(إذا أمر الله بشيء كان ناهياً عن ضده، وإذا نهى عن شيء كان آمراً بضده، وإذا أثنى على نفسه أو على أوليائه وأصفيائه بنفي شيء من النقائص كان ذلك إثباتاً للكمال) .
طيب يقول: (إذا أمر الله بشيء كان نهياً عن ضده).
الأمر: هو طلب الفعل على وجه الاستعلاء. هـٰذا هو الأمر.
فإذا أمر الله عز وجل عباده بالفعل فإن هـٰذا الأمر يتضمن النهي عن ضده؛ يعني عما يضاد هـٰذا الأمر.
فأمْر الله عز وجل عبده بالتقوى نهي عن كل ما يضاد التقوى، ولذلك عبّر الأصوليون فقالوا: الأمر بالشيء نهي عن أضداده. وليس ضده فقط، لكن هنا عن ضده باعتبار أنه مفرد مضاف يعم الواحد وأكثر؛ لكن هم صرّحوا حتى يفرقوا بين الأمر والنهي، فقالوا: الأمر بالشيء نهي عن أضداده.
وحتى تتضح القاعدة في أذهانكم: لو أنّ شخصاً قال لآخر: قم. فهـٰذا أمر بالقيام أليس كذلك؟ وهو نهي عن كل ما يخالف القيام، فلو أن هـٰذا الشخص اضطجع يكون فعل منهيّاً أو لا؟ أتى بالمأمور؟ لا، جلس انحنى ركع، كل هـٰذا مما لا يدخل في الأمر؛ لم يحقق فيه الأمر، الأمر هو بالقيام، فالأمر بالقيام وهو أن يقوم قائماً معتدلاً نهي عن كل ما يضاد ذلك من الصفات، وهـٰذا مثال للقاعدة: الأمر بالشيء نهي عن أضداده.
ثم قال: (وإذا نهى عن شيء كان أمراً بضده). إذا نهى عن شيء كان أمراً بضده؛ لكن هل هو أمر بجميع أضداده أو بضد واحد؟ الجواب: أنه أمر بضد واحد، هـٰذا إذا كان الشيء المنهي عنه له أضداد كثيرة، أما إذا كان له ضد واحد فقد انتهى الموضوع.
فمثلاً:
إذا قال له: لا تتحرك. هـٰذا نهي ما ضده؟ ضده صور كثيرة: المشي يمكن أن يكون ضدّاً، الحركة بكل صورها تعتبر ضدّاً؛ لكن هـٰذا النهي هل هو شامل لجميع أضداده؟ نقول: كل ما يخالف الحركة فهو منهي عنه.
نضرب مثالاً أوضح من هـٰذا:
النهي عن الزنى هل هو أمر بالنكاح؟ لا ليس أمراً بالنكاح؛ لأن العصمة عن الزنى تكون بالنكاح، تكون بالاستعفاف، تكون بالصيام، فهو أمر بضد واحد، وليس أمراً بجميع الأضداد. هـٰذا الفارق بين الأمر والنهي .
الأمر بالشيء نهي عن أضداده، والنهي عن الشيء أمر بضد واحد، بضد واحد يتحقق امتثال النهي.
ثم قال: (وإذا أثنى على نفسه أو على أوليائه وأصفيائه بنفي شيء من النقائص كان ذلك إثباتاً للكمال).
وسبب هـٰذه القاعدة أنه لا يأتي النفي المحض في مساق المدح والثناء؛ لأن النفي المحض عدم، والعدم لا مدح فيه.
ولذلك حيثما رأيت نفي الله عز وجل عن نفسه وصفاً من الأوصاف، أو نفيه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وصفاً من الأوصاف في عباده المتقين المؤمنين أو أصفيائه وأوليائه فاعلم أن هـٰذا النفي لبيان كمالهم، قد يكون هـٰذا لإثبات كمال الضد، وقد يكون هذا لنفي ما وصفه به الجاهلون، أسباب النفي كثيرة.
المهم أنه يراد به إثبات الكمال، يراد بهذا النفي إثبات الكمال.
نقرأ كلام الشيخ تتضح القاعدة أكثر.
(وذلك: لأنه لا يمكن امتثال الأمر على وجه الكمال إلا بترك ضده، فحيث أمر بالتوحيد والصلاة والزكاة والصوم والحج وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والعدلوالإحسان، كان ناهياً عن الشرك وعن ترك الصلاة وترك الزكاة وترك الصوم وترك الحج، وعن العقوق والقطيعة والظلم والإساءة. وحيث نهى عن الشرك وإضاعة الصلاة... إلى آخر المذكورات، كان آمراً بالتوحيد وفعل الصلاة إلى آخرها.
وحيث أمر بالصبر والشكر، وإقبال القلب على الله إنابة ومحبة وخوفاً ورجاءً، كان ناهياً عن الجزع والسخط وكفران النعم وإعراض القلب عن الله في تعلق هذه الأمور بغيره. وحيث نهى عن الجزع وكُفران النعم وغفلة القلب، كان آمراً بالصبر إلى آخر المذكورات.
وهذا ضربُ مثلٍ، وإلا فكل الأوامر والنواهي على هذا النمط).
هـٰذا واضح.
(وكذلك المدح لا يكون إلا بإثبات الكمالات: فحيث أثنى على نفسه، وذكر تنزهه عن النقائص والعيوب:كالنوم والسِّنة واللُّغوب والموت، وخفاء شيء في العالم من الأعيان والصفات والأعمال وغيرها، والظلمفي نسخة: والعبث واللعب وخلق شيء باطلاً وأن يكون عطاؤه أو جزاؤه جزافاً بلا حكمة. فَلتضمن ذلك الثناء عليه بكمال حياته، وكمال قيوميته، وقدرته، وسعة علمه، وكمال عدله وحكمته؛ لأنّ العدم المحض لا كمال فيه، حتى ينفى تكميلاً للكمال.
وكذلك إذا نفى الله عن كتابه الرّيب والاختلافَ والشك والإخبارَ بخلاف الواقع كان ذلك لكمال دلالته على اليقين في جميع المطالب، واشتماله على الإحكام، والانتظام التام والصدق الكامل، إلى غير ذلك من صفات كتابه.
وكذلك إذا نفى عن رسوله الكذب، والتقول على الله، واتباع الهوى، والجنون، والسحر، والشعر، والغلق ونحوها، كان ذلك لأجل إثبات كمال صدقه، وأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، ولكمال عقله، ولزوال كل ما يقدح في كمال نبوته ورسالته.
فتفطن لهذه القاعدة في كل ما يمرّ عليك من الآيات القرآنية في هذه الأمور وغيرها، تـنل خيراً كثيراً. والله أعلم).
هـٰذه القاعدة واضحة كما تقدم بيانه، وما مثّل به واضح رحمه الله، وهي في أسماء الله وفي صفاته وفي أوليائه وأصفيائه، وفي كلامه كذلك، وكلامه من صفاته سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
المرض في الأصل يا إخوان هو العلة، هـٰذا هو أصل المرض: علة، إما أن تكون في البدن أو في القلب أو في غيرهما.
المهم أن المرض هو العلة.
(المرض في القرآن) -يعني ذكر المرض في القرآن- (نوعان:مرض شبهات وشكوك، ومرض شهوات المحرمات).
الأول: (مرض شبهات) والشبهات جمع شبهة، والشبهة هي: عارض يعرض للقلب يحول دون البصيرة، عارض يصيب القلب يحول بينه وبين إدراك الأمور على حقيقتها، فهو يحول بينه وبين البصيرة التي يحصل بها التمييز بين الحق والباطل.
والشبهة قد تكون في الكتاب، وقد تكون في الله عز وجل، وقد تكون في اليوم الآخر، الشبهات متنوعة كثيرة، وهي من وساوس الشيطان يلقيها على قلب العبد.
هـٰذا النوع الأول من الأمراض التي تصيب القلوب: مرض الشبهة.
المرض الثاني: مرض الشهوة المحرمة، قوله: (شهوات المحرمات) يخرج الشهوات المباحة، وهو ما تميل إليه النفس، هـٰذا الأصل في الشهوة: ما تميل إليه النفس.
وما تميل إليه النفس نوعان :
ما تميل إليه من المباحات، وهـٰذا لا حرج عليه في إتيانها وأخذها منها، ومثال ذلك قول الصحابة للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما قال: ((وفي بضع أحدكم صدقة)) مسلم: كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، حديث رقم (1006). . قالوا: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ فالمراد بالشهوة هنا الشهوة المباحة، وهو ما تميل إليه النفس من المآكل والمشارب والمناكح وغير ذلك من الأمور المعنوية؛ لأن الشهوة قد تكون في أمور حسية من مأكل أو مشرب أو منكح، وقد تكون في أمور معنوية، والممنوع منها هو ما كان من الشهوات المحرمات التي نهى الله عنها ورسوله.
