القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن

من وحتى

عداد المشاهدات : 121

التاريخ : 2026-06-06 07:03:48

  

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

(القاعدة الحادية والخمسون

كلّ ما ورد في القرآن من الأمر بالدعاء، والنهي عن دعاء غير الله، والثناء على الدّاعين يتناول دعاء المسألة، ودعاء العبادة.

وهذه قاعدة نافعة، فإنّ أكثر الناس إنما يتبادر لهم من لفظ الدعاء والدعوة: دعاء المسألة فقط،  ولا يظنّون دخول جميع العبادات في الدعاء.

ويدل على عموم ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ  سورة : غافر (60).   ، أي أستجب طلبكم وأتقبل عملكم، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾  سورة : غافر (60).  ، فسمّى ذلك عبادة؛ وذلك لأنّ الدّاعي دعاء المسألة يطلب مسؤوله بلسان المقال،  والعابد يطلب من ربه القَبول والثواب ومغفرة ذنوبه بلسان الحال.

فلو سألته  في نسخة: أي عابد مؤمن.   : ما قصدك بصلاتك وصيامك وحجك وقيامك بحق  في نسخة: وأدائك لحقوق. الله وحق الخلق؟ لكان قلب المؤمن ناطقاً  في نسخة: -قبل أن يجيبك لسانه-.   : بأن قصدي من ذلك رضا ربي ونيل ثوابه والسلامة من عقابه، ولهذا كانت هـٰذه النية شرطاً لصحة الأعمال وكمالها  في نسخة: وإثمارها الثمرة الطيبة في الدنيا والآخرة.   .

وقال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين  سورة : غافر (14).  ، أي:  في نسخة: فوضع كلمة: ﴿الدِّين﴾، موضع كلمة (العبادة )، وهو في القرآن كثير جدّاً:يدل على أن الدعاء هو لب الدين وروح العبادة. ومعنى الآية هنا. أخلصوا له إذا طلبتم حوائجكم،  وأخلصوا له أعمال البر والطاعة).

    

 

هـٰذا الكلام واضح إن شاء الله تعالىٰ، يقول: (كلّ ما ورد في القرآن من الأمر بالدعاء، والنهي عن دعاء غير الله، والثناء على الداعين) يعني هـٰذه الكلمة حيثما تصرفت فإنها تتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة.

دعاء المسألة: هو السؤال والطلب: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، هـٰذا دعاء المسألة، هـٰذا دعاء الله عز وجل حوائجك الدنيوية والأخروية، من خير الدنيا وخير الآخرة.

دعاء العبادة: المراد به كل ما تعبدت به ربك: من صلاة أو زكاة أو حج أو صدقة أو تسبيح أو تحميد أو تهليل أو تكبير أو إحسان، كل هـٰذا من دعاء العبادة.

لأن حقيقته -كما قال الشيخ رحمه الله- أن الفاعل لذلك يرجو ثواب الله ويخشى عقابه؛ يرجو الله والفوز بالجنة ويرجو النجاة من النار والسلامة منها، وهـٰذا هو حقيقة الداعي بلسانه، يقول: (ولهذا كانت النية شرطاً لصحة الأعمال وكمالها) وهي مشابهة لما ينطق به السائل، يقول: (وقال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين  سورة : غافر (14).   ، أي: أخلصوا له إذا طلبتم حوائجكم،  وأخلصوا له أعمال البر والطاعة) فيشمل الأمر هنا ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينيشمل إخلاص العمل وإخلاص الدعاء والطلب.

 

    

 

 (وقد يقيد أحياناً بدعاء الطلب،  كقوله: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾  سورة : القمر (10).  ).

هـٰذه ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ أي سأل ربه: ﴿رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26)  سورة : نوح (26).  هـٰذا من دعاء نوح عليه السلام على قومه، فهـٰذا دعاء مسألة.

 

    

 

لكن اعلم أن دعاء المسألة يتضمن دعاء العبادة، الذي يقول: يا رب اغفر لي. هو سائل عابد؛ ولذلك قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الدعاء هو العبادة))  سنن أبي داوود: كتاب الصلاة، كتاب الدعاء، حديث رقم (1479). سنن الترمذي: كتاب تفسير القرآن، باب (ومن سورة البقرة)، حديث رقم (2969). سنن ابن ماجه: كتاب الدعاء، باب فضل الدعاء، حديث رقم (3828). قال الشيخ الألباني: صحيح.   . فالذي يسأل من فضل الله عز وجل من خير الدنيا والآخرة فحقيقته أنه عابد؛ لأنه يؤجر على الدعاء، الدعاء نفسه أجر ولو لم تحصل به طلبتك وسؤالك.

ولذلك في الحقيقة أنه وإن كانت الآية هنا ظاهرة في دعاء المسألة؛ لكن أيضاً تتضمن دعاء العبادة، وبه تطرد القاعدة التي ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله: أنه حيثما ذكر الدعاء والدعوة في كلام الله عز وجل فإنها تتناول دعاء العبادة ودعاء المسألة؛ لأن كل داعٍ دعاءَ مسألة فإنه عابد لله بدعائه، واضح هـٰذا؟

(وأما قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً﴾ الآية سورة : يونس (12). ، فيدخل فيه دعاء الطلب: فإنه لا يزال ملحّاً بلسانه، سائلاً دفع ضرورته، ويدخل فيه دعاء العبادة: فإن قلبه في هذه الحال (يكون) راجياً طامعاً، منقطعاً عن غير الله، عالماً أنه لا يكشف في نسخة: ما به من. السوء إلا الله، وهذا دعاء عبادة).  

ولو لم يكن من الدَّاعي في هذه الحال إلا هـٰذا التعبد القلبي لكان كافياً لوصفه أنه دعاء عبادة ودعاء مسألة، فكيف والإنسان إذا أصابه الضر في الغالب أنه ينكف عن كثير من المعاصي ويسابق إلىٰ كثير من الطاعات والصالحات؟ فقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضُّرُّ دَعَانَا أي بلسانه وبقلبه وبجوارحه، فإنه ينكف عن المعاصي غالباً ويُقبل على الطاعات، وهـٰذا من دعاء العبادة؛ لكن الشيخ رحمه الله اقتصر فقط على أقل ما يكون من دعاء العبادة وهو العبادة القلبية؛ وهي الرجاء والخوف والطمع.

قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾  سورة : الأعراف (55).   ، يدخل فيه الأمران: فكما أن من كمال دعاء الطلب، كثرة التضرع والإلحاح، وإظهار الفقر والمسكنة، وإخفاءه ذلك وإخلاصه، فكذلك دعاء العبادة لا تتم العبادة وتكمل  في نسخة: فإن العبادة لا تتم ولا تكتمل. إلا بالمداومة عليها ومقارنة الخشوع والخضوع لها وإخفائها،  وإخلاصها لله تعالى).

ما معنى قوله تعالىٰ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾؟ تضرعاً تذللاً، وخفية سرّاً، طيب كيف ينطبق هـٰذا على نوعي الدعاء-دعاء المسألة ودعاء العبادة-؟ تذلل وإلحاح وسر؟ طيب، ودعاء العبادة عبادة قلبية؛ يعني كل عبادة يعبدها الإنسان توفر فيها هذان الشرطان كان ذلك من أسباب قبوله، دعاء العبادة في الصلاة إذا كانت سرّاً وإذا كانت مداوماً عليها ملحّاً فيها متذللاً لله بها كان ذلك من أسباب قبولها، يتحقق بها قوله تعالىٰ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾، ففهم من هـٰذا أن هـٰذه الآية لا تختص فقط دعاء المسألة؛ بل تشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة.

 

(وكذلك قوله عن خلاصة الرسل: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾ سورة : الأنبياء (90). ، فإن الرغبة والرهبة وصفٌ لهم إذا طلبوا وسألوا، ووصف لهم إذا (كلما) تعبَّدوا وتقربوا بأعمال الخير والقُرَب.

وقوله: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾  سورة : القصص (88).  ، ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ  سورة : المؤمنون (117).   ، وقوله: ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ﴾  سورة : الجن (18).   ، يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة.

فكما أن من طلب من غير الله حاجة لا يقدر عليها إلا الله فهو مشرك كافر، فكذلك من عبد مع الله غيره فهو مشرك كافر.

 

ومثله: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾  ، كل هذا يدخل فيه الأمران)  سورة : يونس (106). .

 

    

 

(وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾  سورة : الأعراف (180).   ، يشمل  في نسخة: يشتمل.    دعاء المسألة ودعاء العبادة.

أما دعاء المسألة: فإنه يسأل الله تعالىٰ في كل مطلوب باسم يناسب ذلك المطلوبَ ويقتضيه،  فمن سأل رحمة الله ومغفرته دعاه باسم الرحيم الغفور في نسخة: الغفور الرحيم.  . وحصول الرزق في نسخة: ومن سأل الرزق سأله. باسم الرزاق،  وهكذا).

 

 

    

 

هـٰذا من الأدب الذي يغفل عنه كثير الناس في الدعاء، فإنه يسأل مثلاً يقول: اللهم انصرنا على عدونا برحمتك إنك أنت أرحم الراحمين. هـٰذا غير مناسب؛ لأن النصر يتطلب القوة والعزة والجبروت، وما أشبه ذلك من الصفات المناسبة، فمن التعبد لله عز وجل بالأسماء الحسنى أن تسأله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وتتوسل إليه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بأسمائه المناسبة لسؤالك وطلبك.

 

    

 

 (وأما دعاء العبادة: فهو التعبد لله تعالى بأسمائه الحسنى، فيفهم أولاً معنى ذلك الاسم الكريم،  ثم يديم استحضاره بقلبه، و  في نسخة: حتى. يمتلئ قلبه منه.

فالأسماء الدَّالة على العظمة والجلال والكبرياء تملأ القلب تعظيماً وإجلالاً لله تعالى).

مثل: العظيم، الكبير، الصمد، القيوم، الحي، الحميد، المجيد، كل هـٰذه من الأسماء التي تدل على عظمة الرب جل وعلا، وإذا استحضرها العبد وأدرك معناها امتلأ قلبه إجلالاً لله عز وجل، وهـٰذا من دعائه بأسمائه دعاءً عباديّاً.

وهـٰذا الجانب يغفل عنه كثير من الناس، ويظن أن إحصاء أسماء الله جل وعلا في قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة))  سنن ابن ماجه: كتاب الدعاء، باب أسماء الله عز وجل، حديث رقم (3860). وسنن الترمذي: كتاب الدعوات، باب (83)، حديث رقم (3508). قال الشيخ الألباني: صحيح.   ظن ذلك إحصاء اللفظ فقط، والحقيقة هنا أن الإحصاء يشمل الإحصاء اللفظي والإحصاء المعنوي.

(والأسماء الدالة على الرحمة والفضل والإحسان تملأ القلب طمعاً في فضل الله ورجاءً لرَوْحِه ورحمته).

مثل: الرحمـٰن، الرحيم، البر، الرؤوف، الكريم، وغير ذلك من الأسماء الدالة على هـٰذه المعاني.

(والأسماء الدالة على الود والحب والكمال تملأ القلب محبة وودّاً وتألهاً وإنابة لله تعالى).

مثل: الودود، الرحيم، ذي الجلال والإكرام، كل هـٰذا مما يوجب محبته سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

(والأسماء الدالة على سعة علمه ولطيف خبره توجب للعبد مراقبة الله تعالى والحياء منه).

توجب أيضاً الثقة بوعده وصدق خبره، وأنه لا يخلف الميعاد، فإن هـٰذا ناتج عن تمام اليقين بأن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بكل شيء محيط، فإن من علم أن الله بكل شيء محيط علم أنه لا بد وأن يقع خبره، وأنه لا إخلاف لوعده سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

 

    

 

والتعبد لله بالأسماء الحسنى من أعظم أبواب الوصول إلىٰ فضل الله ورحمته وإحياء القلوب، والشيخ رحمه الله إمام في هـٰذا الباب، وله مؤلفات عديدة تناول فيها هـٰذا الجانب تناولاً لم أقف على مثله فيه، من ذلك كتابه شرح الأسماء الكافية الشافية، ومن ذلك أيضاً كتاب له اسمه (فضل الرحيم الرحمـٰن) يعني قريب من هـٰذا؛ لكنه من الكتب المفيدة في معرفة معاني أسماء الله عز وجل والتعبد له بها، وهو في تفسيره في كل ما يذكر فيه الأسماء، الغالب أن يعلق تعليقاً مفيداً يحيا به القلب وينجذب به إلىٰ الرب.

 

 

    

 

(وهذه الأحوال التي تتصف بها القلوب هي أكمل الأحوال، وأجل وصف يتصف به القلب وينصبغ به، ولا يزال العبد يمرّن نفسه عليها حتى تنجذب دواعيه  في نسخة: نفسه وروحه بدواعيه.   منقادة راغبة،  وبهذه الأعمال القلبية تكمل الأعمال البدنية.

فنسأل الله تعالى أن يملأ قلوبنا من معرفته ومحبته والإنابة إليه، فإنه أكرم الأكرمين وأجود الأجودين).

قوله: (وبهذه الأعمال القلبية تكمل الأعمال البدنية)؛ لأن العمل البدني الفارغ عن العمل القلبي ما يحصل به مقصود ولا يجني به الإنسان مطلوباً، ولذلك كانت أعمال المنافقين كالخشب المسندة كما قال في وصفهم سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ   سورة : المنافقون (4).   سورة : المنافقون (4). لا نفع فيها ولا فائدة مع تحسين الصورة وكمال المنطق؛ لكن ما هناك ثمرة، إذا كان القلب خالياً من الأعمال القلبية، ولذلك كانت الأعمال القلبية أفضل من الأعمال البدنية، وكذلك المعاصي القلبية أعظم جرماً من المعاصي البدنية؛ لكن الناس تتعلق قلوبهم بالظواهر، ويشتغلون بها عن البواطن.

 

 

    

 

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

(القاعدة الثانية والخمسون

إذا وضح الحق وبان، لم يبق للمعارضة العلمية، ولا العملية محل.

وهذه قاعدة شرعية عقلية فطرية، قد وردت في القرآن وأرشد إليها في مواضع كثيرة.

وذلك أنه من المعلوم أن محل المعارضات وموضع الاستشكالات وموضع التوقفات ووقت المشاورات، إذا كان الشيء فيه اشتباه أو احتمالات، فترد عليه هذه الأمور).

شرح القاعدة, ودليلها:

يعني المعارضات والتوقفات والمشاورات إنما ترد على ما فيه اشتباه واحتمال، أما ما لا اشتباه فيه ولا احتمال فإنه لا يرد عليه هـٰذه الواردات؛ لأن ما وضح وبان ليس محلاًّ للمشاورة، وليس محلاًّ للتوقف، وليس محلاًّ للإشكال، ولذلك كان من المثل المشهور المعروف: توضيح الواضحات يصيرها مشكلات. من المشكلات توضيح الواضحات.

(إذا كان الشيء فيه اشتباه أو احتمالات، فترد عليه هذه الأمور؛ لأنها الطريق إلى البيان والتوضيح.

فأما إذا كان الشيء لا يحتمل إلا معنى واحداً واضحاً، وقد تعينت المصلحة، فالمجادلة والمعارضة من باب العبث، والمعارِضُ هنا لا يُلتفت لاعتراضاته  في نسخة: إلىٰ اعتراضاته.  ؛ لأنه يشبه المكابر المنكر للمحسوسات).

 

 

    

 

(قال تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾  سورة : البقرة (256).  ، يعني: وإذا تبين هذا من هذا لم يبق للإكراه محل؛ لأن الإكراه إنما يكون على أمر فيه مصلحة خفية، فأما أمر قد اتضح أن مصالح  في نسخة: وسعادة.  الدارين مربوطة به ومتعلقة به،  فأي داع للإكراه فيه وأي  موجب له؟).

واضح التمثيل؟ قوله تعالىٰ: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ متى ارتفع الإكراه في الدين؟ لما تبين الرشد من الغي ارتفع الإكراه، فلا حاجة للإكراه، ما حاجة أنك تحمل أحداً على التزام الصراط المستقيم بعد وضوحه واستنارة سبيله، إنما يكون الإكراه فيما تخفى مصلحته من الأمور، أما ما ظهرت مصلحته وعُلمت عاقبته فإنه لا وجه للإكراه عليه.

(ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾  سورة : الكهف (26).  . أيْ هذا الحق الذي قامت البراهين الواضحة على حقِّيَّته، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

كقوله: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾  سورة : الأنفال (42).  ).

وهـٰذه الآيات الثلاث المتقدمة: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، وقوله: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، وقوله: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾. كل هـٰذه تبين اتضاح الأمر وأنه لا إكراه فيه؛ ولكن أيضاً تتضمن التهديد لكل من خالف الحق، فهي لا تجعل المسألة على وجه الاختيار التام؛ بل هي مضمنة التهديد لكل من خالف هـٰذا، فإذا تبين الرشد من الغي فلا حاجة للإكراه؛ لكن يبقى أنه لو خالف الرشد فإنه قد خالف على بصيرة، وهـٰذا يوجب شدة العقوبة.

 

كذلك في قوله تعالىٰ: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ هـٰذا ليس تخييرا إنما المراد بالأمر هنا-أو وكله إلىٰ المشيئة- هوالتهديد؛ لأن الأمر قد اتضح وبان، فلا يحتمل الإكراه أو لا يحتمل أكثر مما جاءت به النصوص من توضيح الحق وإزهاق الباطل، كذلك: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾.

المهم أنها مضمّنة مع ما ذكره المؤلف معنى التهديد لكل من خالف الحق.

 

(وقال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾  سورة : آل عمران (159).  ، أيْ: في الأمور التي تحتاج إلى مشاورة، ويُطلب فيها وجه المصلحة، فأما أمر قد تعينت مصلحته، وظهر وجوبه فقال فيه: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾  سورة : آل عمران (159).  ).

الشيخ رحمه الله حمل الآية على معنيين، أو جعل الآية في أمرين: (وقال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾) هـٰذا أمر لرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أمره الله جل وعلا أن يشاورهم في الأمر الذي يهمهم جميعاً ويحتاج فيه الرجوع إليهم مما يتعلق بهم، وهـٰذا فيما لم تتضح مصلحته اتضاحاً تامّاً، ولا يلزم عدم اتضاح المصلحة بالنسبة للمشاوِر؛ بل حتى بالنظر إلىٰ المشاوَرين، يعني إلى من أمر بمشاورته، فقد يشاورهم ليتضح الحق لهم ويتبين، وإن كان هو قد توجه إلىٰ أمر من الأمور، فإنه يدخل في قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾، ثم إذا اتضح الأمر واستبان وجه المصلحة فيه فإنه لا وجه عند ذلك للمشاورة؛ لأن الأمر قد اتضح، وإنما المشاورات تكون في المشتبهات والمشكلات، وعند ذلك الواجب العمل والإقدام؛ ولذلك قال: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. فقرن العزيمة التي تكون للإنسان بما عنده من قدرات بأمر يتعلق بالله عز وجل، وهو أن يسند قلبه إليه؛ لأنه لا يكفي العزم دون توكل؛ لأن العزم هو في مقدورك وما يكون من عملك، لكن ما يكون مما يتعلق بالله هو أن تسند الأمر إليه في تحقيق مطلوبك، وبهذا يحصل السبب ويحصل كمال التوكل على الله عز وجل: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾.

 

    

 

(وقد كشف الله هذا المعنى غاية الكشف، في قوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾  سورة : الأنفال (6).  ، أيْ فكل من حاول في الحق بعد ما تبين علمه، أو طريق عمله، فإنه غالط شرعاً وعقلاً).

هـٰذه الآية نزلت في سورة الأنفال، وقيل: إنها في المشركين الذين كذَّبوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من كفار قريش، وإنهم كانوا يجادلونه في الحق وفي الدين والإسلام ووجوب إفراد العبادة لله بعدما تبين. وهـٰذا قول بعض المفسرين.

والقول الثاني: أنها في المؤمنين، ويدل لهذا القول أن السياق كله في الكلام عما كان من أهل الإيمان الذين مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في تلك الغزوة، ووجه ذلك أن طائفة من المؤمنين لما خرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المدينة يريد العير قال: ((إما أن تظفروا بالعير، وإما أن تظفروا بقريش التي تخرج لحماية العير))  الطبراني في المعجم الكبير (4056) وإسناده حسن, كما في مجمع الزوائد(9950).  . فوعدهم الله سبحانه وتعالىٰ إحدى الطائفتين، وأخبرهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك، فلما فاتتهم العير وانحازت إلىٰ البحر، ما بقي الآن إلا قريش، عند ذلك جادل بعض الصحابة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقالوا: إن المراد بالآية العير، وأما هٰؤلاء فلا، ولم نخرج لقتالهم، فقال لهم الله جل علا معاتباً هٰؤلاء مخاطباً رسوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ وهو أنه لا بد من مقاتلة هٰؤلاء ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ (6)  سورة : الأنفال (6).   ثم بينت الآية حيث قال تعالىٰ: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ سورة : الأنفال (7).   . فهـٰذا وجه المجادلة: أنهم جادلوا في أمر قد تبين، العير لا سبيل إلى تحصيلها، لم يبق الآن إلا خيار واحد وهو المحاربة، فما فيه سبيل أنكم تجادلون وتناقشون بعدما تبين الحق، وهـٰذا المعنى أصح من حمل الآية على المشركين؛ لأن الكلام كله فيما كان من أهل الإيمان في تلك الغزوة.

 

عودة للتمثيل للقاعدة:

(وقال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ سورة : الأنعام (119).  ، فلامَهُم على عدم التزام الأكل مما ذكر اسم الله عليه، وذكر السبب لهذا اللوم؛ وهو أنه تعالىٰ فصّل لعباده كل ما حرم عليهم، فما لم يذكر تحريمه فإنه حلال واضح ليس للتوقف عنه محل.

ولما ذكر تعالى الآيات الدالة على وجوب الإيمان، وَبَّخَ ولام المتوقفين عنه بعد البيان، فقال: ﴿فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (21) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ سوة : الانشقاق ( 21-22).  .

ولما بيّن جلالة في نسخة: جلال. القرآن وأنه أعلى الكلام، وأصدقه وأنفعه في نسخة: وأوضحه بياناً وأصدقه وأنفعه ثمرة. ، قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ سورة : الجاثية (6).   .

ولما ذكر عظيم نعمه الظاهرة والباطنة، قال تعالىٰ: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ سورة : النجم (55).  ، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ سورة : الرحمـٰن (13).  ، وقال تعالىٰ: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ﴾ سورة : يونس (32).   .

وكذلك في آيات كثيرة يأمره بمجادلة المكذبين ويجادلهم بالتي هي أحسن، حتى إذا وصل معهم إلى حالة وضوح الحق التام وإزالة الشبه كلها انتقل من مجادلتهم إلى الوعيد لهم بعقوبات الدنيا والآخرة، والآيات في هذا المعنى الجليل كثيرة جدّاً).

˜˜¹™™

    

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

(القاعدة الثالثة والخمسون

من قواعد القرآن: أنه يبين أن الأجر والثواب على قدر المشقة في طريق العبادة،  ويبيّن مع ذلك أن تسهيله لطريق العبادة من مننه وإحسانه،  وأنها لا تنقص من الأجر شيئاً).

 

شرح القاعدة, وبيان أنوع المشقة في العبادة:

هـٰذه قاعدة مهمة، وهي مسألة المشقة في العبادة.

المشقة نوعان:

مشقة نفاها الشارع عن التشريع، وذلك في مثل قوله تعالىٰ: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ سورة : البقرة (185).   ، وهـٰذا وصف لكل ما جاء في هـٰذه الشريعة المطهرة أنه يسر، ولا يلزم من اليسر أن لا يكون فيه تكليف للنفس؛ لأنه إذا لم يكن تكليف للنفس، فالحقيقة ينتفي التعبد؛ لأن مقتضى العبادة تكليف ما فيه مشقة.

فما هي المشقة المنفية عن الشريعة؟ المشقة المنفية عن الشريعة هي تكليف ما يعسر، أو ما لا تعلم عاقبته الحميدة، أما أن يكلف الإنسان ما يشق عليه من العبادات، فهـٰذا كثير، فالصوم مثلاً فيه مشقة، لا سيما في أيام الصيف وشدة الحر؛ لكن هـٰذه المشقة ليست من أصل العبادة؛ يعني لم يشرع الصيام لأجل هـٰذه المشقة، لتحصيل هـٰذه المشقة.

ولذلك لو أن إنساناً قال: أنا سأخرج وأقف في الشمس حتى يعظم أجري في صيامي، هل نقول له: أنت الآن زاد أجرك بهذه المشقة؟ الجواب: لا، لم يزد أجره بهذه المشقة.

المشقة التي يجري عليها الثواب ويحصَّل بها الأجر هي المشقة المترتبة على العبادة ذاتها، لا على أمر خارج عنها. وهـٰذه مسألة مهمة تنفي ظنون بعض الصوفية الجهال الذين يظنون أنه كلما تكلف الإنسان أمراً زائداً من المشقة كان ذلك أعظم لأجره، ويقولون: قال الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أجرك على قدر نفقتك ونصَبك))  مسلم: كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام...، حديث رقم (1211).    لعائشة في الحج. فنقول: لا؛ إنما الأجر في المشقة هو في المشقة التي تكون من ذات العبادة، لا بأمر يطلبه الإنسان.

ولذلك لو أن شخصاً فتح المكيِّف في نهار صيام يتبرد ويخفف من وطأة الحر عليه، هل ينقص أجره بذلك؟ الجواب: لا، لا ينقص أجره، لكن إذا لم يكن عنده وسائل تكييف وجاء الصوم في يوم حار، وكلفه ذلك وشق عليه هل يؤجر على هـٰذه المشقة؟ نعم يؤجر؛ لكن لو قال: أنا سأغلق المكيفات وأغلق المراوح في يوم شديد الحر حتى يعظم أجري، هل يحصل له الأجر؟ الجواب: لا ، لم تأت الشريعة بمثل هـٰذا.

إذاً المشقة التي يترتب عليها الثواب هي المشقة الناتجة عن ذات العبادة بلا طلب من الإنسان وتكلف، هـٰذا واضح.

 

 

    

 

يقول المؤلف رحمه الله: (من قواعد القرآن: أنه يبين أن الأجر والثواب على قدر المشقة في طريق العبادة، ويبيّن مع ذلك أن تسهيله لطريق العبادة من مننه وإحسانه، وأنها لا تنقص من الأجر شيئاً). والكلام على أنه لا تعارض بين الأمرين: إثبات أن الأجر على قدر المشقة لا ينافي ما أخبر به من الإحسان إلى عباده بالتخفيف والإشفاق عليهم، وكون الشريعة يسراً، يبين هذا في كلامه في هـٰذه القاعدة رحمه الله.

 

    

 

(وهذه القاعدة تبين من لطف الله وإحسانه بالعباد، وحكمته الواسعة ما هو أثر عظيم من آثار تعريفاته ونفحة عظيمة من نفحاته، وأنه أرحم الراحمين، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾  سورة : البقرة (216).  . فبيّن تعالى أن هذه العبادة العظيمة لعظم مصلحتها وكثرة فوائدها العامة والخاصة أنّه فرضها على العباد، وإن شقت عليهم وكرهتها نفوسهم؛ لما فيها من التعرّض للأخطار وتلف النفوس والأموال، لكن هذه المشقات بالنسبة إلى ما تُفضي إليه من الكرامات ليست بشيء في نسخة: بشر.  ، بل هي خير محض وإحسان صرف من الله على عباده، حيث قيض لهم هذه العبادات التي توصلهم إلى منازل لولاها لم يكونوا واصليها، وقال تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ سورة : النساء (104).   ، وقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ سورة : البقرة (155-156).  .

وقال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ سورة : الزمر (10).   .

فكلما عظمت مشقة الصبر في فعل الطاعات، وفي ترك المحرمات لقوة الداعي إليها، وفي الصبر على المصيبات لشدة وقعها، كان الأجر أعظم والثواب أكثر في نسخة: أكبر.  . وقال تعالى في بيان لطفه في تسهيل العبادة الشاقة: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ (11) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرَّعْبَ﴾ سورة : الأنفال (11-12).  .

فذكر منته على المؤمنين بتيسيره وتقديره لهذه الأمور التي جعلها الله تعالىٰ مسهلة للعبادة في نسخة: يسر بها العبادة.   ، مزيلة لمشقتها، محصلة لثمراتها).

المؤلف رحمه الله بيّن أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قد فرض ما فيه مشقة وما فيه نوع تعب وما تكرهه النفوس؛ لكن هـٰذه المشقات تعقبها سعادات وتعقبها فضائل، وأجور تُذهب وتضمحل معها تلك العناءات التي لقيها الإنسان، وهـٰذا الأمر يدركه في الدنيا قبل الآخرة، وهـٰذا من نعمة العبد لربه ومنته ولطفه به، فإن إدراك العبد هـٰذه النعمة في الدنيا قبل الآخرة مما ينشطه على مزيد عمل، وتحمل ما يلقاه في سبيل الطاعة من مشقة وضيق.

 

    

 

ثم إن من رحمة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أنه يمدّ عبده -إذا صدق في غرضه وقصده وطلبه- بعون منه؛ تسهيلاً للعبادة وتيسيراً لها، ومن ذلك ما مثل به رحمه الله في قوله تعالىٰ: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾. فذكر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى منتين في هـٰذه الآية على عباده المؤمنين في تلك الوقعة الشديدة التي خرج المسلمون إليها ولم يكونوا قد استعدوا لها، ولم يكونوا قد أخذوا الأهبة لملاقاة عدوهم، إنما خرجوا لطلب العير، فقدر الله في تلك الغزوة أن التقى أهل الإيمان بأهل الكفر، على كثرة عدد الكفار وعدتهم وقلة المؤمنين وضعف حالهم؛ لكن الله جل وعلا ينصر من ينصره، فمنّ عليهم بمنتين ذكِرتا في هـٰذه الآية: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُفنزل عليهم النعاس، وهـٰذا النعاس لا يكون في الغالب من الخائف؛ لأن الخائف وجل يترقب فزع القلب، فكيف يدب إليه نوم أو تسكن له عين؟ لا يكون هـٰذا إلا ممن اطمأن قلبه وسكن فؤاده، فقرت عينه فحصل منه النعاس، هـٰذه منة.

الثانية ما ذكره الله جل وعلا في قوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾. فذكر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إنزال هـٰذا الماء ليحصل لهم به الطهارة، ولتصلب الأرض التي يقفون عليها في مواجهة العدو، وهـٰذه منة إلهية وتسهيل من رب العالمين .

الثالث وهو أمر لا يدرك بالنظر، إنما يدرك بالخبر ويدرك أثره في الواقع، وهو قوله تعالىٰ: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوافجمع الله لهم من المثبتات الحسية والمثبتات المعنوية ما كتب الله لهم به النصر والظفر مع شدة المشقة، وعظم الخطب.

لكن يا إخواني خذوها قاعدة: أن من صدق مع الله صدقه الله وصنع له، وأن من جاءه البلاء بلا تعرض فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يعنينه ويؤيده ويثبته، وأن من طلب البلاء وتعرض له يُخذل ويخونه عزمه وتنهار قواه.

ولذلك ينبغي للمؤمن أن يركن بقلبه وقالبه إلىٰ الله جل وعلا، وليستشعر ما يقوله في دبر كل صلاة: اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد. إذا سكن قلب العبد إلىٰ هـٰذه الكلمة وقرت فيه فإن ذلك يورثه خيراً كثيراً.

 

 

    

 

والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قد يسر الأمر لمن سلك الطريق رغبة فيما عنده، ولذلك تكون الصلاة على المؤمنين قرة عين، وأما على المنافق فكالجبال تجده ينقرها نقراً، يريد أن يتخلص منها ويرتاح، أما المؤمن فهو يرتاح فيها، راحته في الصلاة، كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وجعلت قرة عيني في الصلاة))، بعد أن ذكر ما تطيب به نفسه في الدنيا: ((حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء))  مسند أحمد: عن أنس بن مالك (ج10/ص412)، رقم (12233، 12234 ). سنن النسائي: كتاب عشرة النساء، باب حب النساء، حديث رقم (3939). قال الشيخ الألباني: حسن صحيح. ، وهـٰذه متاع زائل، ثم ذكر ما يحصل به تمام القرار للنفس والاطمئنان لها والسكون للفؤاد قال: ((وجعلت قرة عيني في الصلاة)). فالعبادة تنقلب بالنسبة للمؤمن -على ما فيها من مشقة ظاهرة- لذة لا يذوقها غيره، نسأل الله من فضله.

 

 (وقال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ سورة : يونس (62-64).  .

فالبشرى التي وعد الله بها أولياءه في الحياة الدنيا من أشرفها وأجلها: أنه ييسر لهم العبادات، ويهون عليهم مشقة القربات، وأن ييسرهم للخير في نسخة: ويجنبهم.  ،  ويعصمهم من الشر بأيسر عمل.

وقال: ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7)﴾  سورة : الليل (5-7).  

أيْ  لكل حالة فيها تيسير أموره وتسهيلها).

من أعجب ما يكون في بيان سبب التسهيل والتيسير لليسرى -وهي كل ما فيه خير في الدنيا والآخرة-، ومن ذلك القيام بما فرض الله سبحانه وتعالىٰ من العبادات والطاعات، يقول: ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6)﴾، ثم قال: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7)﴾ والفاء إذا عُقِّب بعدها الحكم علم أن ما تقدمها من وصف له أثر في ذلك الحكم، فالله جل وعلا ذكر العطاء وهو البذل، والتقوى وهي فعل الأمر وترك ما نهى عنه ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى وهو صلاح القلب وقرار الإيمان فيه ثم قال: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىفهـٰذه أسباب التيسير لليسرى: أن يصدق العبد قولاً وعقداً وعملاً، فيتقي الله عز وجل، ويحسن إلىٰ الخلق بما يستطيع، ويسبق ذلك كله تصديق بالحسنى، وهي ما وعد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى به المؤمنين، فإن من صدق وعد الله عز وجل المؤمنين في الآخرة حمله ذلك على السعي في تحصيل ذلك. ثم قال:

(وقال تعالىٰ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ سورة : النحل (97).   ،

ومن الحياة الطيبة التي يرزقونها:ذوقُ حلاوة الطاعات، واستحلاء في نسخة: واستعذاب. المشقات في رضا الله تعالى،  فهذه الأحوال كلها خير للمؤمن: إن سهل الله له طريق العبادة وهونها حَمِدَ اللهَ وشكره، (وإن قامت العقبات صبر في اقتحامها) ، واحتسب الخير في عنائه وجهاده ورجا عظيم الثواب، وهذا المعنى في القرآن في آيات متعددة، والله أعلم).

الحمد لله نسأل الله من فضله.

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق