(قد دلت آيات كثيرة على جبر خاطر المنكسر قلبه) جبر خاطره بأن يعامل أو يشرع له من الأحكام ما يسدّ خلته، ما يسد ما حصل له من كسر، واستعمل الجبر في مقابل الكسر؛ لأن الجبر يستعمل في الكسر الحسي وفي الكسر المعنوي، قال: (ومن تشوفت نفسه لأمر من الأمور إيجاباً أو استحباباً) فراعى الشارع نفسية هـٰذا المتشوِّف بأن شرع له ما يحصل به جبر كسره وحصول شيء من مقصوده إيجاباً أو استحباباً، على ما سيأتي، وهـٰذه القاعدة لطيفة اعتبرها الشارع وأرشد عباده إليها في عدة آيات منها:
المطلقة:
(منها:المُطلَّقة، فإنها لما كانت في الغالب منكسرة القلب حزينة على فراق بعلها، أمر الله بتمتيعها على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، متاعاً بالمعروف).
المتاع هو ما تعطاه المرأة بسبب الفراق؛ بسبب فراق زوجها بالطلاق، واختلف أهل العلم رحمهم الله في هـٰذه المتعة: هل هي واجبة لكل مطلقة أم هي واجبة لبعض المطلقات؟
فقال بعضهم: إنها تجب للمطلقة التي لم يسمّ لها مهر، لم يفرض لها مهر.
وقال آخرون: إنها واجبة لكل مطلقة؛ لقوله تعالىٰ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241)﴾ سورة : البقرة (241). .وهـٰذا القول الأخير هو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله، وهو الذي يوافق ظاهر الآيات، فإن قوله: ﴿حَقًّا﴾ أي ثابتاً، ولا يقال ذلك إلا فيما كان واجباً، هـٰذا من وجه.
ومن وجه آخر أنه قال: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. والأخذ بخصال التقوى واجب، فدلت الآية من وجهين:
من قوله: ﴿حَقًّا﴾.
ومن قوله: ﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.
أن متعة المطلقة واجبة، والمتعة تحصل بكل ما يحصل به جبر خاطرها، لا يلزم أن يقدَّر ذلك بمبلغ معين، إنما ما يحصل به جبر الخاطر، وهـٰذا هو القول الصحيح.
من مات عنها زوجها:
(وكذلك من مات زوجها عنها، فإن من تمام جبر خاطرهاأن تمكث عند أهله سنة كاملة وصية ومتعة مرغّب فيها).
وهـٰذا الأمر كان واجباً في أول الأمر، ثم نسخ بقوله تعالىٰ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ سورة : البقرة (234) . فنسخت هـٰذه الآية الوجوب في قوله تعالىٰ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ سورة : البقرة (240) .
بعضهم قال: إنها ناسخة لها بالكلية، فلا يجب ولا يستحب.
وقال آخرون -وهو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله-: إن إبقاء الزوجة في بيت الزوج بعد وفاته عاماً وتمكينها من ذلك من غير إخراج يستحب.
فالآية الثانية أفادت وجوب التربص، وهـٰذه أفادت أنها تكمل السنة استحباباً.
المرأة في عدتها:
(وكذلك أوجب الله للزوجة على الزوج النفقة والكسوة في مدة العدة، إذا كانت رجعية، أو كانت حاملاً مُطْلَقاً).
(إذا كانت حاملاً مُطْلَقاً) سواء كانت رجعية أو غير رجعية، يعني الحامل البائن من طلقت آخر ثلاث تطليقات هل لها النفقة والكسوة؟ الجواب: لها النفقة والكسوة؛ لقوله تعالىٰ: ﴿وَإِن كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ سورة : الطلاق (6) . فأوجب النفقة عليهن، ومدّ ذلك إلىٰ وضع الحمل.
(وكذلك أوجب الله للزوجة على الزوج النفقة والكسوة في مدة العدة، إذا كانت رجعية، أو كانت حاملاً مُطْلَقاً).
ما هي الرجعية؟ التي يمكن لزوجها مراجعتها، وهي من طُلقت دون ثلاث تطليقات.
من حضر قسمة الميراث ممن يتشوف له
(وقال تعالى:﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ سورة : النساء (8). ).
شرع الله عز وجل ندبًا أن يعطى هٰؤلاء بسبب حضورهم القسمة، وهي قسمة الميراث، فإذا حضر ذوو القربى واليتامى من الأقارب وغيرهم والمساكين من الأقارب وغيرهم شُرِع أن يعطوا عند قسمة الميراث ما يجبر خواطرهم.
الجبر بالصدقة والزكاة
(ويدخل الواجب والمستحب في مثل قوله في سورة الأنعام:﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ سورة : الأنعام (141).).
يوم حصاد إيش؟ يوم حصاد الزرع، شرع الله عز وجل إعطاء الفقراء وغيرهم ممن تتشوف نفوسهم يوم الحصاد؛ لأنه يوم يتطلع فيه هٰؤلاء إلىٰ ما حصّله أصحاب الزروع بسبب الحصاد، فشرع أن يعطى هٰؤلاء شيئاً يسكن نفوسهم ويجبر فقرهم وكسرهم.
الشيخ قال: (ويدخل الواجب والمستحب) يشمل الواجب الزكاة ويشمل المستحب.
(وكذلك إخباره عن عقوبة أصحاب الجنة الذين أقسموا ليصرمنها مصبحين، وتواصوا أن لا يدخلنها اليوم عليكم في نسخة: عليهم مسكين.
هل يجوز أن يقول الرجل لوالديه: أف إذا كانا شابين قويين؟ لا، إذاً لماذا قال: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾؟ لأن الحالة التي يبلغ فيها هٰؤلاء من الضعف ما يحتاجان فيه إلىٰ أن تراعى أحوالهما وأن يجبر ضعفهما برقة القول ولطافة العبارة وحسن العشرة، وإلا فهـٰذا ينهى عنه في كل مقام وفي كل حال، لكن في هـٰذه الحال يتأكد النهي، وهـٰذا يدل على مراعاة الشارع لأحوال الناس كما قال: (قد دلت آيات كثيرة على جبر خاطر المنكسر قلبه).
جبر الله لقلوب أنبيائه وأصفيائه أوقات الشدَّات
(وقد ذكر الله جبره لقلوب أنبيائه وأصفيائه أوقات الشدَّات، وإجابته لأدعيتهم أوقات الحاجات والضروراتفي نسخة: الشدائدبتفريج الكربات وأمر عباده بانتظار الفرج عند الأزمات.
فهذا أصل قد اعتبره الله، وأرشد إليه، فينبغي للعبد أن يكون هذا على باله في وقت المناسبات، ويعتبره عند وجود سببه) .
¹
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(القاعدة التاسعة والثلاثون
في طريقة القرآن في أحوال السياسة الداخلية والخارجية
طريقة القرآن في هذا أعلى طريقة، وأقرب إلى حصول جميع المصالح الكلية، وإلى دفع المفاسد، ولو لم يكن في القرآن من هذا النوع إلا قوله تعالىٰ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ سورة : آل عمران (159) ، وإخباره عن المؤمنين أن ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ سورة : الشرورى (38) ، فالأمر مفرد مضاف إلى المؤمنين.
وفي الآية الأولى: قد دخلت عليه: (أل)، المفيدة للعموم والاستغراق، يعني أن جميع أمور المؤمنين وشؤونهم واستجلاب مصالحهم واستدفاع مضارهم، معلقٌ بالشورى والتعاون على تعيين الأمر الذي يجرون عليهفي نسخة: الاهتداء إلى الأمر الذي يجرون عليهفي حل مشكلاتهم، وتدعيم سلطانهم وتجنيبهم الخلاف المفضي إلى تفكك قواهم وانحلال عراهم.
وقد اتفق العقلاء أن الطريق الوحيد للصلاح الديني والدنيوي هو طريق الشورى.
فالمسلمون قد أرشدهم الله إلىٰ أن يهتدوا إلى مصالحهم، وكيفية الوصول إليها بإعمال أفكارهم مجتمعة، فإذا تعينت المصلحة في طريق سلكوه، وإذا تعينت المضرة في طريق تركوه، وإذا كان في ذلك مصلحة ومضرة، نظروا: أيهما أقوى وأولى وأحسن عاقبة.
وإذا رأوا أمراً من الأمور هو المصلحة ولكن ليست أسبابه عتيدة عندهم ولا لهم قدرة عليها، نظروا بأي شيء تدرك تلك الأسباب، وبأي حالة تنال على وجه لا يضر.
وإذا رأوا مصالحهم تتوقف على الاستعداد بالفنون الحديثة والاختراعات الباهرة، سعوا لذلك بحسب اقتدارهم، ولم يملكهم اليأس والاتكال على غيـرهم الملقي إلى التهلكة، وإذا عرفـوا -وقد عرفوا- أن السعي لاتفاق الكلمة وتوحيد الأمة هو الطريق الأقوم للقوة المعنوية جدّوا في هذا واجتهدوا، وإذا رأوا المصلحة في المقاومة والمهاجمة أو في المسالمة والمدافعة بحسب الإمكان، سلكوا ما تعينت مصلحته، فيُقْدمون في موضع الإقدام، ويحجمون في موضع الإحجام، وبالجملة لا يدعون مصلحة داخلية ولا خارجية، دقيقة ولا جليلة إلا تشاوروا فيها، وفي طريق تحصيلها وتنميتها، ودفع ما يضادها وينقصها.
فهذا النظام العجيب الذي أرشد إليه القرآن: هو النظام الذي يصلح في كل زمان ومكان، وفي كل أمة ضعيفة أو قوية).
فائدة وليست قاعدة:
وهـٰذه الفوائد المهمة ذكرها الشيخ رحمه الله، وهي ليست من قواعد التفسير إنما من الفوائد.
يقول رحمه الله: (في طريقة القرآن في أحوال السياسة الداخلية والخارجية) المراد أن القرآن بيّن لأمة الإسلام ما تصلح به حياتهم فيما بينهم، وما تستقيم به علاقتهم مع غيرهم، فالسياسة هي القيام على الشيء وإصلاحه، هـٰذا معناها، الشريعة جاءت لبيان المصالح للناس، وينطبق على ما جاءت به الشريعة في هـٰذا الأمر قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ سورة : الإسراء (9) في أمر الدين وأمر الدنيا، في أمر علاقات الناس بعضهم ببعض على اختلاف أنواعهم وأجناسهم وأماكنهم وأزمانهم.
(ومن ذلك قوله تعالىٰ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ سورة : الأنفال (60) . فهذه الآية نص صريح بوجوب في نسخة: تصرح بوجوب الاستعداد للأعداء بما استطاعه المسلمون في نسخة: بكل ما نستطيعه من قوة عقلية، ومعنوية ومادية، مما لا يمكن حصر أفراده، وفي كل وقت يتعيّن سلوك ما يلائم ذلك الوقت ويناسبه.ومن ذلك قوله تعالىٰ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ سورة : النساء (71) ، ونحوها من الآيات التي أرشد الله فيها إلى في نسخة: شدة التحرز من الأعداء، فكل طريق وسبب يُتحرز به من الأعداء فإنه داخل في هذا، ولكل وقت لبوسه، ومن عجيب ما نبّه عليه القرآن من النظام الوحيد، أنّ الله عاتب المؤمنين بقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ سورة : آل عمران (144) . فأرشد عباده إلى أنه ينبغي أن يكونوا بحالة من جريان في نسخة: الحكمة واستقامة الأمور على طُرقها في نسخة: طريقها، بحيث ، لا يزعزعهم عنها فَقْدُ رئيس وإن عظُم.
وما يكون ذلك إلا بأن يستعدوا لكل أمر من أمورهم الدينية والدنيوية بعدة أناس، إذا فُقد أحدهم قام مقامه غيره، وأن تكون الأمة متوحدة في إرادتها وعزمها ومقاصدها وجميع شؤونها، قصدهم جميعاً أن تكون كلمة الله هي العليا، وأنْ تقوم جميع الأمور بحسب قدرتهم).
هـٰذا فيما ذكره الله عز وجل مما وقع من بعض الصحابة في غزوة أحد لما شاع أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد قتل، فكان بعض الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُم من شدة وقع الخبر عليه أن رمى بسيفه وجلس، فمر بهم بعض الصحابة فقالوا لهم: ما الذي حملكم على هـٰذا؟ قالوا: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد قتل. فقال لهم: قوموا فقاتلوا على ما قاتل، أو قوموا حتى تقتلوا على ما قتل. وعاتب الله جل وعلا الصحابة الذين وقع منهم ذلك بقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ﴾ بلا قتل و لا غيره: ﴿أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ ثم بين عقوبة من كان منه هـٰذا فقال: ﴿وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا﴾ سورة : آل عمران (144) ؛ لأن الله جل وعلا لا يضره تقصير المقصر، ولا ينفعه عمل العامل، كما قال في الحديث الإلهي: ((يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني)) مسلم: كتاب البر والصلة والآداب، حديث رقم (2577) . إنما الأمر كما قال الله جل وعلا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًافَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا﴾ سورة : فصلت (46)، الجاثية (15) .
(وقال تعالىٰ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ سورة : التغابن (16) ، أي: اتقوا غضبه وعقابه بالقيام بما أمر به من كل ما فيه الخير والصلاح لكم جماعة ومنفردين، فكل مصلحة أمر الله بها وهي متوقفة في حصولها أو في كمالها على أمر من الأمور السابقة أواللاحقة، فإنه يجب تحصيلها بحسب الاستطاعة. فلا يكلفهم الله ما لايطيقون. وكذلك كل مفسدة ومضرة لا يمكن اجتنابها إلا بسلوك بعض الطرق السابقة أواللاحقة فإنها داخلة في تقوى الله تعالىٰ، وذلك أن لازم الحق حق، والوسائل لها أحكام المقاصد في نسخة: كذلك كل ما نهاهم عنه، فإنه أعطاهم من القوى والأسباب ما يمكنهم من البعد عنه ومن الحلال ما يستغنون به ).
وهـٰذه الآية لا تعارض قوله تعالىٰ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ سورة : آل عمران (102) . فإن الله جل وعلا في ذلك الموضع في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ بيّن ما يجب من التقوى، وأن الواجب على المؤمن أن يبلغ في تقواه ما يستحقه الله جل وعلا من التقوى، ثم جاء بيان أن هـٰذا التكليف على قدر الاستطاعة كسائر ما أمر الله به فقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ سورة : التغابن (16) أي اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية بقدر ما تسعه نفوسكم وما تقدر عليه نفوسكم، فلا تعارض بين الآيتين، كما اختار ذلك شيخ الإسلام رحمه الله وغيره من المحققين.
(ومن الآيات الجامعة في السياسة قوله تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ سورة : النساء (58) ، والآية التي بعدها).
طبعاً الشيخ في السياسة هنا يعني ما تصلح به شؤون الناس وتقوم به مصالح دنياهم، ليس مراده السياسة في الاصطلاح المعاصر، إنما المراد بالسياسة ما تستقيم به شؤون الناس وتحصل به مصالحهم الدنيوية.
(فالأمانات يدخل فيها أشياء كثيرة، من أجَلِّها: الولايات الكبيرة والصغيرة والمتوسطة، الدينية والدنيوية. فقد أمر الله أن تؤدى في نسخة: الأمانات إلى أهلها بأن يجعل فيها الأكْفاء لها، وكل ولاية لها أكْفاء مخصوصون. فهذا الطريق الذي أمر الله به في الولايات من أصلح الطرق لصلاح جميع الأحوال، فإنّ صلاح الأمور بصلاح المتولين والرؤساء فيها والمدبرين لها والعاملين لها في نسخة: عليها ، ويجب تولية الأمثل فالأمثل: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ ﴾ سورة : القصص (26). .
فصلاح المتولين للولايات الكبرى والصغرى عنوان صلاح الأمة، وضده بضده.
ثم أرشدهم في نسخة: الله إلى الحكم بين الناس بالعدل الذي ما قامت السماواتوالأرض إلا به، فالعدل قوام الأمور وروحها، وبفقده تفسد الأمور.(كلها، ويختل الميزان لكل شيء).
فنتائج الحرية الصحيحة أحسن النتائج، ونتائج الحرية الفاسدة أقبح النتائج، فالشارع فتح الباب للأُولى، وأغلقه عن الثانية، تحصيلاً للمصالح ودفعاً للمضار والمفاسد، والله أعلم).
وقد نبّه القرآن عليها في قوله تعالى في حفظ الصحة ودفع المؤذي:﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ سورة : الأعراف (31). ).
شرح القاعدة:
بسم الله الرحمـٰن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فهـٰذه القاعدة التي ذكرها المؤلف رحمه الله هي من الفوائد التي تُستفاد من القرآن، وهي ما يتعلق بأصول الطب.
وأصول الطب: أي قواعده التي ترجع إليها فروعه.
فأصول الشيء هو ما يرجع إليه غيره، والمراد بالطب هنا طب الأبدان، والقرآن لم يأت في الحقيقة لطبّ الأبدان، فإن هـٰذا تابع، وإنما جاء في الأصل لطب القلوب وإصلاحها، وأما طب الأبدان فهو تابع، ولكن مع هـٰذا فإن القرآن احتوى على الإشارة إلىٰ أصول طب البدن، وهو ما ذكره المؤلف رحمه الله من حفظ الصحة في قوله: (أصول الطب ثلاثة: حفظ الصحة باستعمال الأمور النافعة، والحمية عن الأمور الضارة، ودفع ما عرض للبدن من المؤذيات). ويستدل المؤلف رحمه الله أو يذكر ما في الكتاب من الإشارة إلىٰ هـٰذه الأصول الثلاثة.
:(وقد نبّوقد نبه القرآن عليها في قوله تعالى في حفظ الصحة ودفع المؤذي:﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ سورة : الأعراف (31). ،فأمر الله بالأكل والشرب اللذين لا تستقيم الأبدان إلا بهما).
(فأمر الله بالأكل والشرب اللذين لا تستقيم الأبدان إلا بهما، وأطلق ذلك ليدل على أن المأكول والمشروب بحسب ما يلائم الإنسان، وينفعه في كل وقت وحال).
ما معنى أطلق ؟ أي إنه لم يقيد بشيء، لم يقل كلوا كذا أو اشربوا كذا، بل أطلق الأمر بالأكل والشرب دون تقييده بشيء معين، فقال: ﴿وكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ سورة : الأعراف (31). .
(ونهى عن الإسراف في ذلك: إما بالزيادة في كثرة المأكولات والمشروبات، وإما بالتخليط (في المطعوم والأوقات) ، وهذا حمية عن كل ما يؤذي الإنسان. فإذا كان القوت الضروري من الطعام والشراب إذا صار في نسخة: يصير. بحالة يتأذى منه البدن ويتضرّر منع منه، فكيف بغيره؟).
( وكذلك أباح الله للمريض التيمم إذا كان استعمال الماء يضره، حمية له عن المضرات كلها).
وذلك في قوله تعالىٰ: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ سورة : النساء (43) ، المائدة (6). فأباح التيمم في هاتين الحالين:
· حال المرض.
· وحال السفر إذا فقد الماء.
(وأباح للمحرم الذي به أذى من رأسه أن يحلقه ويفدي، وهذا من باب الاستفراغ وإزالة ما يؤذي البدن، فكيف بما ضرره أكبر من هذا؟).
(ونهى عن الإلقاء باليد إلى التهلكة، فيدخل في ذلك استعمال كل ما يتضرر به الإنسان من الأغذية والأدوية، ودفع ما يضر بمدافعته الذي لم يقع، أوالتحرز عنه، وبمعالجة الحادث بالطريقة في نسخة: بالطرق. الطبية النافعة).
فصلاح البدن وقوته ونشاطه مع فساد القلب لا يغني عن صاحبه شيئاً؛ بل هو كما قال جل وعلا في المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾. فجمال في المظهر وحسن في المنطق؛ لكن بماذا شبههم؟ ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾ سورة : المنافقون (4).لم يطلق بأنها خشب؛ لأنّ الخشب قد ينتفع بها؛ بل قال: ﴿خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾يعني لا ينتفع منها ولا ينتفع بها ولا يحصل منها أي نفع للإنسان، هـٰذا هو وصف من صلح بدنه وفسد جوهره وقلبه، فالأصل كل الأصل في صلاح القلب، إذا صلح القلب فلا عليك؛ كل ما بعده يتبعه.