وأي النوعين أخطر؟ مرض الشبهات أخطر ولا إشكال؛ لأنه يفسد القلب إفساداً بيناً، ويحول دونه ودون لذة الإيمان. وأما مرض الشهوة فهو -وإن كان خطيراً قد يوبق الإنسان ويعمي البصيرة والفؤاد- إلا أنه دون مرض الشبهة في التأثير.
ثم قال رحمه الله في بيان هـٰذه القاعدة:
(والطريق إلى تمييز هذا من هذا -مع كثرة ورودهما في القرآن-يُدرك من السِّياق.
فإن كان هذا السياق في ذم المنافقين والمخالفين في شيء من أمور الدين، كان هـٰذا مرضَ الشكوك والشبهات، وإن كان السياق في ذكر المعاصي والميل كان مرضَ الشهوات).
(ووجه انحصار المرض في هذين النوعين:أن مرض القلب خلاف صحته، وصحة القلب الكاملة بشيئين:
· كمال علمه ومعرفته ويقينه.
· وكمال إرادته وحبه لما يحبه الله ويرضاه) .
هذان الشيئان مهمان: كمال العلم وبه تصح المعلومات، وكمال العمل، وذلك في قوله: (وكمال إرادته) وبه تصح الأعمال، فإذا صحت العلوم وصحت الأعمال سلم القلب من الأمراض، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُعث بالهدى -وهو العلم النافع- ودين الحق -وهو العمل الصالح- وبهما يصلح قلب العبد ويزكو عمله.
فيقول: (صحة القلب الكاملة بشيئين:كمال علمه) هـٰذا سلامة العلوم (ومعرفته ويقينه، وكمال إرادته وحبه ما يحبه الله ويرضاه) وهـٰذا سلامة العمل.
(فالقلب الصحيح:هو الذي عرف الحق واتبعه، وعرف الباطل واجتنبه، فإن كان علمه شكّاً وعنده شبهات تُعارض ما أخبر الله به من أصول الدين وفروعه، كان علمه منحرفاً وكان مرض قلبه قوة وضعفاً بحسب هذه الشكوك والشبهات. وإن كانت إرادته ومحبته مائلة لشيء من معاصي الله، كان ذلك انحرافا في إرادته ومرضاً.
وقد يجتمع الأمران، فيكون القلب منحرفاً في علمه وفي إرادته.
فمن النوع الأول:قوله تعالى عن المنافقين:﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ سورة : البقرة (10). ،وهي التقاليد والشكوك والشبهات المعارضة لرسالة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً﴾ سورة : البقرة (10). عقوبة على ذلك المرض الناتج عن أسباب متعددة، كلُّها منهم، وهم فيها غير معذورين.
ونظير هذا قوله:﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ سورة : التوبة (125). .
وكذلك قوله تعالى:﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ سورة : الحج (53). فإن مريض القلب بالشكوك وضعف العلم أقل شيء يريبه ويؤثر فيه ويفتتن به ) .
وهـٰذا يفيدنا -أيها الإخوة- أهمية طلب العلم؛ لأن العلم علاج هـٰذا الداء العظيم الفتاك وهو الشبهات، فكل شبهة دواؤها في العلم النافع، فبقدر ما مع الإنسان من العلم النافع، بقدر ما ينكشف عن قلبه هـٰذه الشبهات التي تحول بينه وبين معرفة الحق، ويترتب على ذلك العمل به، تحول بينه وبين العمل بالحق.
فينبغي للإنسان أن يحرص على العلم النافع، وإذا ألقى الشيطان في قلبه شبهة، فليطلب حلها من كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بنفسه إن استطاع، فإن لم يستطع فقد قال الله جل وعلا: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ سورة : النحل (43)، الأنبياء (7). . ولا يجوز للمؤمن أن يترك هـٰذه الشبهة في قلبه ويسكت عن علاجها وطلب حلها؛ لأنها قد توقفه في موقف يضعف فيه صبرُه ويضعف فيه يقينه ويتسلّط فيه عليه شيطانه، فإن الشيطان في حال الاحتضار يأتي يورد على الإنسان مثل هـٰذه الشبهات، فإذا طهّر قلبه من هـٰذه العوالق سلم؛ لكن لا ينبغي للإنسان أن يبادر إلىٰ كل شبهة تطرأ على قلبه؛ بل ينبغي أن يدافعها بالعلم النافع والعمل الصالح والاشتغال بما ينفع ودفع هـٰذه الوساوس بما وجه إليه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الذِّكر وغيره من الوسائل الشرعية. وأهمّ ذلك الانتهاء عن الاسترسال فيها، فإن لم تندفع فليطلب حلها من كتاب الله وسنة رسوله، فإن عجز عن التوصل فليسأل أهل الذكر لعل الله أن يكشف عنه.
ثم قال:
(ومن الثاني:قوله تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ سورة : الأحزاب (32). أي:مرض شهوة وإرادة للفجور، أقل شيء من أسباب الافتنان يوقعه في الفتنة طمعاً أو فعلاً. فكلّ من أراد شيئاً من معاصي الله فقلبه مريض مرض شهوة، ولو كان صحيحاً لاتصف بصفات الأزكياء الأبرياء الأتقياء الموصوفين بقوله:﴿وَلكنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ سورة : الحجرات (7-8). .
فمن كان قلبه على هذا الوصف الذي ذكره الله، فليحمده على هذه النعمة التي لا يقاومها شيء من النعم. وليسأل الله الثّبات على ذلك، والزيادة من فضل الله ورحمته).
ما هي هـٰذه الأوصاف التي ذكرها (من كان قلبه على هـٰذا الوصف) ؟ الوصف هو: محبة الإيمان، وكونه في القلب مُزَيَّناً، وكُرْهه للكفر والفسوق والعصيان. وهـٰذا لا يأتي إلا لمن عَمُقَ علمه وصلح عمله، فبقدر ما مع الإنسان من عمق العلم وصلاح العمل يتحقق له ما ذكره الله في هـٰذه الآية: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ(7)﴾ سورة : الحجرات (7). سورة : الحجرات (7). ، ثم بعد أن ذكر عملهم ووصفهم بيّن أن ذلك من فضل الله قال: ﴿فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ سورة : الحجرات (8). . وهـٰذا فيه بيان طريق تحصيل هـٰذه الأوصاف، وأنه من وسائل تحصيلها؛ بل أصل تحصيلها هو أن يسأل الإنسان الله عز وجل هـٰذا الفضل: أن يحبب إليه الإيمان وأن يزينه في قلبه وأن يكرّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، ولا يكون ذلك إلا إذا سلم من هاتين الآفتين: آفة الشبهة وآفة الشهوة.
¹
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(القاعدة الرابعة والثلاثون
دلَّ القرآن في عدة آيات أنَّ من ترك ما ينفعه مع الإمكان
ابتُلي بالاشتغال بما يضره، وحُرِم الأمرَ الأول).
بيان أن هذه القاعدة من جملة الفوائد لا القواعد:
بسم الله الرحمـٰن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فتقدم في أول كلامنا على هـٰذا الكتاب المبارك أن القواعد التي ضمنها الشيخ رحمه الله هـٰذا الكتاب:
· منها ما هو قواعد.
· ومنها ما هو فوائد.
وهـٰذه القاعدة هي من جملة الفوائد؛ ولكن الشيخ رحمه الله توسع في استعمال القاعدة فضمّ إلىٰ قواعد التفسير بعضاً من قواعد الأصول، وبعضاً من ما يبيّن طريقة القرآن -الطريقة القرآنية- في معاملة ومعالجة بعض الأمور، وأيضاً بعض الفوائد الجزئية، من ذلك ما ذكره في هـٰذه القاعدة وما سيأتي من القواعد التالية لها.
شرح القاعدة:
هـٰذه القاعدة يقول رحمه الله: (دلّ القرآن في عدة آيات أن من ترك ما ينفعه مع الإمكان) يعني مع تمكنه من العمل بما ينفعه (ابتلي بالاشتغال بما يضره) ثم قال: (وحرم الأمر الأول) أي حُرم الاشتغال بما ينفعه، وهـٰذا لخصه ابن القيم رحمه الله في كلمة موجزة فقال :نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل ولا بد.
وهـٰذا في كل أمر؛ لأن النفس الإنسانية رحى لا تتوقف عن العمل، فإن لم تشتغل بالحق اشتغلت بالباطل، فإن لم يُشغل الإنسان نفسه بما ينفعه اشتغل بما يضره ولا بد.
يذكر الشيخ رحمه الله أمثلة لذلك من الآيات، قال رحمه الله:
(وذلك أنه ورد في عدة آيات:أن المشركين لما زهدوا في عبادة الرحمـٰنابتلوا بعبادة الأوثان، ولما استكبروا عن الانقياد للرسل، بزعمهمأنهم بشر، ابتلوا بالانقياد لكل مارج العقل والدين، ولما عُرض عليهم الإيمان أوّل مرة فعرفوه، ثم تركوه، قلب الله قلوبهم، وطبع عليها وختم، فلا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم.
ولما بيّن لهم الصراط المستقيم، وزاغوا عنه اختياراً ورضاً بطريق الغي على طريق الهدى، عوقبوا بأن أزاغ الله قلوبهم، وجعلهم حائرين في طريقهم.
ولما أهانوا آيات الله ورسله أهانهم الله بالعذاب المهين.
ولما استكبروا عن الانقياد للحق أذلهم في الدنيا والآخرة.
ولما منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وأخربوها ما كان لهم بعد ذلك أن يدخلوها إلا خائفين).
كل هـٰذه أمثلة لهذه القاعدة، وهي أنهم لما أعرضوا ولم يشتغلوا بما ينفع مع تمكنهم من ذلك ابتلوا بضده ولم يتمكنوا من الخير.
هـٰذا المثال واضح في هٰؤلاء القوم الذين آتاهم الله عز وجل من الهدى والبينات ما لم يؤت غيرهم، فأعطاهم هـٰذا النور المبين وهـٰذا الكتاب العظيم الذي جاء به موسىٰ عليه السلام، فنبذوه وتركوا مقتضاه مما جاء فيه من اتباع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وغيره من الهدى والحق الذي تضمنه، واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان، فاستبدلوا بكتاب الله عز وجل الذي هو الهدى والنور كتب السحرة المبطلين، فقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ سورة : البقرة (102). أي أخذوا بهذه الكتب التي أملتها الشياطين في الكذب والضلال والسحر والشعوذة وغير ذلك، فلمّا أعرضوا عن الحق مع تمكنهم من أخذه بُلُوا بهـٰذا الباطل العظيم الذي لا خير فيه والذي لا خلاق لصاحبه في الآخرة.
(والمحاربون لله ورسوله تركوا إنفاق أموالهم في طاعة الرحمـٰن وأنفقوها في نسخة: ابتلاهم بإنفاقها. في طاعة الشيطان).
هـٰذا تعقيب على المثال الأول في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ هـٰذه في طائفة من المنافقين ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ فعلّقوا على إيتاء الله إيّاهم من فضله عملين:
العمل الأول: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾.
والعمل الثاني: ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
وأكدوا ذلك بالقسم في الموضعين حيث قالوا: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ﴾ اللام هنا لام القسم، اللام الموطئة للقسم، وتقدير الكلام: والله لنصدقن والله لنكونن من الصالحين.
ثم ما كان عاقبة الأمر؟ كان عاقبة الأمر أنه ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾.
والبخل: هو منع ما وجد من المال وغيره.
فالبخل اسم يجمع كل ما هو منع للحقوق المالية أو المعنوية أو غير ذلك من الواجبات.
والقسم الثاني: ولنكونن من الصالحين، قابلوه بالتولي.
فأخلفوا الله في الموضعين، ﴿فَأَعْقَبَهُمْ﴾ هـٰذا جزاؤهم في الدنيا قبل الآخرة ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ﴾ الباء للسببية؛ يعني بسبب إخلافهم الله عز وجل ما وعدوه ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ﴾. وهـٰذه الآية فيها أشد التحذير لكل من نذر نذراً ولم يوفِه، فإنه يخشى أن يكون من هـٰذا الصنف الذي توعده الله عز وجل بهذه العقوبة العظيمة، وهي أن يورثه النفاق في قلبه إلى يوم يلقاه، ومن أورث النفاق في قلبه فقد أورث شرًّا عظيماً؛ لأن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، نعوذ بالله من الخذلان.
وهـٰذه القاعدة واضحة مما ذكر المؤلف رحمه الله من الأدلة.