وأهل الكهف لما اعتزلوا قومهم وما يعبدون من دون الله، وهب في نسخة: نشر. لهم من رحمته وهيأ لهم أسباب التوفيق في نسخة: المرافق. والراحة وجعلهم (سبباً ل) هداية الضالين.
(ومن ترك ما تهواه نفسه من الشهوات لله تعالى عوضه الله من محبته وعبادته والإنابة إليه ما يفوق جميع لذات الدنيا في نسخة: كلها. ).
نسأل الله من فضله، على كل حال يا إخوان هـٰذه قاعدة مهمة، والتعويض لا يلزم إذا ترك الإنسان شيئاً لله عز وجل، لا يلزم أن يعوض أمراً حسيّاً؛ بل ما يعوضه من الأجور في الآخرة والحضور في القلوب أعظم بكثير؛ ولكن الناس يؤثرون العاجل على الآجل، والقريب على البعيد، والمحسوس على الغائب.
والواجب على المؤمن أن ينفذ ببصره ويستعين الله عز وجل على ذلك، إلىٰ ما وراء اللحظة الحاضرة، فإن الإنسان إذا استعان الله عز وجل أعانه. وكثيراً ما يغفل الإنسان ويؤثر القريب على البعيد، ويؤثر الحظ العاجل على الآجل، فيكون ما قصده من اللذة حسرة، بخلاف ما لو آثر ما عند الله جل وعلا، فيكون هـٰذا النكد الذي يصيبه بسبب فوات ما تشتهيه نفسه مما حرمه الله عليه نعمة وانشراحاً في الصدر، واستنارة في القلب، وبصيرة وذكراً حسناً في الدنيا، وأجراً وفوزاً في الآخرة، نسأل الله من فضله.
لكن المهم أن لا تربط المسألة بكسب وتعويض مادي، فالتعويض قد لا يكون محسوساً، قد يترك الإنسان أمراً من المعاصي، ولا يدرك نظيره في الدنيا من شهوة أكل أو شرب أو جماع أو ما أشبه ذلك، ولا يعوض نظيرها في الدنيا؛ لكنه يعوض ما هو أعظم: من اللذة والإنابة والعبادة التي لا يجدها بدون هـٰذا العمل.
قد تقدم من الأدلة على هذا الأصل الكبير في دعوة القرآن إلى الصلاح والإصلاح في نسخة: الإصلاح والصلاح. ،وفي طريقته في محاجة أهل الباطل، وفي سياسته الداخلية والخارجية ما يدل على هذا الأصل.
أحدهما: المبطلون في عقائدهم وأديانهم ومذاهبهم التييدعون إليها، ففي القرآن من الاحتجاج على هؤلاء (وإقامة الحجج والبراهين على) فساد أقوالهم في نسخة: قولهم. شيء كثير، لا يأتي مبطل يقول إلا وفي القرآن بيانه بالحق الواضح والبرهان الجلي، ففيه الرّد على جميع المبطلين من الدهريين والمعطلين والماديين والمشركين والمتمسكين بالأديان المبدلة والمنسوخة من اليهود والنصارى والأميين.
﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ سورة : الفرقان (33). . يذكر الله حجج هؤلاء وينقضها في نسخة: يرفضها. ويُبدي من الأساليب المتنوعة في إفسادها ما هو معروف، وتفصيل هـٰذه الجملة في نسخة: هذا بالجملة. لا يحتمله هذا الموضع.
والنوع الثانيمن المقاومينللأديان والدنيا والسياسات والحقوق: الشيوعيون الذين انتشر شرُّهم وتفاقم أمرهم، وسرت دعايتهم في طبقات الخلق سريان النار في العشب الهشيم، ولم يكن عند الأكثرين ما يرد صولتهم ويقمع شرهم، وإنما عندهم من الأصول والعقائد والأخلاق والسِّياسات ما يمكِّن أمثال هؤلاء الذين هم فساد العباد والبلاد؛ ولكن -ولله الحمد- القرآن العظيم والدِّين القويم قد تكفّل بمقاومة هؤلاء كما تكفّل بمقاومة غيرهم، وفيه من الأصول والأخلاق والآداب الرّاقية ما يردّهم على أعقابهم منهزمين. فما فيه من العدل ووجوب الحقوق العادلة بين طبقات الناس بحسب أحوالهم، وما فيه من إيجاب الزكاة والإلزام بها، ودفع حاجات الفقراء والمضطرينفي نسخة: والمساكين.، ووجوب القيام بالمصالح الكلية والجزئية، ووجوب حفظ الأملاك في نسخة: الملاك. والحقوق، كل هذا أعظم سد وأحكم حصن في نسخة: صدق وأحسن حكم. للوقاية من شرور هؤلاء المفسدين.
وكذلك ما حَضَّ عليه القرآن من لزوم الآداب العالية والأخلاق السّامية، والأخوة الدينية والرابطة الإسلامية، يمنع من تغلغل في نسخة: تغلل. شرورهم التي طريقها الأقوم تحليل الأخلاق وانحلال الآداب وتحلل الروابط النافعة.
والثورة العامة على الرأسماليين الذين يجمعون ويمنعون، فهؤلاء وإن أبدوا من القوة المادية والتسلط على العباد بالقهر والاستعباد والطمع والجشع، فإنهم لا ثبوت لهم على مقاومة هذا التيار المزعج المخرِّب المدمر ما مر عليه، فما معهم في نسخة: من. سلاح يقاوم سلاحهم، ولا قوة تجابه قوتهم؛ لكونهم لم يتمسكوا بالقرآن الذي فيه العصمة والقوة المعنوية والصلاح والإصلاح والعدل ودفع الظلم، والآداب والأخلاق العالية التي لا تزعزعها عواصف الخراب؛ بل تقذف بالحق على الباطل فتدمغه فإذا هو زاهق.
فإذا جاء هؤلاء المفسدون بالتعطيل المحض والإنكار الصرف في نسخة: والصرف. أبدى القرآن من الحجج والبراهين على وجود الله وعظمته وتوحيده وصدقه وصدق من جاء به ما تصدَّعُ له الجبال، وتخضع له فحول الرِّجال، وإذا تسرَّب هؤلاء الأشرار بتوسط في نسخة: لتوسط. الأخلاق الرذيلة، وانحلال الآداب الجميلة، ووجدوا مسلكاً في هذا الطريق يعينهم على تنفيذ باطلهم، جاءهم هذا القرآن بالحث على الأخلاق العالية والأعمال الصالحة والآداب الجميلة، التي لا تدع للشر على صاحبها في نسخة: صاحبه. سبيلاً، وإذا صالوا بالفقر والفقراء ووجوب المواساة في نسخة: المساواة. واحتجوا على أرباب الأموال بالاحتكار والسيطرة واستعبادهم للعباد واستبدادهم بالأملاك والأموال، ولم يجد هؤلاء قوة عليهم وليس بهم طاقة بوجه من الوجوه، تصدى هـٰذا القرآن العظيم بعدله وقسطه وإيجابه الحقوقالمتنوعة الدافعة للحاجات كلها بعد قيامها بالضرورات لصدهم ومقاومتهم، وإبطال كل ما به يصولون ويجولون، ثم إذا برز بصلاحه وإصلاحه العظيم، ونظامه الحكيم وهديه القويم، وحثِّه على سلوك الصراط المستقيم، ونوره الساطع، وحججه القواطع، لم يبق في وجهه باطل إلا محقه، ولا شر إلا سحقه، ولا بقي من قصده الحق والصواب إلا اختاره واعتنقه، ولا تأمله صاحب عقل ورأي إلا خضع في نسخة: إلا صدع.له، فهو الحصن الحصين من جميع الشرور، وهو القاهر في نسخة: القامع. لكل من قاومه في كل الأمور).
الحمد لله، وكفاه أنه كلام رب العالمين. الشيخ رحمه الله ذكر في هـٰذه القاعدة أنّ القرآن جمع الرّد على جميع الشبه، ما كان منها موجوداً في وقت نزوله: كشبه المبطلين في عقائدهم وأديانهم ومذاهبهم من اليهود والنصارى والوثنيين، وهـٰذا واضح بيِّن، الوصول إليه يدركه كل من نظر إلىٰ القرآن الكريم وتدبّر تدبراً يسيراً آيات الكتاب الحكيم، فهو واضح وظاهر وبين.
لكن القسم الثاني والفريق الثاني من المبطلين الوصول إلىٰ رد شبهته وبيان فساد قوله يحتاج إلىٰ نظر من أهل العلم، وجمع وتتبّع حتى يستطيعوا أن يردوا على باطل المبطلين.
والشيخ رحمه الله خص في كلامه المذهب الشيوعي؛ لكونه شاع في وقته وانتشر وسرى في الناس -كما قال الشيخ رحمه الله- (سريان النار في العشب الهشيم) أي سرى فيهم سرياناً شديداً حتى تأثر به كثير من الناس؛ بل إن بعض المنتسبين إلىٰ العلم ألّف من المؤلفات ما يستدل به على أن الإسلام يدعو إلىٰ المبادئ الشيوعية والاشتراكية، فيقول: اشتراكية الإسلام وما أشبه ذلك؛ لشدة الفتنة في ذلك الوقت بهذا المبدأ الخطير.
ونحمد الله عز وجل أن الله عز وجل قوّض هـٰذا المذهب، وذهبت أفكاره أدراج الرياح، ونسأله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يُتبع به كل قول منحرف عن الإسلام، والله على كل شيء قدير: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا(3)﴾ سورة : الطلاق (3). سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(القاعدة الحاديةالسبعون
في اشتمال كثير من ألفاظ القرآن على جوامع المعاني.
اعلم أن ما مضى من القواعد السّابقة هي المقصود في وضع في نسخة: بوضع. هذا الكتاب، وهو بيان الطّرق والمسالكفي نسخة: والأصول.التي يرجع إليها كثير من الآيات، وأنها وإن تنوعت ألفاظها، واختلفت أساليبها في نسخة: وتفاصيلها. ، فإنها ترجع إلى أصل واحد، وقاعدة كلية.
وأما نفس ألفاظ القرآن الكريم في نسخة: الحكيم. فإنّ كثيراً منها من الألفاظ الجوامع، وهي من أعظم الأدلة على أنها تنزيل من حكيم حميد، وعلى صدق من أعطي جوامع الكلم، واختُصر له الكلام اختصاراً).
وقد تقدم في أثناء القواعد منها شيء كثير، وهي متيسرة على حافظ القرآن، المعتني بمعرفة معانيه. ولله الحمد).
المقصود من هـٰذه القاعدة: أن ما جمعه الشيخ رحمه الله من القواعد ليس حاصراً لكل ما في القرآن، أو لكل قواعد القرآن، إنما هو اجتهاد لأبرز ما توخّى المؤلف رحمه الله أن ينفع قارئ القرآن، على أنه رحمه الله أشار إلى أن ألفاظ القرآن فيها من المعاني وجوامع الكلم ما ينبغي أن يُعتنى به ويحرص عليه، وهو شيء كثير، سمعنا شيئاً من ذلك في الآيات التي ساقها وضرب بها المثل.
ثم قال رحمه الله في ختم هـٰذا الكتاب المبارك:
(والحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات، وقد يسر الله ما منّ علينا بجمعه، فجاء -ولله الحمد- على اختصاره ووجازته ووضوحه كتاباً يسر الناظرين، ويعين على فهم كلام رب العالمين، ويبدي لأهل البصائر والعلم من المآخذفي نسخة: المعاقل.والمسالك والطرق والأصول النافعة ما لا يجده مجموعاً في محل واحد، ومخبر الكتاب يغني عن وصفه.
وأسأله تعالى أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، مقرّباً لديه في جنات النعيم، وأن ينفع به مؤلفه وقارئه، والناظر فيه وجميع المسلمين، بمنِّه وكرمه وجوده وإحسانه وهو خير الراحمين.
وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال ذلك وكتبه جامعه العبد الفقير إلى الله في كل أحواله عبد الرحمـٰن بن ناصرأبو عبد الله السعدي.
وقد تم ذلك في ( 6 شوال سنة 1365هـ ).
والحمد لله أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً).
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وجزاه الله عنا خير الجزاء، أسأل الله عز وجل أن يكون نافعاً لنا، معيناً لنا على تدبر كلام الله عز وجل.