القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن

من وحتى

عداد المشاهدات : 94

التاريخ : 2026-06-06 07:02:11

  

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

(القاعدة الخامسة والثلاثون

تقديم أعلى المصلحتين وأهون المفسدتين:

في القرآن عدة آيات فيها الحث على أعلى المصلحتين وتقديم أهون المفسدتين، ومنع ما كانت مفسدته أرجح من مصلحته).

 

    

 

هـٰذه أيضاً من الفوائد، وهـٰذه الفائدة منبثقة عن أصلٍ يجب معرفته وإدراكه في هـٰذه الشريعة.

وهي أنها شريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكثيرها، هـٰذه المرتبة الأولى المتعلقة بالمصالح: تحصيل وتكثير، المصالح فيها درجتان: تحصيل وتكثير.

المرتبة الثانية ما يتعلق بالمفاسد: وجاءت بتعطيل المفاسد وتقليلها، فإذا لم يمكن التعطيل فينتقل إلىٰ الدرجة الثانية وهي التقليل.

 

    

 

كلام المؤلف رحمه الله في المصالح والمفاسد هنا هو عند التزاحم، أما إذا كان يمكن تحصيل المصلحتين على وجه الاستقلال فإنه يجب تحصيل المصالح؛ لكن الكلام فيما إذا تزاحمت المصالح، ومعنى التزاحم أنه لا يمكن تحصيل إحدى المصلحتين إلا بتفويت الأخرى، وكذلك في المفاسد تزاحمها أنه لا يمكن تجنب إحدى المفسدتين إلا بارتكاب الأخرى، عند ذلك تأتي هـٰذه القاعدة التي ذكرها المؤلف رحمه الله، وهي: (تقديم أعلى المصلحتين) هـٰذا في تزاحم المصالح (وارتكاب أهون المفسدتين) هـٰذا في المفاسد (ومنع ما كان مفسدته أرجح من مصلحته) هـٰذا فيما إذا كانت الموازنة في المصالح والمفاسد.

إذاً عندنا ثلاث مراتب:

المرتبة الأولى: المصالح والمفاسد إذا اجتمعت فماذا يقدم في التحصيل؟ عندنا مصلحة ومفسدة ماذا نقدم؟ المصلحة.  انظر الأحوال الثلاث لتزاحم المصلحة مع المفسدة في الصفحة رقم: (7).  .

المرتبة الثانية: تزاحم المصالح ماذا نقدم؟ أعلى المصلحتين.

عندنا المرتبة الثالثة: تزاحم المفاسد، يرتكب أهونها.

 

    

 

 (وهذه قاعدة جليلة. نبه الله عليها في آيات كثيرة.

فمن الأول: المفاضلة بين الأعمال وتقديم الأعلى منها كقوله: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَن أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ الآية سورة : الحديد (10)   وكقوله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية سورة : التوبة (19).   وكقوله: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية سورة : النساء (95)  ).

هـٰذه المرتبة الأولى أو هذا مثال للمرتبة الأولى وهي تزاحم المصالح، وهو المفاضلة بين الأعمال الصالحة، لا شك أن الأعمال الصالحة مراتب ودرجات وليست على درجة واحدة في الأجر، ولا في النفع، فما الذي يقدم؟ الذي يقدم منها ما قدمه الله ورسوله، وما لم يرد فيه نص يُعلم تقديمه بأدلة أخرى، فالأعمال مفضّلة باعتبار الجنس، وباعتبار النوع، وباعتبار الأفراد، ومعرفة هـٰذا تحتاج إلىٰ فقه دقيق؛ لأن معرفة مراتب الأعمال من دقائق الفقه، من دقائق الفقه أن يعرف الإنسان مراتب الأعمال أيها يقدم هـٰذا أو هـٰذا؛ ولكن يؤتى هـٰذا الفقه من أنار الله بصيرته بمعرفة ما قدمه الله ورسوله.

فنقدم ما نص الله على تقديمه ورسوله، ثم بعد ذلك إذا لم يكن نص فالنظر المبني على نور القرآن وهدي السنة يوصل الإنسان إلى معرفة ما الذي يقدم على غيره من الأعمال.

 

 

    

 

المثال الثاني:

(ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ سورة : البقرة (217).   بيّن تعالى أن ما نقمه الكفار على المسلمين من قتال في الشهر الحرام أنه -وإن كان مفسدة- فما أنتم عليه من الصّد عن سبيل الله والكفر بالله في نسخة: به وبسبيل هداه .  والصد عن المسجد الحرام، وإخراج أهله منه أكبرُ عند الله في نسخة: وفتنتكم المؤمنين بشديد الأذى محاولين إرجاعهم إلى الشرك أكبرُ من القتال في الشهر الحرام  من القتل.

وقوله: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ﴾ الآيات سورة : الفتح (25)   فكف الله المؤمنين عن القتال في المسجد الحرام في نسخة: في صلح الحديبية .   مع وجود المقتضي من الكفار خوف المفسدة في نسخة: اتقاء للمفسدة .   المترتبة على ذلك: من إصابة المؤمنين والمؤمنات في نسخة: المستضعفين الذين حبسهم المشركون بمكة عن الهجرة بأنواع من الأذى أو القتل، ما يكون سبباً في لحوق المعرة بجيش المؤمنين   من معرة الجيش ومضرته.

وكذلك جميع ما جرى في صلح الحديبية من هذا الباب: من التزام تلك الشروط التي ظاهرها الضرر على المسلمين، ولكن صارت هي عين المصلحة لهم في نسخة: ولكن تبين لهم بعد أنها عين المصلحة لهم والفتح المبين.   .

ومن هذا: أمره بكف الأيدي في نسخة: عن القتال    قبل أن يهاجر الرّسول إلى المدينة؛ لأن الأمر بالقتال في ذلك الوقت أعظم ضرراً من الصّبر والإخلاد إلى السّكينة في نسخة: مع متابعة تبليغ الرسالة وإقامة الحجة والجهاد الكبير بالقرآن  .

ولعل من هذا مفهوم قوله(: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى سورة : الأعلى (9). ،  يعني فإن ضرت فترك التذكير الموجب للضرر الكثير هو المتعيِّن. والآيات في هذا النوع كثيرة جدّاً).

المثال الأول قوله تعالىٰ: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾. ﴿أَكْبَرُيقتضي أن هناك ما هو أصغر من ذلك، وما هو الأصغر من هـٰذه الأمور؟ هو ما وقع من مقاتلة الكفار في الأشهر الحرم؛ لأن المشركين عابوا على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه أنه وقع منهم قتال في أول شهر من الأشهر الحرم، فقال الله جل وعلا -في الرد على هٰؤلاء، وبيان أن ما هم عليه أعظم جرماً مما نسبوه إلىٰ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من انتهاك حرمة الشهر الحرام-: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِأي بالله ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِيعني وصد عن المسجد الحرام ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾. فدلّ ذلك على أنه إذا تزاحمت المفاسد فإنه يُرتكب أهونها.

الآن عندنا مفسدة بقاء الشرك والكفر والعتو والظلم من أهل مكة.

وعندنا مفسدة ثانية وهي انتهاك الشهر الحرام.

أيهما أعظم؟ أن يُنتهك الشهر الحرام لإذهاب تلك المفسدة، أو يترك هـٰذا الأمر وهو القتال في الشهر الحرام مراعاة لحرمته مع وجود مفسدة أعظم منه؟

الجواب ما قاله الله جل وعلا في قوله: ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾. فدل ذلك على أن ارتكاب أهون المفسدتين بدفع أعلاهما هـٰذا هو المتعين وهـٰذا هو الواجب، وهـٰذا مثال آخر واضح.

 

الثاني قول الله تعالىٰ: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ سورة : الفتح (25).  أي بالقتل، وذلك في غزوة من الغزوات، وهي ما كان من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في السنة السادسة في صلح الحديبية، حيث تاقت نفوس الصحابة إلىٰ مقاتلة الكفار، حيث منعوهم وحالوا بينهم وبين المسجد الحرام، فبين الله عز وجل أن منع القتال وكف أيديهم عن المؤمنين وكف أيدي المؤمنين عن المشركين كان ذلك لمصلحة عظمى، وهي حصول التمايز بين معسكر أهل الكفر وأهل الإيمان، فإن مكة فيها من المؤمنين من لو قاتل المسلمون الكفار في ذلك الوقت لأصابوهم بقتل فتصيبهم معرة، وهو ألم يصيب قلوبهم أو إثم كما قال بعض المفسرين، فمنع الله القتال لأجل هـٰذه المصلحة، وللمصالح الأخرى التي ترتبت على ترك القتال في تلك الغزوة من الفتح العظيم بالصلح الذي جرى بين رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمشركين في مكة.

نعود إلىٰ ما ساق المؤلف رحمه الله الآيات من أجله، وهو الموازنة بين ترك قتال الكفار وقتالهم مع قتل المؤمنين والمؤمنات الذين لم يتميزوا عنهم، فكانت مصلحة ترك القتال في هـٰذا أولى من القتال الذي يترتّب عليه قتل من لم يتمكن من الهجرة من أهل الإسلام.

 

المثال الأخير:

 قال: (ولعل من هذا مفهوم قوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى سورة : الأعلى (9). ). فإن الله جل وعلا قيّد الأمر بالتذكير هنا بشرط، وهو حصول النفع بالتذكير، فقال: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾. فإن كان يترتب على الذِّكرى مضرة تقدم لنا أنه بالإجماع لا تشرع التذكرة في مثل هـٰذه الحال؛ لأننا عندنا مفسدتان: مفسدة ترك التذكير وهو بحد ذاته مفسدة، وهناك مفسدة أخرى وهي أن يحصل التذكير لكن يترتب عليه شر وضرر أكبر من مفسدة ترك التذكير.

فهنا أيهما نقدم؟ نقدم مفسدة ترك التذكير؛ لأن المفسدة الأخرى أعظم منها، ولم يجزم المؤلف رحمه الله بدخول هـٰذه الآية في هـٰذا المثال؛ لأن من العلماء من قال: إن الشرط هنا ليس مراداً؛ بل ذكر مطلقاً نفعت الذكرى أو لم تنفع، وقد تقدم لنا الكلام في هـٰذه الآية قريبا انظر القاعدة السادسة والعشرين  .

 

    

 

(ومن النوع الثالث: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَر سورة : البقرة (219). .

وهذا كالتعليل العام: أنّ كل ما كانت مضرته وإثمه أكبر من نفعه، فإن الله من حكمته لا بد أن يمنع منه عباده ويحرمه عليهم  في نسخة: فإن رحمة الله وحكمته لا بد أن تقتضي المنع منه وتحريمه على عباده.   .

وهذا الأصل العظيم كما أنه ثابت شرعاً فإنّه هو المعقول بين الناس المفطورين على استحسانه، والعمل به في الأمور الدينية والدنيوية، والله أعلم ) .

هـٰذا هو القسم الأخير من هـٰذه القاعدة، وهو إذا اجتمعت مصلحة ومفسدة فيقدم المصلحة، إذا كانت المفسدة لا تربو عليها؛ لكن إذا كانت المصلحة مغمورة في جانب المفسدة، أو العكس إذا كانت المفسدة مغمورة في جانب المصلحة، فهنا يكون محل نظر؛ لكن الكلام فيما إذا كانت مفسدة ظاهرة ومصلحة خفية، فهنا يقدم اجتناب المفسدة الراجحة ولو ذهب بذلك مصلحة، ومثَّل بمثال واضح وهو قوله: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ  سورة : البقرة (219)   أجاب الله عز وجل عن هـٰذا السؤال فقال: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِفيهما مصالح ومفاسد، فهنا ما الذي يقدم؟ ننظر إلىٰ المصلحة والمفسدة، قال الله عز وجل في المفسدة: ﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ وقال: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ جمع ولم يبين لنا أنها أكبر أو تساوي، فعند ذلك يقدّم اجتناب المفسدة على تحصيل المصلحة.

والأحوال ثلاث في هذا:

الحالة الأولى: ما في هـٰذه الآية، وهو أن يكون جانب المفسدة أرجح، فهنا تجتنب المفسدة وتهدر تلك المصلحة؛ لأنه لا يمكن اجتناب المفسدة إلا بإهدار هـٰذه المصلحة.

الحالة الثانية: أن تكون المصلحة رابية؛ زائدة على المفسدة، فهنا تؤتى المصلحة ويغتفر ما في الأمر من مفسدة؛ لكونه منغمراً في جانب المصلحة.

الحالة الثالثة: أن تستوي المصلحة والمفسدة، وهـٰذه محل اجتهاد، يجتهد الإنسان في الأخذ أو الترك.

˜˜¹™™

 

 

    

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

(القاعدة السادسة والثلاثون

مقابلة المعتدي بمثل عدوانه)

 

شرح القاعدة:

(طريقة القرآن: إباحة الاقتصاص من المعتدي ومقابلته بمثل عدوانه، والنهي عن ظلمه، والندب إلى العفو عنه والإحسان.

 وهذا في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾  سورة : النحل (126). ، ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾  سورة :الشورى (40) فذكر المراتب الثلاث.

ولما كان القتال في المسجد الحرام محرماً قال تعالى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191)﴾ إلىٰ قوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ﴾  سورة : البقرة (191-194)  ،  وهو كل ما حرمه الله وأمر باحترامه.

فمن انتهكه فقد أباح الله الاقتصاص منه، بقدر ما اعتدى به لا أكثر. وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾  سورة : البقرة (194). ،  وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾ الآية سورة : البقرة (178) ،  ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية  سورة : المائدة (45) ،  ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً﴾  سورة : الإسراء (33). ،  ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ﴾  سورة : النساء (148).   والآيات في هذا المعنى كثيرة، والله أعلم) .

 

    

 

  لكن لا بد من تقييد قوله: (ومقابلته بمثل عدوانه) أن لا يكون ذلك الفعل محرّماً؛ فإنه يجوز مقابلة المعتدي بمثل عدوانه ما لم يكن فعله محرماً، فإنه لا يجوز أن يقابل: فمثلاً لو أن شخصا زنى بأهل شخص آخر، فليس للمعتدى عليه أن يزني بأهل هـٰذا المعتدي؛ لأن هـٰذا محرم، فتقيد تلك بأن لا يكون القصاص مفضياً إلىٰ ارتكاب محرم حرمته الشريعة.

 

    

 

قوله رحمه الله: (فذكر المراتب الثلاث في قوله: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40)  سورة : الشورى (40) ، وكذلك في قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ (126)  سورة : النحل (126).  الآية الأولى قوله: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا أين المراتب الثلاث؟ وما هي المراتب الثلاث التي جُمعت في هـٰذه الآية؟ المقابلة، والندب إلىٰ العفو، والنهي عن ظلمه:

المقابلة في قوله: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾.

الندب إلىٰ العفو في قوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.

النهي عن الظلم في قوله: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.

 

    

 

لكن انتبه في العفو: الندب إلىٰ العفو ليس مطلقاً؛ بل إلىٰ العفو الذي يترتّب عليه إصلاح، فإن كان العفو يترتب عليه مفسدة، فإنه غير مأمور به ولا مندوب إليه، فتنبه إلىٰ هـٰذا؛ لأن من الناس من يظن أن العفو مندوب إليه مطلقاً، وليس الأمر كذلك؛ فإن الله جل وعلا لم يطلق الأمر بالعفو، بل قال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ والإصلاح قيد في العفو، فإذا كان العفو لا إصلاح فيه فالحزم والشرع أن لا يكون عفو، وهـٰذا قل من ينبه إليه، فلا بد من تقييد العفو بالإصلاح، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله، ونبّه إليه شيخنا كثيراً.

˜˜¹™™

 

 

 

    

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

(القاعدة السابعة والثلاثون

اعتبر الله القصد والإرادة في ترتب  في نسخة: ترتيب.  الأحكام على أعمال العباد)

 

دليل القاعدة:

(وهذا الأصل العظيم: صرح به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله: ((إنما الأعمال بالنيات))  البخاري: كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ... حديث رقم (1). ومسلم: كتاب الإمارة، باب قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنما الأعمال بالنية وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال. حديث رقم (1907). ).

 

    

أمثلة القاعدة:

(والمقصود هنا أنه ورد آيات كثيرة جداً في هذا الأصل: فمنها -وهو أعظمها- أنه رتّب حصول الأجر العظيم على الأعمال بإرادة وجهه، لما ذكر الصدقة والمعروف، والإصلاح بين الناس، قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾  سورة : النساء (114).  ، وقال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾  سورة : البقرة (265). وفي مقابله قال: ﴿رِئَاءَ النَّاسِ﴾  سورة : البقرة (264). .

ووصف الله نبيه وخيار خلقه من الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُم ومن تبعهم بأنهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً. وقال تعالى في الرجعة: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً﴾  سورة : البقرة (228). ، ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ سورة : البقرة (225) .

وقال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارّ﴾  سورة : النساء (12)   ، وقال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾  سورة : النساء (4).  ، ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾  سورة : البقرة (188)،.  ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾  سورة : البقرة (220).  ، وفي دعاء المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾  سورة : البقرة (286)   ، فقال الله: ((قد فعلت))  مسلم: كتاب الإيمان، بيان أنه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لم يكلف إلا ما يطاق، حديث رقم (126).  . وقال: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾  سورة : الأحزاب (5)   .

وذكر الله قتل الخطأ ورتب عليه الدِّية والكفارة، ثم قال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾  سورة : النساء (93). ،  وقال في  في نسخة: جزاء   الصيد: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ سورة : المائدة (95)  ، وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾  سورة : البقرة (235) .  إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن أعمال الأبدان وأقوال اللسان، صحتها وفسادها، ورتب أجرها أو وزرها: بحسب ما قام بالقلب  في نسخة: من القصد والنية  ​​​​​​​ ).

 

    

 

هـٰذه قاعدة مهمة، وهي كما قال الشيخ رحمه الله: (وهـٰذا الأصل العظيم صرح به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله: ((إنما الأعمال بالنيات))) هـٰذا تصريحاً، وإلا فقد ورد في النصوص ما يدل على أن العبرة في أعمال القلوب ومقاصدها ما لا حصر له، سواء في الكتب أو في السنة.

فمن ذلك في السنة -وكان من الجدير أن يأتي به المؤلف رحمه الله- قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ فيما يرويه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة: ((إن الله لا ينظر إلىٰ صوركم ولا إلىٰ أجسامكم ولكن ينظر إلىٰ قلوبكم)) وفي رواية ((وأعمالكم))  مسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله، حديث رقم (2564) . فالنظر من الله جل وعلا للقلب وما يقوم به، والحساب يوم القيامة في الأصل على أعمال القلوب، وأعمال الجوارح تابع.

 

ـ ولذلك كان في الموازنة عمل القلب أعظم أجراً وثواباً عند الله عز وجل من عمل البدن، هـٰذا واحد.

 

ـ ثانياً: أن عمل القلب يؤجر عليه الإنسان، ولو لم يرافقه أو يصاحبه عمل البدن، أما عمل البدن فلو كان الليل والنهار؛ لكن لم يصاحبه عمل القلب فإنه لا ينفع صاحبه، وهـٰذا ثاني ما يدلّ على أن الفضل والسبق لعمل القلب.

 

ـ مما يدل أيضاً على أهمية أعمال القلوب أن آثام القلوب أعظم بكثير من آثام الجوارح، فالرياء يسيره يمنع دخول الجنة، كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)) مسلم: كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، حديث رقم (91).  . ولم يرد مثل هـٰذا التهديد على شيء قليل من أعمال الجوارح.

 

ـ مما يدلّ على أهمية عمل القلب أيضاً أنّ فساد القلب سبب للعقوبة العظيمة ولو صلح الظاهر، فإن الله جل وعلا قد قال في المنافقين الذين فسدت قلوبهم مع صلاح ظواهرهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ  سورة  النساء (145). . قال ابن القيم رحمه الله: وآثام القلوب أعظم من آثام الجوارح، قال: والناس يغيب عنهم مثل هـٰذا الأمر، فتجد الشخص يعظم في عينه الزنى، ويعظم في عينه كبائر الذنوب من أعمال الجوارح؛ لكنه يغفل عن طوام من أعمال القلوب هي أعظم من تلك الأعمال التي بالجوارح كالزنى وغيره.

فهو ضرب بذلك مثلاً بيسير الرياء يغفل عنه كثير من الناس مع أنه أعظم خطراً وأثراً من كثير من كبائر الذنوب التي تكون بالجوارح، وهـٰذا يوجب على الإنسان أن يعتني بقلبه من حيث التخلية ومن حيث التحلية:

·       من حيث التخلية: إزالة الآفات عنه ومراعاته ومراقبته.

·       ومن حيث التحلية: الاشتغال بأعمال القلوب.

ولا يعني هـٰذا أن يتخلّف عمل الظاهر؛ فإنه لا يمكن أبداً إطلاقاً أن يصلح الجوهر ويصلح القلب ويكون العمل فاسداً، أبداً لا يمكن؛ بل كل فساد في الظاهر يدل على نوع فساد في الباطن، هـٰذه قاعدة لا إشكال فيها ولا ريب.

 

    

 

ذكر المؤلف رحمه الله في هـٰذه القاعدة أدلة عديدة تدل على أن عظيم الأجر يرتَّب على ما في القلب من عمل، قال: (منها وهو أعظمها أنه رتب) يعني من الأدلة على هـٰذه القاعدة -وهي اعتبار القصد والإرادة في ترتب الأحكام على أعمال العباد- (وهو أعظمها أنه رتب حصول الأجر العظيم على الأعمال بإرادة وجهه) لما ذكر الصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس.

فدل ذلك على أن عدم إرادة وجه الله عز وجل في هـٰذه الأعمال وفي هـٰذه القربات يذهب أجرها ولا يحصِّل الإنسان ما رُتب عليها من الفضل: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ من الإصلاح بين الناس ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾  سورة : النساء (114) . فإن لم يكن ابتغاء لوجه الله فإنه لا يحصل له الأجر العظيم، والأمثلة التي ذكرها واضحة في غالبها.

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق