ذُكر أئمة الشر وذكر أئمة الخير.

 

    

 

(ومن علوم القرآن: علم الجزاء في الدنيا والبرزخ والآخرة على أعمال الخير وأعمال الشر.

وفي ذلك مقاصد جليلة: الإيمان بكمال عدل الله وسعة فضله، والإيمان باليوم الآخر، فإن تمامَ الإيمان بذلك يتوقف على معرفة ما يكون فيه، والترغيب والترهيب بالرغبة في الأعمال التي رتب الله عليها الجزاء الجزيل، والرهبةُ من ضدها).

 

    

 

 (ومن علوم القرآن: الأمر والنهي.

وفي ذلك مقاصد جليلة: معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله؛ فإن المكلفين مكلفون بمعرفة ما أمروا به وما نهوا عنه، وبالعمل بذلك، والعلم سابق للعمل، وطريق ذلك: إذا مرّ عليه نص فيه أمر بشيء عرفه وفَهِم ما يدخل فيه وما لا يدخل فيه، وحاسب نفسه: هل هو قائم بذلك كله أو بعضه أو تاركه؟ فإن كان قائماً به فليحمد الله، ويسأله الثبات والزيادة من الخير. وإن كان مقصراً فيه فليعلم أنه مطالب به وملزم به. فليستعن بالله على فعله، وليجاهد نفسه على ذلك.

وكذلك في النهي: ليعرف ما يراد منه، وما يدخل في ذلك الذي نهى الله عنه، ثم لينظر إلى نفسه، فإن كان قد ترك ذلك فليحمد الله على ذلك، ويسأله أن يثبته على ترك المناهي كما يسأله الثبات على فعل الطاعات؛ وليجعل الدّاعي له على الترك امتثال طاعة الله، ليكونَ تركه عبادةً، كما كان فعله للطاعة عبادة، وإن كان غير تارك له فليتبْ إلى الله منه توبة نصوحاً جازمة وليبادر، ولا تمنعه الشهوات الدنية عن مجانبة ما تدعوه إليه النفس الأمارة بالسوء.

فمن كان عند هـٰذه المطالب وغيرها عاملاً على هذه الطريقة فإنه ماش على الصراط المستقيم والطريقة المثلى فيما عليه من الاسترشاد بكتاب الله، وحصل له بذلك علم غزير وخير كثير) .

قوله رحمه الله: (وليجعل الداعي له على الترك امتثال طاعة الله، ليكونَ تركه عبادةً) هـٰذا تعليل، أي إنه إذا ترك المنهي لا يتركه زهداً فيه، أو لأن نفسه لا تدعوه إليه، أو حياء من الناس أن ينظروا إليه؛ بل يكون تركه للنهي قربة لله عز وجل، وأنه إنما تركه لأجل الله  جل وعلا، وبهذا يؤجر في تكره للمنهي.

ولذلك اختلف العلماء رحمهم الله فيمن لم يرد على ذهنه الميل إلى معصية؛ يعني شخص تأنف نفسه عن أكل الربا مثلاً ولا يرد على باله أن يفعله؛ هل يؤجر أو لا يؤجر؟

اختلف العلماء في ذلك، والقاعدة أنه لا أجر إلا بنية، أما مجرد الترك لأجل عدم الورود على الذهن وأنه لا يرد على ذهنه فعل هـٰذا المنكر فإنه لا يؤجر عليه؛ لأن الأجر إنما يكون على عمل،  والعمل إما إيجاد أو امتناع.

 

 

    

 

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

(القاعدة الثلاثون

أركان الإيمان بالأسماء الحسنى ثلاثة:

إيماننا بالاسم، وبما دلّ عليه من المعنى، وبما تعلّق به من الآثار

وهذه القاعدة العظيمة: خاصة بأسماء الرّبّ.

وفي القرآن من الأسماء الحسنى ما ينيف عن ثمانين اسماً كُررت في آيات متعددة، بحسَب ما يناسب المقام، كما تقدم بعض الإشارة إلى المناسبة بها.

وهذه القاعدة تنفعك في كل اسم من أسمائه الحسنى المتعلقة بالخلق).

 

    

 

يعني الأسماء متعدية، قوله: (المتعلقة بالخلق) يعني التي لها أثر على الخلق، فهي أسماء متعدية؛ لأن أسماء الله عز وجل تنقسم إلىٰ قسمين:

·       قسم لازم.

·       وقسم متعدٍّ.

القسم اللازم: الذي ليس له أثر وتعلق بالخلق. هذا اللازم.

وأما المتعدي: فهو غالب أسماء الله عز وجل، وهو الذي له تعلق بالخلق.

فالرّزاق من الأسماء المتعدية، الإحياء، الإماتة، الصمدية، القيوم، كل هـٰذه من الأسماء المتعدية التي يجري فيها ما ذكره المؤلف من: إثبات الاسم وما دل عليه ومن التعبد بالأثر.

ومن الأسماء ما هو خاص لازم لا يتعلق بغيره سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ مثل الحياة، فالحياة صفة لازمة لا تعلق لها بالخلق، ولذلك لم يذكر لها أهل العلم أثراً، ومثل العظيم والحميد والمجيد، ومثلاً في الأفعال الاستواء لازمة لا تعلق لها بالخلق.

 

    

 

(وهذه القاعدة تنفعك في كل اسم من أسمائه الحسنى المتعلقة بالخلق والأمر، والثواب والعقاب.

فعليك أن تؤمن بأنه عليم، وذو علم عظيم، محيط بكل شيء، قدير، وذو قدرة وقوة عظيمة، ويقدر على كل شيء، ورحيم، وذو رحمة عظيمة ورحمته وسعت كل شيء، والثلاثة متلازمة.

فالاسم دلّ على الوصف، وذلك دل على المتعلق. فمن نفى واحداً من هذه الأمور الثلاثة فإنه لم يتم إيمانه بأسماء الرّبّ وصفاته، الذي هو أصل التوحيد.

ولنكتف بهذا الأنموذج ليُعرف أن الأسماء كلها على هذا النمط) .

هـٰذا كلام واضح، والحميد والمجيد لا تفسّر بمعنى واحد على الصحيح، إنما هي من الأسماء التي تفسر بمجمل ما اتصف الله به، فعظمة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ليست من وصف واحد، كونه حميداً ليس من وصف واحد، كونه مجيداً ليس من وصف واحد، كونه صمداً ليس من وصف واحد، إنما استفيد هـٰذا الوصف من مجمل ما اتصف به الرب سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. ومن الأوصاف ما يكون مأخوذاً من معنى واحد، مثل الرحمـٰن من الرحمة، مثل الحي من الحياة، وهـٰذه مهمة في معاني الأسماء: أن من الأسماء ما لا يفسر بمعنى واحد، إنما يفسر بمجموع أوصاف اتصف الله بها.

˜˜¹™™

 

 

 

    

 

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

(القاعدة الحادية والثلاثون

ربوبية الله في القرآن على نوعين: عامة وخاصة).

شرح القاعدة:

(كثر في القرآن ذكر ربوبية الرب لعباده ومتعلقاتها ولوازمها. وهي على نوعين:

ربوبية عامة: تدخل فيها جميع المخلوقات: برها وفاجرها، بل مكلفوها وغير المكلفين، حتى الجمادات. وهي أنه تعالى المنفرد بخلقها ورزقها وتدبيرها، وإعطائها ما تحتاجه أو تضطر إليه في بقائها، وحُصول منافعها ومقاصدها، فهذه التّربية لا يخرج عنها أحد.

والنوع الثاني: في تربيته لأصفيائه وأوليائه، فيربيهم بالإيمان الكامل، ويوفّقهم لتكميله، ويُكملهم بالأخلاق الجميلة، ويدفع عنهم الأخلاقَ الرذيلة، وييسرهم لليُسرى ويجنبهم العسرى.

وحقيقتها: التّوفيق لكل خير، والحفظ من كل شر، وإنالة المحبوبات العاجلة والآجلة، وصرف المكروهات العاجلة والآجلة.

فحيث أُطلقت ربوبيته تعالىٰ فإن المراد بها المعنى الأول، مثل قوله تعالىٰ: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ سورة : الفاتحة (2). ، ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ سورة : الأنعام (164).   ونحو ذلك.

وحيث قُيِّدت بما يحبه ويرضاه، أو وقع السؤال بها من الأنبياء وأتباعهم، فإن المراد بها النوع الثاني. وهو متضمن للمعنى الأول وزيادة؛ ولهذا تجد أسئلة الأنبياء وأتباعهم في القرآن بلفظ الربوبية غالباً، فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة؛ ليلحظ العبد هـٰذا المعنى النافع في نسخة: فملاحظة هذا المعنى نافعة أعظم النفع للعبد.  ).

    

 

 هـٰذه القاعدة قاعدة مفيدة، وهي ليست من قواعد التفسير في الحقيقة، إنما هي من الفوائد المستنبطة، وإلا فإنها لا تختص بالتفسير؛ لكون الربوبية الخاصة والرّبوبية العامة ورد ذكرها في الكتاب وفي السنة، فليست مما يختص ويتعلق بالتفسير.

 

    

 

يقول رحمه الله: (ربوبية الله في القرآن على نوعين). والربوبية مشتقة من الرب، والرب تقدّم لنا بيان معناه: وأنه اسم لله عز وجل مما اختص به إذا أطلق ولم يضاف. ومعناه أنه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الذي يتولى شؤون عباده رزقاً وخلقاً وإمداداً وإعداداً، فهو سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى المنعم المدبر لخلقه، وهـٰذا هو المعنى العام الملاحظ للربوبية في كلام الله عز وجل نجد ذكرها على نوعين:

·       ربوبية مطلقة.

·       وربوبية مقيدة.

الربوبية المطلقة أي الربوبية العامة التي تكون لكل شيء، مثل قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ سورة : الفاتحة (2) ، يونس (10) ، الزمر (75) ، غافر (65) .    فقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ هـٰذا من الربوبية العامة التي تعم كل شيء، فالعالمين جمع عالم، وهو كل ما سوى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ومنه قوله: ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ سورة : الأنعام (164).   .

    

 

لكن مما ينبه على هـٰذه الربوبية أنها لا تضاف للمستقذرات والمحقرات من المخلوقات على وجه التفصيل، فلا يقال: رب الكلاب. ولا يقال: رب الشر؛ لأن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لم يضف ذلك لنفسه، وإنما يكتفى في هذا بالربوبية العامة؛ لأن التخصيص إنما يكون على وجه الثناء والمدح، وهـٰذا مما يستكره، وكذلك في الخلق: خالق كل شيء. يكفي من أن تخص هـٰذه المحقرات بإضافة وصف الرب الجليل العظيم سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إليها، فهـٰذا ينبه إليه في الربوبية العامة.

 

    

 

الثانية ربوبية خاصة: وهي المضافة إلىٰ بعض خلقه، وذلك كثير في كتاب الله عز وجل، يضيف لله عز وجل ربوبيته لبعض مخلوقاته.

من ذلك قوله تعالىٰ: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ سورة : الأعراف (122)، الشعراء (48).   ، فإن هـٰذه ربوبية خاصة ومقتضاها زائد على ما تفيده الربوبية العامة، فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يصطفي من عباده من يشاء ويخصهم بهذه التربية الخاصة والعناية والتدبير والتولي الخاص، ولذلك حيثما وجدت الربوبية مضافة إلىٰ شيء من خلق الله فاعلم أن ذلك لمزية في هـٰذا المضاف إليه، فهو يدل على شرفه واختصاص الله به وعنايته به، ويدل كذلك على كمال فيه انفرد به عن بقية خلق الله، ولذلك أضاف الله ربوبيته إليه، وهـٰذه مسألة مهمة؛ ليتبين بذلك شرف هـٰذا المربوب.

 

    

 

وقد جُمع هذان النوعان من الربوبية في قول السحرة: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ سورة : الأعراف (121)، الشعراء (47). هـٰذه الربوبية العامة ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ سورة : الأعراف (122)، الشعراء (48).  في سورة الأعراف، فذكر الله الربوبية لموسى وهارون خصوصاً بعد ذكر الربوبية العامة، وذلك لأي شيء؟ لبيان ما خص الله به هـٰذين من التربية والتكميل، ولذلك أشار الشيخ رحمه الله إلى ما تقتضيه الإضافة الخاصة في قوله: (والنوع الثاني).

 

    

 

أما ما يفيده النوع الأول -الربوبية في النوع الأول- فتقدم لنا الكلام في أكثر من موضع أنها تفيد أربعة أمور: الخلق، الملك، التدبير، الرزق، هـٰذا مقتضى الربوبية العامة التي لا يخرج عنها شيء من خلق الله.

 

    

 

أما الربوبية الخاصة فهـٰذه المعاني ثابتة وزيادة، زيادة اختصاص وتفضيل في كل واحد منها، ولذلك قال الشيخ رحمه الله: (والنوع الثاني: في تربيته لأصفيائه وأوليائه، فيربيهم بالإيمان الكامل، ويوفقهم لتكميله ويُكملهم بالأخلاق الجميلة، ويدفع عنهم الأخلاقَ الرذيلة) إلىٰ آخر ما ذكر، قال: (وحقيقتها: التوفيق لكل خير) هـٰذا في ربوبيته الخاصة المتعلقة بالمكلفين.

أما المتعلقة بغير المكلفين كالسماء والأرض مثلاً والعرش، فهـٰذا لعظيم ما اختص الله به هـٰذه المخلوقات: إما في الخلق أو في غيره، فقول الداعي: اللهم رب السماوات والأرض، رب العرش العظيم، هـٰذا التخصيص لهذا ليس لكونه وفقها لكل خير، فإن هـٰذه المخلوقات لم نعلم أنها مكلّفة بفعل؛ لكنها أضيف إليها الربوبية الخاصة لما امتازت به عن سائر الخلق من عظيم عناية الله بها في خلقها سبحانه وتعالىٰ، فقوله: (وحقيقتها: التّوفيق لكل خير، والحفظ من كل شر، وإنالة المحبوبات العاجلة والآجلة) هـٰذا في حق المكلفين.

 

    

 

يقول: (فحيث أُطلقت ربوبيته تعالىٰ فإن المراد بها المعنى الأول) معنى الإطلاق أنها لم تُخصَّ ببعض الخلق، وليس معنى الإطلاق عدم الإضافة، فإنها مضافة: (رب العالمين) مضافة لكنها مضافة إلى ما فيه عموم وإطلاق وهو جميع العالمين، واضح الكلام؟

 (مثل قوله تعالىٰ: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ سورة : الفاتحة (2).    ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ سورة : الأنعام (164).  ونحو ذلك.

وحيث قُيِّدت بما يحبه ويرضاه) سواء من الأشخاص أو الأوصاف أو الأعمال أو المخلوقات فذلك من الربوبية الخاصة، وهو المعنى الثاني.

مثال ربوبيته للأشخاص:كقوله: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ سورة : الأعراف (122)، الشعراء (48). .

مثال ربوبيته للمخلوقات: ﴿رَّبُّ السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ سورة : الرعد (16).  .

مثال ربوبيته للأمكنة: ﴿رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3)﴾  سورة : قريش (3).   .

 باقي شيء؟ الأوصاف: ((بّ الطيبين))كما جاء في دعاء الرّقية في سنن أبي داوود.

ربوبيته للكلمات أو الأقوال: ((رب هـٰذه الدعوة التامة))  البخاري: كتاب الأذان، باب الدعاء عند النداء، حديث رقم (614).  وهي كلمات الأذان. الربوبية هنا ربوبية خاصة، على أن بعض العلماء يقول: الربوبية هنا مثل رب العزة؛ صاحب هـٰذه الدعوة، وليست الربوبية التي هي ربوبية الخلق، على كل إذا أضيفت إلىٰ معين فهـٰذه هي الربوبية الخاصة، في الأماكن والأزمان والأشخاص والأوصاف والأحوال وجميع ما ورد به الكتاب والسنة.

قال: (أو وقع السؤال بها من الأنبياء وأتباعهم) إذا قلت في الدعاء: ربنا أو يا ربي، هـٰذا مضاف أو ليس مضافاً؟ مضاف، إضافة خاصة أو عامة؟ إضافة خاصة، ما فائدة ذلك؟ فائدة ذلك التوسل إلىٰ الله عز وجل بتربيته الخاصة لأن يجيب دعاءك ويقيل عثرتك ويحقق مأمولك ويؤمنك مما ترهب وتخاف.

 

    

 

 (طيب، ثم قال: (ولهذا تجد أسئلة الأنبياء وأتباعهم في القرآن بلفظ الربوبية غالباً، فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة؛ ليلحظ العبد هـٰذا المعنى النافع). (ليلحظ) هـٰذا تعليل أو أمر؟ هـٰذا أمر، ليس تعليلاً (فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة) ثم قال: (ليلحظ العبد) يعني في دعائه هـٰذا المعنى؛ لأنه من دواعي انكسار القلب بين يدي الله عز وجل في الدعاء أن تعلم أن كل خير بيديه، فإذا قلت: يا ربي تلاحظ أنك تسأله بتربيته الخاصة وربوبيته الخاصة، لا بربوبيته العامة (ليلحظ العبد هـٰذا المعنى النافع).

 

    

 

(ونظير هذا المعنى الجليل: أن الله أخبر في عدة آيات أن الخلق كلهم عباده وعبيده: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً سورة : مريم (93). فكلهم مماليكه، وليس لهم من الملك والأمر شيء. ويخبر في بعض الآيات أن عباده بعض خلقه كقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً سورة : الفرقان (63).  ثم ذكر صفاتهم الجليلة. وكقوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ سورة : الزمر (63).   وفي قراءة ﴿عبادَهُ﴾، وقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ سورة : الإسراء (1).    ،  وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا سورة : البقرة (23).    . فالمراد بهذا النوع من قاموا بعبودية الله، وأخلصوا له الدين على اختلاف طبقاتهم.

فالعبودية الأولى: يدخل فيها البر والفاجر.

والعبودية الثانية: صفة الأبرار.

ولكنَّ الفرق بين الربوبية والعبودية: أن الربوبية وصف الرّب وفعله، والعبودية وصف العبيد وفعلهم) .

هـٰذا واضح، وإنما ذكره المؤلف رحمه الله استطراداً، وإلا فأصل الكلام على الربوبية؛ لكن أيضاً العبودية نوعان:

·       عبودية خاصة.

·       وعبودية عامة.

العبودية الخاصة: هي التي أضافها الله عز وجل إلىٰ بعض خلقه ممن كمل وشرف: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً سورة : الإسراء (1).     عبده المراد به محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ سورة : الإسراء (65).     المقصود بالعبودية هنا عبودية الموحدين لا عبودية كل أحد.

أما قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13)  سورة : سبأ (13).     فالعبودية هنا العبودية العامة، ومثلها ما مثل به المؤلف في قوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً سورة : مريم (93).    . فهـٰذه تشمل كل أحد، والفارق ما ذكره رحمه الله من أن العبودية وصف العبد وفعله، وأن الربوبية وصف الرب وفعله سبحانه,

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق