القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن

من وحتى

عداد المشاهدات : 129

التاريخ : 2026-06-06 07:03:31

  

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

(القاعدة السابعة والأربعون

السياق الخاص يراد به العام: إذا كان سياق الآيات في أمور خاصة، وأراد الله أن يحكم عليها، وذلك الحكم لا يختص بها،  بل يشملها ويشمل غيرها،  جاء الله بالحكم العام.

وهذه القاعدة من أسرار القرآن وبدائعه، وأكبر دليل على إحكامه وانتظامه العجيب.

وأمثلة هذه القاعدة كثيرة:

منها: لما ذكر الله المنافقين وذمَّهم، واستثنى منهم التائبين، فقال: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾  سورة : النساء (146).   ،  فلما أراد الله أن يحكم لهم بالأجر لم يقل: وسوف يؤتيهم أجراً عظيماً، بل قال: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146)  سورة : النساء (146).   ،   ليشملهم وغيرهم من كل مؤمن، ولئلا يظن اختصاص الحكم بهم).

 

شرح القاعدة:

هـٰذه القاعدة قاعدة مفيدة كما قال المؤلف رحمه الله، وتتكرر كثيراً في كلام الله جل وعلا؛ وذلك أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في بعض الآيات يذكر قضايا خاصة، ثم يعقِّبها -في ذكر الأجر والجزاء، أو في ذكر ما يتعلق بتلك الحادثة، أو بتلك القصة أو بتلك القضية- يذكرها على وجه العموم؛ ليشمل تلك الحادثة وغيرها.

 

    

مثال للقاعدة مع التائبين, وبيان فوائد التعميم:

 ومن ذلك ما مثل به رحمه الله في قول الله تعالىٰ في المنافقين: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾  سورة : النساء (146).  ، ثم قال: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾. فأثبت أنهم مع المؤمنين، ثم عقّب في الحكم فقال: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ وهـٰذا عام لهم ولغيرهم، فائدة هـٰذا التعميم ما ذكره المؤلف رحمه الله: (ليشملهم) يعني ليشمل الحكم المذكورين في الآية (ويشمل غيرهم)؛ لأن الإيمان لا يقتصر على هـٰذا الوصف فقط، على هـٰذا وغيره، هـٰذه فائدة من فوائد التعميم.

من فوائد التعميم أيضاً: الحكم عليهم، إثبات الوصف لهم، فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قال: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ فعلم بهذا أن أولئك من المؤمنين الموعودين بهذا الفضل العظيم، فائدة التعميم إضافة إلىٰ ما ذكر الحكم على أولئك.

وأيضاً من فوائده بيان أن تلك الخصال من خصال الإيمان في هذا السياق، فهـٰذه كلها من فوائد التعميم، والقرآن أسراره لا تنقضي وعجائبه لا تنتهي؛ لكن يحتاج إلىٰ تدبر للتوصل إليها.

 

    

 

 ثم ذكر مثالاً ثانياً فقال: (ولما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾  سورة : النساء (150).  ،  إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾  سورة : النساء (151).   .

 لم يقل: وأعتدنا لهم؛  للحكمة التي ذكرناها، ومثله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا﴾  سورة : الأنعام (64).   ، أي: هـٰذه الحالة التي وقع السياق لأجلها ﴿وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾  سورة : الأنعام (64).    ).

في قوله تعالىٰ: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ (64)﴾، فقوله: ﴿وَمِن كُلِّ كَرْبٍ تعميم لكل ما يطلب النجاة منه.

هـٰذه القاعدة واضحة؛ لكن ينبغي لقارئ كتاب الله عز وجل أن يستصحبها معه ليستفيد من تطبيقاتها، فعند النظر وتلمس الفوائد في الآيات لتكن معك هـٰذه حتى تستطيع أن تعمم النص وتستفيد منه بأكبر قدر ممكن.

 

 

 

 

    

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

(القاعدة الثامنة والأربعون

متى علّق الله علمه بالأمور بعد وجودها،  كان المراد بذلك العلم الذي يترتب عليه الجزاء)

 

شرح القاعدة:

تفصيل هـٰذه القاعدة أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذكر وصف العلم بالنسبة له:

·       مطلقاً عامّاً.

·       وذكره أيضاً مقيداً بما سيكون.

·       وذكره أيضاً متعلقاً بالشيء بعد وجوده.

فالعلم يتعلق بالمعلوم قبل وجوده، وبالمعلوم بعد وجوده.

تعلق علم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بالأشياء قبل وجودها لا إشكال فيه، فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يعلم الشيء قبل وجوده، فهو سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بكل شيء عليم، يشمل علمه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كل شيء قبل وجوده.

 

فما فائدة ذكر علمه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى العلم متعلقاً بالشيء بعد وجوده، كقوله تعالىٰ: ﴿إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ  سورة : البقرة (143).   ، وما أشبه ذلك مما ذكر فيه العلم لأشياء بعد الوجود؟

فمن العلماء من قال: إن العلم الذي ذكره الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بعد وقوع الأشياء إنما هو علم الظهور والجزاء؛ يعني العلم الذي يترتب عليه الثواب والعقاب، وهـٰذا معنى قول المؤلف رحمه الله: (متى علق الله علمه بالأمور بعد وجودها، كان المراد بذلك العلم الذي يترتب عليه الجزاء) من ثواب وعقاب، واضح؟

هـٰذا هو الوجه الذي يسير عليه أكثر المفسرين، فيحملون تلك الآيات التي فيها الخبر بتعلق علم الله بالأشياء بعد وجودها على أنه علم الظهور؛ يعني ظهور حقيقة ما أخبر الله أو علم كونه، وهو الذي يترتب عليه الجزاء من ثواب وعقاب.

اقرأ القاعدة وسنذكر قولاً آخر إذا لم يذكره الشيخ رحمه الله.

 

    

دليل القاعدة:

 (وذلك أنه قد تقرر في الكتاب والسنة والإجماع أن الله بكل شيء عليم، وأن علمه محيط بالعالم العلوي والسفلي،  والظواهر والبواطن، والجليات والخفيات، والماضي والمستقبل).

بهذا نعلم أن صفة العلم من أوسع الصفات تعلقاً، فهي تتعلق بكل شيء، من أوسع صفات الله عز وجل تعلقاً صفة العلم، تتعلق بكل شيء: بالماضيات والمستقبلات والحاضرات، وتتعلق بالممكنات والممتنعات والواجبات، تتعلق بالظواهر والخوافي، تتعلق بكل شيء، المهم أنها من أوسع الصفات تعلقاً؛ لأنها تتعلق بكل شيء.

وهـٰذا أمر مجمع عليه، دل عليه الكتاب والسنة، وأجمع عليه سلف الأمة، ودل عليه العقل؛ لأنه من صفات الكمال التي تجب له سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

(وقد علم ما العباد عاملون قبل أن يعملوا الأعمال.

 وقد ورد عدة آيات يخبر بها أنه شرع، أو قدر كذا؛ ليعلم كذا.

فوجه هذا: أن هذا العلم الذي يترتب عليه الجزاء. وأما علمه بأعمال العباد وما هم عاملون قبل أن يعملوا، فذلك علم لا يترتب عليه الجزاء؛ لأنه إنما يجازي على ما وُجد من الأعمال،  وعلى هذا الأصل نزِّل ما يرد عليك من الآيات، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْب﴾ سورة : المائدة (94).  ، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾  سورة : البقرة (143).  ، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾  سورة : الحديد (25).  ، وقوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾  سورة : العنكبوت (11).   ، وقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً﴾  سورة : العنكبوت (11).  .

وما أشبه هذه الآيات كلها على هذا الأصل) .

 

    

 

 القول الثاني في هـٰذه الآيات التي فيها إخبار الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بعلمه بالأشياء: أن علمه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يتعلق بالشيء قبل وجوده، ويتعلق بالشيء بعد وجوده، وتعلق علمه بالشيء بعد وجوده غير تعلق علمه بالشيء قبل وجوده.

وهـٰذه مسألة قد لا يدركها كثير من الناس .

الآن علمنا بأن غداً الجمعة هـٰذا قبل وقوعه، أليس كذلك؟ إذا جاء يوم الجمعة وعلمناه أنه يوم الجمعة، علمنا به تعلق بعد وجوده، هل هـٰذا العلم الذي بعد الوجود هو العلم السابق؟ لا، علم آخر، وهـٰذا هو معنى هـٰذه الآيات التي فيها إثبات علم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أو تعليق علم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بالشيء بعد وجوده، فهو علم آخر متجدد؛ لكنه علم لا يعارض العلم السابق؛ بل يصدِّق العلم السابق.

وهـٰذا القول اختاره شيخ الإسلام رحمه الله وقال: إنه واضح يدل عليه كتاب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وهو أن تعلق علم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بالأشياء على هذين الوجهين، وأن العلم الثاني ليس كالعلم الأول من حيث التعلق، أما من حيث المطابقة فهو هو؛ لأن علم الله جل وعلا لا يختلف، بمعنى أن ما قضاه وعلم كونه فلا بد أن يكون كما علمه.

˜˜¹™™

    

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

(القاعدة التاسعة والأربعون

إذا منع الله عباده المؤمنين شيئاً تتعلق به إرادتهم، فتح لهم باباً أنفع لهم منه وأسهل وأولى.

وهذا من لطفه، قال تعالى: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾  سورة : النساء (32).  ، فنهاهم عن التمني الذي ليس  في نسخة: تمني ما ليس.   بنافع، وفتح لهم أبواب الفضل والإحسان، وأمرهم أن يسألوه  في نسخة: بلسان المقال و.   بلسان المقال وبلسان الحال.

ولما سأل موسى عليه السلام ربَّه الرؤية حين سمع كلامه، ومنعه الله منها، (وبلسان المقال) سلاه بما أعطاه من الخير العظيم، فقال: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾  سورة : الأعراف (144).  ، وقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾  سورة : البقرة (106).  ، وقوله: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ﴾  سورة : النساء (130).   ، وفي هذا المعنى آيات كثيرة).

شرح القاعدة, وبيان أنواع المنع القدري , والشرعي:

هـٰذه القاعدة مفيدة جدّاً، وهي قاعدة في الحقيقة لتربية النفوس وإشغالها بما ينفع، يقول رحمه الله: (إذا منع الله عباده المؤمنين شيئاً) والمنع هنا إما أن يكون منعاً قدريّاً أو شرعيّاً: فيشمل المنع القدري بأن يمنع الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وقوع ذلك قدراً، والمنع الشرعي بأن يحرمه عليهم ويمنعه منهم، وذلك مما تتعلق به نفوسهم وإراداتهم، فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (فتح لهم باباً أنفع لهم منه وأسهل وأولى) فجمع الباب المفتوح إزاء الباب المغلق النفع والسهولة والأولوية.

 

    

 

 ومثّل لذلك بعدة آيات منها قوله تعالىٰ: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فنهى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هنا عن تمني ما حصل به فضل بعضنا على بعض بما لا يمكن تحصيله من المفضول، فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فضل الرجال على النساء بأشياء، فلو أن النساء جلسن يتمنين ما فضل به الرجال لاشتغلن بما لا يمكن إدراكه وفاتهن خير كثير؛ لذلك قال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ثم وجّه قال: ﴿وَاسْأَلُوا اللّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ سورة : النساء (32). وهـٰذا اجعله منك على بال في كل أمر يصعب عليك إدراكه: أن الفضل بيده سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فاسأله منه، فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بيده الخير، وإذا لجأ إليه العبد صادقاً في تحصيل الفضل والخير فإنه لا يرده سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ بل يعطيه ما سأل أو يعطيه خيراً مما سأل.

 

مثال آخر في قصة سؤال موسىٰ عليه السلام رؤية الله :

كذلك في قصة سؤال موسىٰ عليه السلام رؤية الله عز وجل: فإنه لما سأل رؤية ربه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وقال له الله جل وعلا: ﴿انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا﴾  سورة : النساء (32).  . بعد ذلك أخبره الله جل وعلا، بعد أن أفاق وتاب وأخبر بأنه مؤمن، أقر بأنه أول من آمن به ولو لم يره، قال له الله جل وعلا مسلياً على الطلب السابق: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَهـٰذا بيان المنن التي اختصه بها ﴿اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِيفذكر وجه الاصطفاء بأن جعله من المرسلين، وهـٰذا يشاركه فيه غيره من الرسل، ﴿وَبِكَلامِي هـٰذا اختص به دون غيره من الرسل، ولذلك كان موسىٰ عليه السلام من وصفه الخاص به أنه كليم الله، وذلك أن الله ابتدأ الرسالة إليه بتكليمه، بخلاف غيره من الرسل، فإن ابتداء الرسالة كان بطريق الرسول الملكي جبريل، أما موسىٰ عليه السلام فخاصيته من هـٰذه الجهة أن الله ابتدأ إليه الإرسال بالتكليم مباشرة دون واسطة؛ ولذلك يسمى كليم الله، وإن كان بقية الرسل بعضهم من حصل له الفضل بتكليم الله، كنبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ليلة الإسراء؛ لكن الذي اختص به موسىٰ أن تكليمه لربه كان في ابتداء الرسالة.

﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَمن الوحي ومن الفضل، ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ لهذه النعم التي مننت بها عليك؛ يعني ولا تشغل نفسك بما لا يمكن تحصيله وإدراكه، وهو طلب الرؤية في الدنيا.

 

    

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

(القاعدة الخمسون

آيات الرّسول هي التي يبديها الباري ويبتديها

وأما ما أبداه المكذِّبون له واقترحوه،  فليست آيات، وإنما هي تعنُّتات وتعجيزات).

    

 

 الآيات جمع آية، والآية هي العلامة الدالة على صدق الشيء.

 

    

 

وآيات الرسول نوعان:

آيات شرعية: ومن أعظمها القرآن.

وآيات قدرية خلقية: وهي كثيرة جرت في عهده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من انشقاق القمر، وجريان الماء من يديه، وتسبيح الحصى بين يديه، وغير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على صدقه.

فآيات الرسول أي الآيات الدالة على صدقه.

 

    

 

 أيها أعظم: الآيات الشرعية أو الآيات القدرية؟ الآيات الشرعية أعظم، ولذلك أبقى الله الآية الشرعية، ولم يُبق لنا آيات كونية، ما بقي انشقاق القمر بعد موته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، انشقاق القمر آية لمن أدركه؛ لكن الآية العامة التي وُجهت لكل أحد ويستفيد منها كل أحد هي الآية الباقية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ  سورة : الحجر (9). . وقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مصرِّحاً بهذا: ((ما من نبي إلا أوتي ما على مثله آمن البشر، وكان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً))  البخاري: كتاب الفضائل، باب كيف نزل الوحي؟ وأول ما نزل، حديث رقم (4981) ومسلم: كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى جميع الناس، حديث رقم (152). . فهـٰذا فيه بيان أن أعظم آياته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو القرآن العظيم ولا إشكال؛ بل إنّ القرآن أعظم آيات الأنبياء جميعاً، فالقرآن الكريم أعظم آية -وهي المعجزة، تسمى على لسان كثير من المتأخرين المعجزة-.

 

 

    

 

يقول المؤلف رحمه الله: (آيات الرسول هي التي يبديها الباري ويبتديها) يعني بدون طلب، إنما تأتي منه ابتداء، كما جرى للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في انشقاق القمر، وفي تسبيح الحصى بين يديه، ونبع الماء من بين أصابعه، وغير ذلك.

وأما ما أبداه المكذبون له واقترحوه عليه، فليست آيات، إنما هي في الحقيقة تعجيزات وتعنتات، لا يقصدون بها الإيمان، إنما يقصدون بها التعجيز لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والعنت هو المشقة وإلحاق العجز به، هـٰذا معنى (وإنما هي تعنُّتات وتعجيزات).

كل آية للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهي دالة على صدقه وصدق جميع الرسل:

(وبهذا يعرف الفرق بينها وبين الآيات:وهي البراهين والأدلة على صدق الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وغيره من الرسل، وعلى صدق كل خبر أخبر الله به، وأنها الأدلة والبراهين التي يلزم من فهمها على وجهها صدق ما دلّت عليه ويقينه).

هـٰذه فائدة مهمة أشار إليها الشيخ رحمه الله: أن كل آية للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهي دالة على صدقه وصدق جميع الرسل الذين أخبر بهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأن خبره صدق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3)  سورة : النجم (3).   . أيضاً كل آية أتى بها صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهي تدل على صدقه في ذلك الخبر المقارن وفي جميع ما أخبر به، وهذان أمران أشار إليهما في قوله رحمه الله: (والأدلة على صدق الرسول وغيره من الرسل، وعلى صدق كل خبر أخبر الله به). فليست آية فقط تختص بالخبر المقارن لتلك الآية؛ بل هو دليل على صدقه في كل ما أخبر به.

(وبهذا المعنـى الحديث: ((ما أرسل الله من رسول إلا أعطاه من الآيات ما على مثله آمن البشر)). 

 

    

 

(وأما ما آتى الله محمداً صلى الله عليه وسلم من الآيات فهي لا تحد ولا تعد من كثرتها وقوتها ووضوحها -ولله الحمد- فلم يبق لأحد من الناس بعدها عذر.

فعلم بذلك أن اقتراح المكذبين لآيات يعينونها ليست من هذا القبيل، وإنما مقصودهم بهذا أنهم وطنوا أنفسهم على دينهم الباطل وعدم اتباع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

فلما دعاهم إلى الإيمان وأراهم شواهد الآيات أرادوا أن يبرروا ما هم عليه عند الأغمار والسفهاء، بقولهم: ائتنا بالآية الفلانية والآية الفلانية إن كنت صادقاً، وإن لم تأت بذلك فـإننا لا نصدقك، فهذه طريقة لا يرتضيها أدنى منصف، ولهذا يخبر تعالى أنه لو أجابهم إلى ما طلبوا لم يؤمنوا؛ لأنهم وطّنوا أنفسهم على الرضا بدينهم بعدما عرفوا الحق ورفضوه.

وأيضاً فهذا من جهلهم في الحال والمآل.

أما الحال: فإن هذه الآيات التي تقترح وتعين  في نسخة: التي يقترحونها.    جرت العادة أن المقترحين لها لم يكن قصدهم الحق، فإذا جاءت ولم يؤمنوا عوجلوا بالعقوبة الحاضرة.

وأما المآل: فإنهم جزموا جزماً لا تردد فيه أنها إذا جاءت آمنوا وصدّقوا. وهذا قلب للحقائق،  وإخبار بغير الذي في قلوبهم، فلو جاءتهم في نسخة: كل آية اقترحوها.  لم يؤمنوا إلا أن يشاء الله تعالى).

طيب، هـٰذا الكلام الأخير مهم، يقول رحمه الله: (ولهذا يخبر تعالىٰ أنه لو أجابهم إلىٰ ما طلبوا لم يؤمنوا؛ لأنهم وطنوا أنفسهم على الرضا بدينهم بعدما عرفوا الحق ورفضوه). أما هـٰذا ففي قوله تعالىٰ: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللّهِ أي هو الذي يأتي بها ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ يعني ما يعلمكم ﴿أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ (109) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110)﴾  سورة : الأنعام (109-110). ​​​​​​​  .

 

·       وهـٰذا فيه التشنيع على من طلب الآيات:

 وهو واضح في كلام الشيخ رحمه الله في قوله: (وأيضاً فهذا من جهلهم في الحال والمآل.

أما في الحال: فإن هـٰذه الآية التي تقترح وتعين جرت العادة أن المقترحين لها لم يكن قصدهم الحق)، وهـٰذا لتتبع واستقراء حال الطالبين لآيات من الرسل، قال: (فإذا جاءت ولم يؤمنوا عوجلوا بالعقوبة الحاضرة). وهـٰذا مما جرت عليه سنة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: أنه إذا طلب قوم آية تدل على صدق رسوله فأجيبوا وجاءت الآية ثم لم يؤمنوا بها، فإن عاقبتهم تعجيل العقوبة؛ وذلك لأن كذبهم قد ظهر وانقطعت حجتهم، ولا فائدة في إمهالهم؛ لأنهم مصرون على هـٰذه الحال القبيحة السيئة، وهي معاندة الرسل ومطالبة الآيات وعدم التسليم لها.

قال: (وأما المآل) يعني عاقبة الطلب الذي طلبوه (فإنهم جزموا جزماً لا تردد فيه أنها إذا جاءت آمنوا وصدّقوا) وقد يقسمون كما قال الله عز وجل في الآية التي تلوناها قبل قليل: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ يعني كل ما يستطيعون ويقدرون عليه من الأَيْمان ﴿لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا وهم لا يعلمون ما يكون في المستقبل، لا سيما وأن قلوبهم منتكسة وأفئدتهم قد عميت عن الحق، فإنه لا يؤمن وفاؤهم بما عاهدوا الله عليه من الإيمان إذا جاءت الآيات (أنها إذا جاءت آمنوا وصدقوا. وهذا قلب للحقائق، وإخبار بغير الذي في قلوبهم، فلو جاءتهم لم يؤمنوا إلا أن يشاء الله).

 

    

 

(وهذا النوع ذكره الله في كتابه عن المكذبين في آيات كثيرة جدّاً، كقولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ الآيات  سورة: الإسراء (90-93).   ).

الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طلبوا منه آيات معجزة ليستدلوا بها على صدقه؛ ولكنهم لم يجابوا إلىٰ ذلك؛ رحمة من رب العالمين بهم؛ لأنهم لو أجيبوا ولم يؤمنوا لهلكوا؛ لكن الله لم يجبهم مع أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جاء من الآيات ما هو أعظم مما اقترحوه، والثانية:

(وقوله:﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً﴾  سورة : الأنعام (111).  إلى آخرها).

ما هو آخرها؟ ﴿مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111). وهـٰذه الآية فيها بيان عن هٰؤلاء أنه لو جاءهم ما اقترحوه من الآيات ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ التي طلبوها ﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى أي بعثنا الأموات من آبائهم الذين قالوا: أحيوهم لنرى هل لقوا ما تقولون من جزاء أم لم يلقوا ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً﴾ يعني جئناهم بكل آية غير الملائكة والموتى﴿مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا وهـٰذا دليل على تمكّن الكفر ﴿مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ يعني الإيمان ليس سببه هـٰذه الآيات، إنما الإيمان سببه منة من رب العالمين يمن بها على من يشاء.

ولذلك أبو بكر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لما أتى قومه-أهل مكة-  فرحين بخبر الإسراء يريدون أن يوقعوا الشك في قلبه: إن محمداً يقول: إنه أسري به إلىٰ بيت المقدس ورجع في ليلة. فماذا قال؟ قال: إن كان قد قالها فقد صدق، إني أصدقه في أكبر من هذا. وهـٰذا دليل على صدق الإيمان ورسوخه ﴿وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ الخطاب: إما في حق المؤمنين الذين طمعوا أن يأتي النبي بالآيات المقترحة، أو الخطاب في حق الكفار الذين اقترحوا هـٰذا، وهم في الحقيقة يجهلون أنه لو جاءتهم لما آمنوا ولما استقاموا، ويجهلون أيضاً عاقبة هـٰذه الاقتراحات، وهي أن الله يعجل لهم العقوبة. قولان للمفسرين في ختام هـٰذه الآية.

 

    

 ( في نسخة: وأيضاً إن اقتراحهم هذا ينادي صريحاً بأنهم ينسبون إلى الله العجز والعبث، إذ إنه أرسل رسولاً لم يؤيده بالآيات الكافية في الدلالة على صدقه، ولم يعطه من البراهين والحجج ما يبطل دعاوى خصمه. وهذا ينافي الحكمة، ولا يتفق مع الغرض الذي من أجله أرسل الله رسوله. وهذا أعظم كفراً وإجراماً وأشد من شركهم وفسوقهم،  وما كان يتولى كبره منهم إلا السادة الرؤساء الذين تبين لهم صدق الرسول بدون أي خفاء،  ولكنهم يحاولون بذلك صرف العامة والدهماء عن الاستماع إليه والإصغاء إلى قوله،  ولذلك يدمغهم الله بمَيسَم الخزي عقب كل تحدٍّ واقتراحٍ لآية،  بعد أن ينزه نفسه سبحانه عما ينتقصونه به. ففي سورة الإسراء يقول عقب سرد ما اقترحوا من آيات:﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾[الإسراء:93]، ثم يقول:﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً ﴾[الإسراء:97]. ويقول في سورة العنكبوت:﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاء مَن يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الْكَافِرُونَ (47) وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الظَّالِمُونَ (49) وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (52)﴾.[العنكبوت:47-52].  وأيضاً إذا تدبرت الاقتراحات التي عيّنوها لم تجدها في الحقيقة من جنس البراهين، وإنما هي لو فرض الإتيان بها تكون شبيهة بآيات الاضطرار التي لا ينفع الإيمان معها، ويصير شهادة، وإنما الإيمان النافع هو الإيمان بالغيب، فكما أن الله المنفرد بالحكم بين العباد في أديانهم وحقوقهم، وأنه لا حكم إلا حكمه، وأنه من قال: ينبغي أو يجب أن يكون الحكم كذا وكذا،  فهو متجرِّئ على الله،  متوثب على حرمات الله وأحكامه، فكذلك براهينُ أحكامه لا يتولاها إلا هو، فمن اقترح شيئاً عنده فقد ادّعى مشاركة الله  في نسخة: الرّب. في حكمه، ومنازعته في الطرق التي يهدي ويرشد بها عباده:﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾  سورة : الأنعام (93).   ).

وهـٰذا أيضاً فيه سوء عاقبة اقتراح الآيات، وأن المقترحين للآيات قد جهلوا بحق الله عز وجل وما قدروه حق قدره.

وهـٰذا السر في ختم الآية السابقة أيضاً بقوله: ﴿وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾، فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هو الحكم، وإليه الحكم في كل شيء مما يتعلق بدينه وشرعه، وما جرت به سنته، فلا يجوز لأحد أن يتقدم بين يديه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بطلب الآيات والبراهين؛ بل الله عليم خبير، الله أعلم حيث يجعل رسالته، فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم حيث يظهر الآيات متى تكون نافعة ومتى لا تكون نافعة.

خلاصة هـٰذه القاعدة: أن الآيات التي جاء بها الرّسول ابتداءً هي الآيات التي تنفع وتدل على صدق الرسل.

أما الآيات التي طلبها المكذبون فهي في الحقيقة لا يصح أن تسمى آيات؛ لأنها تعقب العقوبة لمن لم يؤمن بها، ولأنها في الحقيقة سؤال ما يؤول به الإيمان بالغيب إيماناً بالشهادة؛ لأنهم يطلبون أشياء قريبة من المشاهدات، ومعلوم أنّ الإيمان الذي يتفاضل به أهله هو الإيمان بالغيب لا الإيمان بالشهادة.

    

خلاصة هـٰذه القاعدة: أن الآيات التي جاء بها الرّسول ابتداءً هي الآيات التي تنفع وتدل على صدق الرسل.

أما الآيات التي طلبها المكذبون فهي في الحقيقة لا يصح أن تسمى آيات؛ لأنها تعقب العقوبة لمن لم يؤمن بها، ولأنها في الحقيقة سؤال ما يؤول به الإيمان بالغيب إيماناً بالشهادة؛ لأنهم يطلبون أشياء قريبة من المشاهدات، ومعلوم أنّ الإيمان الذي يتفاضل به أهله هو الإيمان بالغيب لا الإيمان بالشهادة.

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق