القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن

من وحتى

عداد المشاهدات : 134

التاريخ : 2026-06-06 07:04:27

  

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

(القاعدة السابعة والخمسون

في كيفية الاستدلال بخلق السماوات والأرض وما فيها على التوحيد والمطالب العالية).

 

شرح القاعدة إجمالا:

قد دعا الله عباده إلى التفكير في هذه المخلوقات في آيات كثيرة، وأثنى على المتفكرين فيها، وأخبر أن فيها آياتٍ وعِبَراً  في نسخة: نحن محتاجون إلى فهمها ومعرفة ما فيها لمصالح ديننا ودنيانا.  ، فينبغي لنا أن نسلك في نسخة: هذا.  الطريق المنتج للمطلوب بأيسر ما يكون وأوضح ما يكون. 

وحاصل ذلك على وجه الإجمال: أننا إذا تفكرنا في هذا الكون العظيم، عرفنا أنه لم يوجد بغير موجد، ولا أوجد نفسه -هذا أمر بديهي- فتيقنا أن الذي أوجده هو الأول الذي ليس قبله شيء في نسخة: وهو الآخر الذي ليس بعده شيء.، كامل القدرة عظيم السلطان واسع العلم، وأن إيجاد الآدميين  في نسخة: وأن إعادتنا.  في النشأة الثانية للجزاء أسهل من هذا بكثير: ﴿لَخَلْقُ السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاس﴾ سورة : غافر (57). ، وعرفنا بذلك أنه الحي القيوم.

وإذا نظرنا ما فيها من الإحكام والإتقان والحسن والإبداع عرفنا بذلك كمال حكمة الله وحسن خلقه وسعة علمه في نسخة: وعرفنا من آثار حكمته فينا وفي هذا الوجود أنه ما خلقنا لهذه الحياة قصداً وإنما خلقنا لنستعد فيها للنشأة الأخرى.  .

وإذا رأينا ما فيها من المنافع والمصالح الضرورية والكمالية التي لا تعد ولا تحصى، عرفنا بذلك أن الله واسع الرحمة، عظيم الفضل والبر والإحسان، والجود والامتنان، وإذا رأينا ما فيها من التخصيصات، فإن ذلك دال على إرادة الله ونفوذ مشيئته، ونعرف من ذلك في نسخة: بذلك. كله أن مَنْ هذه أوصافه وهذا شأنه؛ هو الذي لا يستحق العبادة في نسخة: أحد.إلا هو، وأنه المحبوب المحمود، ذو الجلال والإكرام، والأوصاف العظام، الذي لا تنبغي الرهبة إلا إليه، ولا يـصرف في نسخة: ينبغي صرف. خالص الدعاء إلا له؛ لأن غيره من المخلوقات المربوبات مفتقرات إلىٰ الله وحده في جميع شؤونها.

ثم إذا نظرنا إليها من جهة أنها كلها خلقت لمصالحنا، وأنها مسخرة لنا، وأن عناصرها وموادها وأرواحها قد مكن الله الآدمي من استخراج أصناف المنافع منها، عرفنا أن هذه الاختراعات الجديدة في الأوقات الأخيرة، من جملة المنافع التي خلقها الله لبني آدم فيها، فسلكنا بذلك كل طريق نقدر عليه لاستخراج ما يصلح أحوالنا منها، بحسب القدرة، ولم نخلد إلى الكسل والبطالة، أو نضيف في نسخة: نزعم أن.  علم هذه الأمور واستخراجها إلى علوم باطلة، بحجة أن الكفار سبقونا إليها وفاقونا فيها، فإنها كلها -كما نبه الله- داخلة في تسخير الله الكون لنا، وأنه يُعلم الإنسان ما لم يعلم).

هـٰذه القاعدة قاعدة مفيدة تبين منهج القرآن في الانتفاع بالآيات الخلقية الكونية التي جعلها الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى دليلاً على وحدانيته سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

 

    

 

 وابتدأ المؤلف رحمه الله بقاعدة مهمة يتبين بها تميز طريق القرآن عن غيره من الطرق في معرفة الرب سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، يقول: (فينبغي لنا أن نسلك (هذا) الطريق المنتج للمطلوب بأيسر ما يكون وأوضح ما يكون). ينبغي لنا أن نسلك الطريق الذي يوصل إلىٰ المطلوب بأسهل طريق وبأسهل سبيل، لا يكون فيه عناء، ولا يكون فيه اشتغال بمقدمات لا فائدة فيها، هـٰذه هي طريقة القرآن الكريم، وهي الدلالة على الله عز وجل من آيات واضحات بأسهل سبيل وأسهل طريق، بخلاف غيره من الطرق، وبخلاف غيره من الوسائل التي سلكها أهلها.

 

    

 

توحيد الربوبية

 ثم بين هـٰذا الطريق تفصيلاً فقال: إن طريق القرآن يقرر أولاً توحيد الربوبية؛ ولذلك قال: (وحاصل ذلك على وجه الإجمال: أننا إذا تفكرنا في هذا الكون العظيم، عرفنا أنه لم يوجد بغير موجد) فدلنا ذلك على الرب جل وعلا الخالق لهذا الكون، الرازق المدبر المالك، ثم عرفنا من ذلك أنه قادر على الإحياء بعد الموت؛ لأنه من قدر على الإنشاء من العدم فهو أقدر على الإعادة بعد الخلق؛ ولذلك قال الشيخ: (وأن إيجاد الآدميين في النشأة الثانية للجزاء أسهل من هذا بكثير)، وهـٰذا من قضايا توحيد الربوبية، وهو الإقرار بالبعث بعد الموت.

توحيد الأسماء والصفات

أيضاً يفيدنا النظر في الآيات الخلقية -من الشمس والقمر والنجوم واختلاف الليل والنهار، وغير ذلك من الآيات المشاهدة في الآفاق وفي الأنفس، يفيدنا- المعرفة بصفات الرب سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ لأنها تدل على كمال الإتقان والإحكام والفكر والإبداع، وهـٰذا يعرفنا بكمال حكمة الله عز وجل وحسن خلقه وما ذكره رحمه الله من الأوصاف.

فنستدل بالكون على عظيم صفات الخالق سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

 

توحيد الإلهية

 فإذا استقر في القلب أنه لا خالق إلا الله، واستقر في الفؤاد عظمة هـٰذا الخالق وأنه لا نظير له استوجب ذلك إفراده بالعبادة وإخلاص العمل له، ولذلك قال: (الذي لا تنبغي الرغبة والرهبة إلا إليه، ولا يصرف خالص الدعاء إلا له لا لغيره) .

 

    

 

وهـٰذا هو المقصود من لفت الأنظار إلى الآيات الخلقية في السماوات والأرض والأنفس، حتى ينتفع منها الناس في الوصول إلىٰ هـٰذه الحقيقة العظيمة، وهي توحيد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في ربوبيته، وتوحيده سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في إلهيته، وتوحيده سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في أسمائه وصفاته؛ ولكن لا يمنع هـٰذا أن يكون المقصود من الآيات التي أمر بالله فيها بالنظر إلىٰ هـٰذا الكون أن ننظر فيها لننتفع بما فيها من المنافع التي هي من مقتضى التسخير فيما يتعلق بإقامة أمر الدنيا؛ ولذلك قال الشيخ رحمه الله: (قد مكن الله الآدمي من استخراج أصناف المنافع منها، عرفنا أن هذه الاختراعات الجديدة في الأوقات الأخيرة، من جملة المنافع التي خلقها الله لبني آدم فيها، فسلكنا بذلك كل طريق نقدر عليه لاستخراج ما يصلح أحوالنا منها، بحسب القدرة). وهـٰذا من توابع النظر؛ لكن ليس هو المقصود الأساسي والأولي من الأمر بالنظر في ملكوت السماوات والأرض في الآيات الخلقية والأرضية والنفسية.

اتضحت القاعدة؟

إذاً ما المقصود من الأمر بالنظر؟ المقصود بالنظر إخلاص العبادة لله، التوصل إلىٰ وجود توحيد الله عز وجل، هل يستفاد من النظر في آيات القرآن الانتفاع بما أودعه الله في هـٰذه الآيات مما يقوم به أمر الدنيا؟ هل من المقصود بالآيات التي أمر فيها بالنظر في الكون أن في هـٰذه الآيات ما تقوم به حياتنا؟ هل هو مقصود أو لا؟ مقصود لكنه تابع؛ يعني لا بأس أن نستفيد منها فيما يقيم مصالح الدنيا؛ ولذلك ذكر مسألة الاختراعات والانتفاع فيما يتعلق بالنظر في الاستدلال بخلق السماوات والأرض على التوحيد.

واضح يا إخوان أو ليس بواضح؟

المقصود هل قول الله عز وجل: ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضِ سورة : يونس (101).  وما إلىٰ ذلك من الآيات التي أمر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ (18)﴾  سورة : الغاشية (17-18).   ما الفائدة من الأمر بالنظر؟

الوصول إلىٰ وجوب إفراد الله بالعبادة.

إثبات الكمال في الربوبية والإلهية والأسماء والصفات للرب سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

طيب هل يمكن أن يقال: إنها أيضاً تفيد النظر في هـٰذه الآيات للاستفادة منها في إقامة أمر الدنيا؟ الجواب: نعم، فننظر في السماوات وما فيها من آيات وفي الأرض وفي الأنفس لنستفيد من ذلك في إصلاح دنيانا، لكن هـٰذا على وجه التبع لا على وجه القصد الأول.

 

 

    

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

(القاعدة الثامنة والخمسون

[الكمال إنما يظهر إذا قُرن بضده])

 

القاعدة, وذكر أمثلتها إجمالا:

(إذا أراد الله إظهار شرف أنبيائه وأصفيائه بالصفات الكاملة أراهم نقصها في غيرهم من المستعدين للكمال.

وذلك في أمور كثيرة وردت في القرآن.

منها: لما أراد الله إظهار شرف آدم على الملائكة بالعلم، وعلمه أسماء كل شيء ثم امتحن الملائكة فعجزوا عن معرفتها،  فحينئذ نبأهم آدم عنها في نسخة: بها.  ،  فخضعوا لعلمه، وعرفوا فضله وشرفه.

ولما أراد الله تعالىٰ إظهار شرف يوسف في سعة العلم والتعبير رأى المَلِك تلك الرؤيا،  وعرضها على كل من له علم بها ومعرفة فعجزوا عن معرفتها، ثم بعد ذلك عَبَّرها يوسف ذلك التعبير العجيب، الذي ظهر به من فضله وشرفه وتعظيم الخلق له شيء لا يمكن التعبير عنه.

ولما عارض فرعون الآيات التي أُرسل بها موسى، وزعم أنه سيأتي بسحر يغلبه، فجمع كل سحار عليم من جميع أنحاء المملكة، واجتمع الناس في يوم عيدهم وألقى السحرة عصيهم وحبالهم في ذلك المجمع العظيم، وأظهروا للناس من عجائب السحر فـ ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ سورة : الأعراف (116).  ، فحينئذ ألقى موسى عصاه، فإذا هي تلقف وتبتلع بمرأى الناس جميع حبالهم وعصيهم، فظهرت هذه الآية الكبرى، وكان السحرة أهل الصنعة أول من خضع لها ظاهراً وباطناً).

ظاهراً بالسجود، وباطناً بأن ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (70)﴾  سورة : طه (70).  .

شرح القاعدة:

والمقصود بهذه القاعدة أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُجري بلطيف حكمته وناتج قدرته ما يبين به فضل أوليائه، وذلك ببيان النقص في أعدائه، وهـٰذا أمر يدركه كل أحد، أنك لا تعرف الحسن إلا إذا عرفت القبيح، ولذلك قال الشاعر الأصل أنمهما عجزين لبيتين مختلفين:

أحدهما عجز بيت للمنبجي أحد الشعراء المعروفين يقول في وصف شخص:

فالوجه مثل الصُّبح مبيضٌّ        والشَّعر مثل الليل مسودُّ

صنفان لما استجمعا حَسُنا        والضد يظهر حسنَه الضدُّ

      والثاني فهذا من الشعر السائر المعروف لأبي الطيب المتنبي قال:

ونذيمهم وبهم عرفنا فضله         وبضدها تتبين الأشياء  :

وبضدها تتميز الأشياء                    الضد يعرف حسنه الضد

فإذا أرت أن تعرف حسن وجميل فضيلة الكرم فانظر إلىٰ سوء وشؤم خصلة البخل، وكذلك في كل خُلُق، فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يظهر شرف أنبيائه وأصفيائه بالصفات الكاملة بأن يُري الناس النقص في مقابلهم، وإذا تبين الكمال انجذبت له النفوس بلا منازعة، ولذلك ما كان من سحرة فرعون -لما عرفوا السحر حقيقة وجربوه ومارسوه، ورأوا الآية والبرهان الذي جاء به موسىٰ عليه السلام- إلا أن أذعنوا له وانقادوا ظاهراً وباطناً، وكانوا أول من آمن به.

 

    

 

(ولما نكص أهل الأرض عن نصرة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتمالأ عليه أعداؤه، ومكروا مكرتهم الكبرى للإيقاع به، نصره الله ذلك النصر العجيب، فإن نصر المنفرد الذي أحاط به عدوه الشديد حَرَدُه في نسخة: الغضب والغيظ.  ، القوي مكره، الذي جمع كل كيده ليوقع به أشد الأخذات وأعظم النكايات في نسخة: النكبات.  ،  وتخلصه وانفراج الأمر له، من أعظم أنواع النصر.

كما ذكر الله هذه الحال التي عاتب بها أهل الأرض، فقال: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ سورة : التوبة (40).  .

وقريب من هذا نصره إياه في نسخة: له.   يوم حنين، حيث أعجبت المسلمين كثرتهم، فلم تغن عنهم شيئاً وضاقت عليهم الأرض بما رحبت ثم ولوا مدبرين، وثبت في نسخة: وثبت الله نبيه.  صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأنزل عليه سكينته ونصره في هذه الحالة الحرجة، فكان لهذا النصر من الموقع الكبير ما لا يعبر عنه).

قول المؤلف رحمه الله: (فإن نصر المنفرد الذي أحاط به عدوه الشديد حَرَدُه) أي غضبه، ولا شك أن مثل هـٰذه الحال يتبين بها عظيم نصر الله لأوليائه؛ لأن نصر المنفرد من أبعد ما يُظن ويُتوقع، فإذا وقع دل ذلك على عظيم قدرة الناصر ونافذ إرادته سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

(وكذلك ما ذكره الله من الشدائد التي جرت على أنبيائه وأصفيائه، وأنه إذا اشتد البأس، وكاد أن يستولي على النفوس اليأس، أنزل الله فرجه ونصره؛ ليصير لذلك موقع في القلوب، وليعرف العباد ألطاف علام الغيوب.

ويقارب هذا المعنى: إنزاله الغيث على العباد، بعد أن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين،  فيحصل من آثار رحمة في نسخة: نعمة.   الله والاستبشار بفضله، ما يملأ القلوب حمداً وشكراً وثناء على الباري تعالى.

وكذلك يذكرهم نعمه بلفت أنظارهم إلى تأمل ضدها، كقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ سورة : الأنعام (46).،﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ . سورة : القصص (71).  

وتلمح مثل هذا المعنى في قصة يعقوب وبنيه: حين اشتدت بهم الأزمة ودخلوا على يوسف،  وقالوا: ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ سورة : يوسف (88). ، ثم بعد قليل قال: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ سورة : يوسف (99).  ، في تلك النعمة الواسعة والعيش الرغيد، والعز المكين والجاه العريض، فتبارك من لا يدرك العباد من ألطافه ودقيق بره أقل القليل.

ويناسب هذا من ألطاف الباري: أن الله يذكر عباده بأثناء المصائب ما يقابلها من النعم؛ لئلا تسترسل النفوس في الجزع ، فإنها إذا قابلت بين المصائب والنعم خفت عليها المصائب، وهان عليها حملها، كما ذكّر الله المؤمنين حين أصيبوا بأُحُد ما أصابوا من المشركين ببدر،  فقـال: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ سورة : آل عمران (165). وأدخل هذه الآية في أثناء قصة أُحُد ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ سورة : آل عمران (123).  . وكذلك يبشر الله عبده بالمخرج منها حين تباشره المصائب؛ ليكون هذا الرجاء مخففاً لما نزل (به) من البلاء،  قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ سورة يوسف (15).  .

وكذلك رؤيا يوسف إذا ذكرها يعقوب رجا في نسخة: كان يعقوب إذا ذكرها رجاء.    الفرج وهب على قلبه نسيم الرجاء،  ولهذا قال: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ سورة : يوسف (87).   .

وكذلك قوله لأم موسى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ سورة : القصص (7).  .

وأعظم من ذلك في نسخة: هذا.  كله: أن وعد الله لرسله بالنصر و(ب) تمام الأمر هون عليهم المشقات، وسهل عليهم الكريهات، فتلقوها بقلوب مطمئنة وصدور منشرحة في نسخة: وحسن العاقبة يهون عليهم به المشقات، ويسهل عليهم الكريهات، فيتلقوها بقلوب مطمئنة وصدور منشرحة.  ، وألطاف الباري فوق ما يخطر بالبال، أو يدور في الخيال في نسخة: ولكن أكثر الناس لا يفقهون. ).

 

    

هـٰذه كلها أمثلة واضحة لهذه القاعدة.

وخلاصتها: أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يظهر عظيم فضله وإحسانه وبره بعباده، وما خصهم به بإظهار ما يكون في مقابلهم من النقص وفوات الكمال، وبهذا يظهر عظيم ما اختصهم الله به، سواء كان ذلك في الأعداء أو في الأحوال: في الأعداء كما جرى في التمثيل الأول في أول هـٰذه القاعدة، وأما في الأحوال فذلك عند الشدائد والمصائب، فتارة يذكر في المصيبة ما أصاب غيرهم، وتارة يذكر في المصيبة ما حصل لهم من الفضل، ولو لم يذكر مصيبة غيرهم، وكل ذلك يظهر به عظيم المن، ولطف الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بعباده.

وهـٰذه أسرار إنما يهتدي إليها من استصحبها عند تلاوته لكتاب الله عز وجل ونظره في سنته سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في عباده الصالحين؛ بل في عباده كلهم؛ لأن سنة الله لا تختلف، فهي مطردة جارية.

 

    

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

(القاعدة التاسعة والخمسون

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾

ما أعظمَ هذه القاعدةَ، و في نسخة: ما أحكم هذا.   الأصلَ العظيمَ الذي نص الله عليه نصّاً صريحاً)

(وعمم ذلك ولم يقيده بحالة من الأحوال في نسخة: على عموم ذلك، وعدم تقيد هذا الهدى بحالة من الأحوال.   ، فكل حالة هي أقوم، في العقائد والأخلاق والأعمال والسياسات الكبار والصغار والصناعات والأعمال الدينية والدنيوية فإن القرآن يهدي إليها ويرشد إليها، ويأمر بها ويحث عليها.

ومعنى ﴿أَقْوَمُ﴾، أيْ أكمل في نسخة: أكرم وأنفس.   وأصلح في نسخة: وأكمل استقامة.  وأعظم قياماً وصلاحاً في نسخة: للأمور.  ).

 

    

 

الشيخ رحمه الله يقول: (وعمم ذلك ولم يقيده بحال من الأحوال) من أين استفدنا العموم في الآية؟ ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ فجعل الهداية إلىٰ وصف لا إلىٰ فعل أو إلىٰ أمر، الهداية إلي وصف وهو الاستقامة، يهدي للاستقامة ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ يعني يهدي للأكمل، في أي شيء؟ في كل شيء، لم يقيده بشيء، فجعل الهداية إلىٰ وصف لا إلىٰ أمر معين، وإلىٰ وصف عام لا إلىٰ وصف خاص، وهـٰذا وجه التعميم في هـٰذه الآية.

ولذلك أدخل الشيخ رحمه الله في الآية كل ما يتعلق بحياة الناس وأمورهم الدينية والدنيوية في العقائد والأخلاق والأعمال والسياسات الكبار والصغار والصناعات والأعمال الدينية والدنيوية، كل هـٰذا القرآن يهدي إلىٰ التي هي أقوم فيه.

 

    

 

ثم يبين ذلك على وجه التفصيل يقول:

(فأما العقائد: فإن عقائد القرآن هي العقائد النافعة التي فيها صلاح القلوب وغذاؤها وكمالها،  فإنها تملأ القلوب محبة لله وتعظيماً له وألوهية وإنابة في نسخة: عزة وكرامة بشعورها بالتجرد من الذل لمخلوق مثلها، وشرفها بتخصصها لمحبة الله تعظيماً له وتألهاً وتعبداً وإنابة.  ، وهذا المعنى هو الذي أوجد الله الخلق لأجله).

هـٰذا من القواعد النادرة في العقائد النافعة، ما الذي ينبغي أن يشتغل به الإنسان في أمور العقائد؟ ما ملأ قلبه (محبة لله وتعظيماً له وألوهية) أي تعبداً (وإنابة) أي رجوعاً إليه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

ماعدا هـٰذا مما يبحث في مسائل الاعتقاد مما حشاه المتكلمون فإنه لا خير فيه؛ لأنه ليس من العقائد النافعة؛ لأن العقائد النافعة هي التي احتواها القرآن، وانظر إلىٰ كل عقيدة ذكرها الله في كتابه تجدها تصب في هـٰذه القاعدة وترجع إليها، وهي أنها تملأ قلوب العباد محبة لله وتعظيماً له وألوهية وإنابة، أي عبودية ورجوعاً إليه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فكان القرآن يهدي للتي هي أقوم في العقائد.

 

    

 

 (وأما أخلاقه التي يدعو إليها: فإنه يدعو إلى التحلي بكل خلق جميل، من الصبر والحلم والعفو وحسن الخلق والأدب وجميع مكارم الأخلاق، ويحث عليها بكل طريق، ويرشد إليها بكل وسيلة).

الأمر بحسن الخلق إجمالاً

يأتي بها إجمالاً وتفصيلاً، فمن الإجمال في مجامع الأخلاق وكريم الخصال قول الله تعالىٰ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)  سورة : الأعراف (199).  . هـٰذه أجمع آية في كريم الخصال وطيب السجايا والأخلاق.

 

الأمر بحسن الخلق تفصيلا

وأتى الأمر بحسن الخلق في آيات كثيرة على وجه التفصيل:

 في العلاقة بين العبد وربه، في العلاقة بين العبد وأقرب الناس إليه والديه، وفي العلاقة مع أقاربه وجيرانه وغير ذلك، حتى مع الكفار بيّن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كيف يتعامل معهم المؤمن وكيف يتخلق معهم، وكل هـٰذا حواه القرآن، فكان كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ في الأخلاق.

 

    

 

 (وأما الأعمال الدينية التي يهدي إليها: فهي أحسن الأعمال التي فيها القيام بحقوق الله وحقوق العباد، على أكمل الحالات وأجلها وأسهلها وأوصلها إلى المقاصد.

وأما السياسات الدينية والدنيوية: فهو يرشد إلى سلوك الطرق النافعة في تحصيل (المقاصد) والمصالح الكلية، وفي دفع المفاسد، ويأمر بالتشاور على ما لم تتضح مصلحته، والعمل بما تقتضيه المصلحة في كل وقت، بما يناسب ذلك الوقت والحال. حتى في سياسة العبد في نسخة: الوالد.  مع أولاده وأهله في نسخة: وزوجه وأهله.   وخادمه وأصحابه ومعامليه، فلا يمكن أنه وجد أو يوجد حالة يتفق العقلاء أنها أقوم من غيرها وأصلح،  إلا والقرآن يرشد إليها نصّاً وظاهراً، أو دخولاً تحت قاعدة من قواعده الكلية).

 

    

 

(وتفصيل في نسخة: هذا الأصل.   هـٰذه القاعدة لا يمكن استيفاؤه في نسخة: في هذه القواعد الإجمالية.  ).

تفصيل هـٰذه القاعدة أي: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. وأيضاً يشير إلىٰ القاعدة التي أشار إليها في آخر كلامه.

 

 

 

    

 

قال: (والقرآن يرشد إليها) أي إلى الأقوم (نصّاً أو ظاهراً، أو دخولاً تحت قاعدة من القواعد الكلية). هـٰذا فيه بيان أنواع دلالات القرآن؛ بل أنواع دلالات النصوص من القرآن والسنة ثلاثة:

إما بالنص على الحكم.

وإما أن تكون دلالة اللفظ على الحكم ظاهرة؛ يعني تدل عليه؛ لكن يحتمل أن يكون المراد غيره.

الثالث: أن يدخل تحت قاعدة كلية، ولذلك على سبيل المثال في الشروط في شروط العقود قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل)) مسلم: كتاب البيوع، باب إنما الولاء لمن أعتق، حديث رقم (1504).   . استدل بهذا الحديث بعض العلماء على أنه لا يجوز اشتراط ما لم يأت في السنة جواز شرطه، ولذلك ذهبوا إلىٰ أن الأصل في الشروط عدم الصحة واللزوم. وقابلهم جمهور أهل العلم، قابل هٰؤلاء جمهور أهل العلم فقالوا: الأصل في الشروط الصحة واللزوم، وأما قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل)) فالمراد كل شرط لم يأت ذكره في كتاب الله لا نصّاً ولا ظاهراً ولا دخولاً تحت قاعدة كلية دل عليها الكتاب والسنة، وقالوا: معنى ((كل شرط ليس في كتاب الله)) أي إنه معارض لما جاء في كتاب الله، أما إذا لم يعارض ما جاء في كتاب الله فإنه مقبول، والأصل فيه الصحة واللزوم؛ لعموم قول الله تعالىٰ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ سورة : المائدة (1).  . وهـٰذا الأمر يشمل العقد في أصله ووصفه، أصله أي موضوعه الأصلي، ووصفه: شروطه التابعة لا التي اشترطت فيه.

    

 

 (وبالجملة فالتفاصيل الواردة في الكتاب وفي السنة، من الأوامر والنواهي والإخبارات كلها تفصيل في نسخة: وما تقتضيه المصالح تفصيلاً.   لهذا الأصل المحيط.

وبهذا وغيره يتبين لك أنه لا يمكن أن يرد علم صحيح أو معنى نافع أو طريق صلاح ينافي القرآن. والله تعالىٰ ولي الإحسان).

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق