(يأمر الله بالتثبت وعدم العجلة في الأمور التي يخشى من سوء عواقبها، ويأمر ويحث على المبادرة على أمور الخير التي يخشى فواتها.
وهذه القاعدة في القرآن كثير:
قال تعالى في القسم الأول:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ سورة : النساء (94). ، وفي قراءة:﴿فتثبتوا﴾، وقال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ﴾ سورة : الحجرات (6). .
وقد عاتب في نسخة: عاب. الله المتسرعين إلى إذاعة الأخبار التي يخشى من إذاعتها، فقال تعالى:﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ سورة : النساء (83). ، وقال تعالى:﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ سورة : يونس (39). ، ومن هذا الباب:الأمر بالمشاورة في الأمور، وأخذ الحذر، وأن لا يقول الإنسان ما لا يعلم في نسخة: ليس له به علم. ، وفي هذا آيات كثيرة).
فهـٰذه الفائدة التي ذكرها المؤلف رحمه الله، وهي: أمر الله تعالىٰ المؤمنين بالتثبت وعدم العجلة في الأمور التي يخشى من عواقبها؛ أي يخشى مما تؤول إليه.
فالعاقبة هي ما يؤول إليه الأمر وينتهي، فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يأمر بالتثبت في كل ما يخاف ويحذر عاقبته.
والورطة: هي الدخول فيما لا يمكن الانفكاك منه، من عسير الأمر وصعبه.
ولذلك طالب الله جل وعلا وأمر عباده في هـٰذه الآية بالتبين والتثبت.
كذلك في الأخبار قال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾يعني بخبر وهو الخبر الذي يترتب عليه أمر ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ وفي قراءة ﴿فتثبتوا﴾ وعلل الله عز وجل الأمر بقوله: ﴿ أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)﴾ سورة : الحجرات (6). .
المثال الثالث الذي ذكره المؤلف هو ما يتعلق بالأخبار وإذاعتها، قال رحمه الله: (وقد عاتب المتسرعين إلىٰ إذاعة الأخبار التي يُخشى من إذاعتها) وهي ما يتعلق بأمر المؤمنين على وجه العموم، أو بأمر من يهم أمره أهل الإسلام؛ فإنه لا يجوز أن يشاع دون تثبت؛ كأن يُنقل عن عالم خبر أو عن حاكم خبر قبل أن يتثبت في هذا الأمر، وهل من المصلحة أن يذاع أو لا، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ﴾ يعني مما له عاقبة، سواء كان أمراً مما يسرّ به، أو مما تخشى عاقبته ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ أي نشروه وأفشوه بين الناس ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ﴾ هـٰذا في وجوده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ هـٰذا بعده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكذلك في وقته في غير حضرته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ يعني لعلمه أهل الفقه، والفقه هنا ليس فقط إدراك أحكام المسائل التفصيلية من أدلتها الشرعية، إنما الاستنباط هنا معناه النظر في عواقب الأمور، وهو أعلى من الفقه في مسائل الفروع؛ لأن الفقه درجات:
منه ما يتعلق بمعرفة أحكام الشرائع وأفعال العباد، وهـٰذا لا شك أنه من المهمات للمسلم.
أهم منه إدراك عواقب الأمور، ومعرفة سنة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في خلقه، فإن هـٰذا من غاية الفقه، وهو أعلى من الفقه في الأحكام التفصيلية.
ولذلك أمر الله عز وجل برد الأمر من الأمن أو الخوف مما يخشى عاقبته وتحذر مآلاته إلى أهل العلم؛ ليعرف هل من المناسب أن يذاع أو لا.
وقال تعالىٰ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾هـٰذا في وجوب عدم المبادرة إلىٰ رد ما لم تحط به علماً، وهـٰذا يتطلب أي شيء يا إخواني؟ يتطلب النظر فيما يرد عليه: فلا تكذبه ما لم تحط به علماً، ولا تبادر إلىٰ قبول ما لم تحط به علماً؛ بل الواجب إدراك الأمور بنظر ثاقب وعقل راجح؛ ليتوصل الإنسان إلىٰ الهدى فيما يعرض له.
يقول: (ومن هذا الباب) يعني من هـٰذا الباب الذي ندب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فيه عباده المؤمنين في القرآن إلىٰ عدم التعجل (الأمر بالمشاورة في الأمور، وأخذ الحذر، وأن لا يقول الإنسان ما لا يعلم، وفي هذا آيات كثيرة) والمقصود التمثيل ليدرك ما ذكره من قاعدة.
شرح القسم الثاني من القاعدة:
الحث على المبادرة على أمور الخير التي يخشى فواتها:
(وأما القسم الثاني:فكقوله:﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْض﴾ سورة : آل عمران (133). ، ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ سورة : البقرة (148). ، وقوله:﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ سورة : المؤمنون (61). ،وقوله:﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ سورة : الواقعة (10). ، أي:السابقون في الدنيا إلى الخيرات:هم السابقون في الآخرة إلى الجنات والكرامات. والآيات كثيرة في هذا المعنى.
وهذا (الكمال) الذي أرشد الله عباده إليه هو الكمال، هو أن يكونوا حازمين لا يفوتون فرص الخيرات، وأن يكونوا متثبتين خشية الوقوع في المكروهات والمضرّات.
ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون؟).
ومن ذلك قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الندب إلىٰ التعجل بأداء ما فرض الله إلىٰ الحج: ((حجوا قبل أن لا تستطيعوا أن تحجوا)). فإنه أمر بالحج، وعلل المبادرة إليه بعدم تمكن الإنسان من الحج: إما لتغير حاله، أو لمانع خارج عنه: إما بسبب مانع شخصي، أو مانع عام، مانع خاص أو مانع خارجي.
قال في الأول: (يأمر بالتثبت وعدم العجلة) والثانية قال: (ويحث على المبادرة إلى أمور الخير). وبهـٰذا نعرف الفرق بين العجلة والسرعة أيهما المحمود؟ السرعة، والعجلة ليست ممدوحة؛ مذمومة، والذي أمر الله جل وعلا به وحث عليه وأثنى على أهله هو المسارعة والمسابقة.
ما الفرق بينهما؟
الاستعجال: هو طلب الشيء قبل أوانه.
وأما المسارعة: فهي طلب الشيء في أول وقته.
وهـٰذا الفرق بينهما؛ ولذلك لا تمدح العجلة بل تذم؛ لأنها مطالبة بفعل الشيء قبل حلول وقته ومجيئه، بخلاف المسارعة فإنه مأمور بها؛ لكون المسارعة مبادرة إلىٰ ما أمر الله به ورسوله.
(عند ميلان النفوس أو خوف ميلانها إلى ما لا ينبغي، يذكرها الله ما يفوتها من الخير، وما يـحصل لها من الضرر بهذا الميل.
وهذا في القرآن كثير، وهو من أنفع الأشياء في حصول الاستقامة؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي المجرد لا يكفي أكثر الخلق في كفهم عما لا ينبغي، حتى يُقرن بذلك ما يفوت من المحبوبات التي تزيد أضعافاً مضاعفة على المحبوب الذي يكرهه الله، وتميل إليه النفس، وما يحصل من المكروه المرتب عليه.
كذلك قال تعالى:﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ سورة : الأنفال (28). ، فهنا لما ذكر فتنة الأموال والأولاد التي مالت بأكثر الخلق عن (طريق) الاستقامة، قال مذكراً لهم ما يفوتهم إن افتتنوا بها، وما يحصل لهم إن سلموا من فتنتها: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ سورة : الأنفال (28). .
وقال تعالى:﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ﴾ سورة : النساء (109). .
والآيات في هذا المعنى الجليل كثيرة جداًّ. فإذا بان للناظر أصلها وقاعدتها سهل عليه تنزيل كل ما يرد منها على الأصل المتقرر، والله أعلم).
هـٰذه القاعدة واضحة، وهي من حكمة التشريع: أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إذا أمر بأمر تميل إليه النفوس باعتبار الجبلّة والخِلقة مما عاقبته الضرر عليها في الدنيا والآخرة يذكر ذلك ويبين ما يفوت الإنسان من الخير بسببه.
فيكون الزاجر عن هـٰذا أمرين:
الأمر الأول: نهي الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
والأمر الثاني: ما يفوته من الخير؛ لأن الإنسان إنما يفعل ما يفعل رغبة في تحصيل الخير، فيبين له أن ما يحصله من الخير لا يقارن بما فاته من الخير الأبدي الثابت الباقي.
لماذا يقول هـٰذا؟ يذكر نفسه بأن الدنيا مهما كانت من الجمال والحسن والكمال والتمام من حيث التنعم فهي لا تقارَن بما أعده الله لعباده المؤمنين في الدار الآخرة.
فلا ينبغي للعاقل، ولا يحسن بصاحب الرّشد أن يُقبل على هـٰذه الدنيا؛ بل الواجب لمن نصح نفسه أن يبادر إلىٰ استدراك الهفوات، وإلى الاستكثار مما ينفعه في الدار الباقية.
وضرب لذلك أمثلة:
منها قوله تعالىٰ بعد نهيه عن خيانة الله ورسوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ والمراد بالفتنة أي سبب الزلل والخطأ، فإن المال والولد من أعظم ما يحصل به الافتتان لبني آم: المال استكثاراً، والولد مباهاة واستكثاراً أيضاً، فلما ذكر هاتين الفتنتين قال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. يعني من كف نفسه عن هـٰذه الفتن في الأموال والأولاد فإنه يكف نفسه عن متاع زائل، ويربط قلبه بما هو خير وأبقى، وأن الله عنده أجر عظيم يفوق ما يحصِّله الإنسان بهاتين الفتنتين فتنة المال والولد، وتدبر هـٰذا في آيات الكتاب يوقف الإنسان على شيء كثير من حكم هـٰذا القرآن وأسراره؛ لكن الأمر مغلق على كثيرين بسبب الغفلة عن التدبر: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)﴾ سورة : محمد (24). نعوذ بالله.
وذكر أيضاً مثالاً: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾يعني عن المنافقين؛ يعني عن الكفار والمعارضين لشرع الله ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يعني إذا كان هـٰذا يمكنكم في الدنيا فهو في الآخرة ممتنع، وإنما ذكر مجادلة الله في الآخرة لبيان مدى العقوبة التي تحصل للإنسان؛ لأن الإنسان لا يتمكن من ذلك يوم القيامة.
وهـٰذا نظير قول الله تعالىٰ: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ﴾ سورة : البقرة (279). فيمن أصرّ على أكل الربا ولم يتركه، فذكر الحرب بيان لعظم الذنب.
ومنه أيضاً قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الإلهي: ((من عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب أو بالمحاربة)) البخاري: كتاب الرقاق، باب التواضع، حديث رقم (6502). . فذاك دليل على عظم الجرم؛ لأنه لا يقوم شيء لرب العالمين الذي بيده الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله، ألا إلىٰ الله تصير الأمور.
وضرب مثالاً أيضاً بقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا﴾ يعني ما فيها من النعيم والزهرة ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ﴾ يعني وما يصيبه من هـٰذه مهما كان فإنه يفوِّت عليه ما في الآخرة؛ ولذلك قال: ﴿وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ هـٰذا نفي لكل حظ يكون في الآخرة، ما وجه نفي أي حظ في الآخرة من هـٰذه الآية؟ وجه ذلك نكرة في سياق النفي فتعم؛ لأن ﴿نَصِيبٍ﴾ نكرة وجاء في سياق النفي، النفي هنا ظاهر أو نص؟ نص؛ لأنه سبق بمن التي تفيد التنصيص على العموم.
أيضاً قال الله تعالىٰ: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ﴾ أي المكذبين للرسل، والمتاع يذكر في القرآن غالباً في مواضع التنعم المذموم، فالمتاع هنا هو التنعم المذموم بفعل المحرمات وترك الواجبات. ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾ سنين مديدة متوالية، ﴿ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ إما بالموت أو بالعقوبة ﴿ما أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ يعني ما الذي ينفعهم، وما الذي يحصل لهم بسبب ذلك التنعم؟ لا يحصل لهم شيء ولا يغني عنهم شيء، وهـٰذا يوجب عدم الاغترار بما مكن الله عز وجل العبد منه في هـٰذه الدنيا، فإنه يأتي في يوم القيامة فرداً، ويترك كل ما خوله الله عز وجل من المناصب والأموال والأنساب والجاه خلف ظهره، ولا يقدم على الله إلا بعمله.
نسأل الله عز وجل حسن العمل.
وجه ذلك أن ما كانوا قد حصلوه في الدنيا لم يكن سبباً لفوزهم بالآخرة؛ بل كان سبباً لفوات الخير الأعظم في الآخرة.
وهذه القاعدة من أعم القواعد، فإن القرآن يكاد يكون كله داخلاً تحتها، فإنّ الله أمر بالصلاح في آيات متعددة والإصلاح، وأثنى على الصالحين والمصلحين في آيات أخر.
والصلاح:أن تكون الأمور كلها مستقيمة معتدلة في نسخة: آخذة سبيلها الذي سنه الله. مقصوداً بها غاياتها في نسخة: غايتها. الحميدة، التي قصد الله إليها. فأمر الله بالأعمال الصالحة وأثنى على الصالحين؛ لأن أعمال الخير تصلح القلوب والإيمان، وتصلح الدين والدنيا والآخرة، وضدها فساد هذه الأشياء، وكذلك في آيات متعددة فيها الثناء على المصلحين ما أفسد الناس، والمصلحين بين الناس،والتصالح فيما بين المتنازعين، وأخبر على وجه العموم أن الصلح خير.
فإصلاح الأمور الفاسدة:السعي في إزالة ما تحتوي عليه من الشرور والضرر العام والخاص.
ومن أهم أنواع الإصلاح:السعي في إصلاح أحوال المسلمين في إصلاح دينهم ودنياهم، كما قال شعيب:﴿إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ سورة : هود (88). ، فكل ساعٍ في مصلحة دينية أو دنيوية،للمسلمين فإنه مصلح، والله يهديه ويرشده ويسدده، وكل ساعٍ بضد ذلك فهو مفسد، والله لا يصلح عمل المفسدين.
ومن أهم في نسخة: ما حث الله عليه. ما يكون أيضاً: السعي في الصلح بين المتنازعين،كما أمر الله بذلك في الدماء والأموال والحقوق بين الزوجين، والواجب أن يُصلح بالعدل، ويُسلك كل طريق توصل إلى الملاءمة بين المتنازعين، فإن آثارالصلح بركة وخير وصلاح، حتى إن الله تعالىٰ أمر المسلمين إذا جنح الكفار الحربيون إلى المسالمة والمصالحة أن يوافقوهم على ذلك متوكّلين على الله.
وأمثلة هذه القاعدة لا تنحصر، وحقيقتها:السعي في الكمال الممكن حسب القدرة بتحصيل المصالح أو تكميلها، أو إزالة المفاسد والمضارأو تقليلها:الكلية منها والجزئية، المتعدية والقاصرة، والله أعلم).
الحقيقة أن هـٰذه القاعدة هي لب الإسلام، وعليها تدور رَحى آيات القرآن، فلا آية في كتاب الله إلا والمراد بها الإصلاح؛ الصَّلاح والإصلاح.
والصلاح كما قال رحمه الله: (فإصلاح الأمور الفاسدة:السعي في إزالة ما تحتوي عليه من الشرور والضرر العام والخاص)؛ لأنّ الضرر والشر يكون عامّاً وهـٰذا ما يتعلق بالأمة جميعها، ويكون خاصّاً وهو ما يتعلق بالفرد أو بالمجموعات الخاصة.
والشريعة جاءت بالصلاح والإصلاح؛ ولذلك من القواعد المقررة هو ما ختم به المؤلف رحمه الله هـٰذه القاعدة من أن الشريعة جاءت لتحصيل المصالح من كل وجه وتكثيرها، وهو معنى قوله: (وتكميلها) وتعطيل المفاسد وتقليلها، وكلا الأمرين الأول والثاني هو في الحقيقة صلاح وإصلاح.
ولذلك هـٰذه الأمة أمة مرحومة بهذه الشريعة المباركة، وهي خير الأمم وأعظمها سعياً في الإصلاح، وكل من وصفها بغير ذلك فإما جاهل أو مستكبر.
ولذلك ينبغي أن يُبرز هـٰذا الجانب العظيم في شريعة الإسلام، وهو أنها شريعة صلاح وإصلاح.
ولذلك وصف الله عز وجل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنه رحمة فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (107)﴾ سورة : الأنبياء (107). . والرحمة لا يمكن أن يأتي منها فساد، وقد قال الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (128)﴾ سورة : التوبة (128). . وهـٰذا لا يمكن أن يتصور أن يكون منه شر أو فساد؛ بل ليس منه إلا الإصلاح.
وإدراك هـٰذه الأمور وإظهارها من واجبات طلبة العلم في هذا الوقت، لا سيما هـٰذا الوقت، وإن كان واجباً في كل وقت؛ لكن في هـٰذا الوقت لأن الدعاية على أهل الإسلام كثيرة التي تشوهه وتطلب المعايب وتنبّش عن العيوب فيه أو في أتباعه.
أما فيه: فهم خائبون خاسرون؛ لأنه: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ سورة : فصلت (42). . فهو المحكم الذي لا فساد فيه ولا عيب ولا نقص، مهما ادّعى المدعون.
وأما في أتباعه فالقصور في أتباعه، لكن مع أن أتباعه فيهم قصور؛ لكن القصور الذي فيهم إذا وازنَّاه بالقصور الذي في غيرهم وجدناه شيئاً يسيراً لا يقارن بما عند غيرهم من أهل الملل، من أهل الكتاب ومن غيرهم، ولذلك كانت هـٰذه الأمة في مجموعها مصطفاة، قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ ثم أتى التفصيل فماذا قال؟ قال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾. وهؤلاء جميعاً مصطفَوْن، حتى الظالم لنفسه، وهـٰذا يبين لنا منزلة هـٰذه الأمة، وعظيم ما منَّ الله به علينا.
إما أن يوجه إلى من لم يدخل فيه، فهذا أمر له بالدخول فيه.
وإما أن يوجه لمن دخل فيه، فهذا أمر به ليصحح ما وجد منه، ويسعى في تكميل ما لم يوجد منه في نسخة: فيه. .
وهذه القاعدة مطردة في جميع الأوامر القرآنية:أصولها وفروعها.
فقوله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا﴾ سورة : النساء (47). ، من القسم الأول.
وقوله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ سورة : النساء (136). ، من الثاني والثالث، فإنه أمرهم بما يصحح ويكمل إيمانهم من الأعمال الظاهرة والباطنة، وكمال الإخلاص فيها، ونهاهمعما يفسدها وينقصها.
وكذلك أمره للمؤمنين أن يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويصوموا رمضان أمرٌ بتكميل ذلك، والقيام بكل شرط ومكمِّل لذلك العمل، والنهي عن كل مفسد ومنقّص لذلك العمل.
وكذلك أمره لهم بالتوكل والإنابة ونحوها من أعمال القلوب هو أمر بتحقيق ذلك، وإيجاد ما لم يوجد منه.
وبهذه القاعدة نفهم جواب الإيراد الذي يورد على طلب المؤمنين من ربِّهم الهداية إلى الصراط المستقيم، و في نسخة: مع أن. الله قد هداهم إلىٰ الإسلام!!.
جوابه:ما تضمنته هذه القاعدة.
ولا يقال:هذا تحصيل للحاصل.
فافهم هذا الأصل الجليل النافع، الذي يفتح لك من أبواب العلم كنوزاً، وهو في غاية اليسر والوضوح في نسخة: لمن تفطن. ).
شرح القاعدة:
ملخص هـٰذه القاعدة ما ذكره في ترجمتها قال: (ما أمر الله به في كتابه)
أولا: إن وجه إلى من لم يدخل فيه:
قال: (إما أن يوجه إلى من لم يدخل فيه):
كالآيات التي خاطب الله فيها أهل الكتاب، أو التي خاطب فيها الناس عموماً، فإن خطابه للناس عموماً يشمل المسلم والكافر: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾ سورة : يونس (57). هـٰذا خطاب لجميع الناس المؤمن والكافر.
فهـٰذا الخطاب العام للمؤمن والكافر أو لمن لم يدخل في الإسلام هو طلب لدخول هٰؤلاء فيما أمروا به، وهـٰذا واضح ولا إشكال فيه.
ثانيا إن وجه إلى من يدخل فيه, وبيان ما يفيد:
مثال الثاني أو القسم الثاني: هو توجيه الخطاب لمن اتصف به، كالآيات التي وجه فيها الخطاب للمؤمنين وأمرهم فيها مثلاً بالإيمان، أو للمتقين، أو ما أشبه ذلك من الآيات التي هي من لوازم الإيمان أو هي منه، فهل هـٰذا تحصيل حاصل كما أشار الشيخ رحمه الله أو أنها تتضمن أمراً؟ الجواب: تتضمن أمراً زائداً، فهي تفيد أمرين:
الأمر الأول: وجوب الثبات على هـٰذا الوصف: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ﴾ سورة : النساء (136).هـٰذا أمر بالثبات على الإيمان.
والثاني: التكميل والزيادة.
أشار الشيخ رحمه الله إلىٰ أمر آخر وهو الطلب -طلب ما هو موجود أصله- كطلب الهداية من الله من أهل الهداية، كل المسلمين يقولون في صلاتهم: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (6)﴾ سورة : الفاتحة (6).ما فائدة هـٰذا الطلب؟ هل هو طلب لموجود فيكون تحصيل حاصل؟ الجواب: لا، هو طلب زيادة موجود وتكميله، ولذلك يستدل بهذه الآية على أن الهداية لا منتهى لها، وفوق كل هداية هداية، ولذلك لا ينقطع الإنسان عن طلب الهداية؛ لأنه لا درجة ينتهي بها المقام ويقول: قد بلغت وانتهى الأمر؛ بل هـٰذه الآية من الأدلة الدالة على أن فوق كل هداية هداية، وفوق كل صلاح صلاحاً، وهـٰذا يوجب للإنسان أن يبذل الجهد في تحقيق ما دعا به وهو الهداية والصلاح، ولذلك قال رحمه الله: (فافهم هذا الأصل الجليل النافع، الذي يفتح لك من أبواب العلم كنوزاً). صحيح يفتح للإنسان كنوزاً؛لأنه يعلم بذلك أنه ليس هناك حد ينتهي إليه في الصلاح والإيمان دعوة وعملاً، دعوة يعني دعوة الناس في توجيههم وأمرهم، لا تقل خلاص هٰؤلاء حققوا الإيمان ولا حاجة إلىٰ الدعوة ننتهي عن الحديث، بل مُر بالمعروف وذكر بالخير حتى أهل الخير يكن في ذلك خير لك وخير لهم.