كتاب الحج من كتاب الكافي

من وحتى

عداد المشاهدات : 110

التاريخ : 2026-08-04 14:22:21

  

 

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد.

هذا الكتاب كتاب (الكافي) لأبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي رحمه الله من مهمات الكتب في الفقه عمومًا، وفي فقه مذهب الإمام أحمد على وجه الخصوص، وهو من حيث المرتبة في المنزلة الثالثة من منازل مؤلفات ابن قدامة على وجه الخصوص، ومن المؤلفات في المذهب على وجه العموم، فإن ابن قدامة رحمه الله ألف أربعة كتب (العمدة، المقنع، الكافي، والمغني).

(العمدة) اقتصر فيها على ما يراه راجحًا في مذهب الإمام أحمد رواية واحدة، والمقنع ذكر فيه روايتين دون ترجيح، والكافي ذكر روايات مع الاستدلال والمناقشة والترجيح أحيانًا، وهذا الذي نقرأه الآن.

وأما (المغني) فذكر الروايات، وذكر معها المذاهب الأخرى مع الاستدلال والمناقشة والترجيح، فالكافي من الكتب المتوسطة التي تجمع ذكر الأقوال مع الأدلة، وهذا يحتاجه طالب العلم ليخرج من دائرة نقل الاجتهادات الفقهية والأقوال العلمية إلى معرفة مستند تلك الأقوال، وكيف استنبط الفقهاء تلك الأقوال من أدلتها مع المناقشة والترجيح.

كتاب (الكافي) يتميز بمزايا من أهمها أنه متوسط بين الإطالة والاختصار، فليس بالطويل الممل، ولا بالقصير المخل، يتميز أيضًا بأنه جمع بين الحكم والدليل، فيذكر الروايات وأدلتها، يتميز أيضًا بذكر الروايات عن الإمام أحمد رحمه الله، ويقرن تلك الروايات بأدلتها، يتميز أيضًا بأنه يناقش يذكر قول ويناقش ويرجح في بعض الأحيان، ومن مزايا الكتاب أيضًا الوضوح والسهولة في العبارة.

وكنا قد قرأنا على شيخنا ابن عثيمين رحمه الله (المنتهى) ابتداء من باب البيوع، ثم أنه رحمه الله رأى أن فيه استغلاقا على الطلاب، فانتقل إلى القراءة في (الإقناع)، ورأى أيضًا أنه يحتاج إلى مزيد عناية وتفكيك، ولا يذكر فيه أقوال ومناقشات، إنما يذكر فيه قولًا واحدًا، فرأى الانتقال إلى (الكافي)، واستقر رحمه الله في قراءته مع طلابه على (الكافي) سواء كان ذلك في الدرس الخاص، وكذلك بعد ذلك في الدرس العام، وهذا الكتاب احتفى به العلماء من حيث الإحالة إليه، والاعتناء بشرحه، وتبين لكم من خلال العرض القريب منزلته في المؤلفات في المذهب.

أما ما يتعلق بكتاب (الحج) فالمؤلف رحمه الله يرى في هذا الكتاب على نحو ما هو جارٍ في بقية كتب هذا السفر المبارك، فينتهج فيه بناء مضطردا متقنًا، فبدأ في كتاب (الحج) أو في بيان حكم الحج، ثم فيما يعني أحكام المواقيت والإحرام، ثم بعد ذلك باب محظورات الإحرام، ثم الفدية، وهلم جر إلى أن استوعب كل ما يتعلق بمسائل الحج مصنفة في الأبواب المناسبة مرتبة ترتيبًا متسلسلًا، ويجري في كثير من المواضع على الاستفتاح لذكر الأدلة، ويبني عليها المسائل والأحكام، ويذكر روايات عن الإمام أحمد رحمه الله وما ذهب إليه بعض أصحابه ممن لهم قول معتبر في المذهب، ويرجح، وهو في الأبواب جرى على تقسيمها إلى فصول على نحو ما جرى عليه علماء زمانه، كل فصل يعالج جانبًا من جوانب الباب الذي عقده، فعلى سبيل المثال باب محظورات الإحرام قسمه إلى جملة من الفصول خص كل فصل بمحظور من محظورات الإحرام، والسمة العامة للكتابة الإيضاح والإيجاز المحكم مع الاستيعاب والوضوح.

 

    

 

يقول المصنف رحمه الله في هذا الكتاب: (الحج من أركان الإسلام وفروضه).

وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم، وذكر دليل ذلك من القرآن، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا[آل عمران: 97] وجه الدلالة في الآية قوله: ﴿عَلَى النَّاسِ[آل عمران: 97]، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ[آل عمران: 97]، وعلى تأتي في مثل هذا السياق، بمعنى الإلزام والفرض والإيجاب.

ثم قال: (ولما رويناه فيما مضى)

يعني من كتب العبادات الصلاة والصوم والزكاة، فإن الأدلة على فرضية هذه الأركان مشتركة، فتقدم منها أحاديث تدل على فرضية الحج، ثم انتقى حديثا خاصا بالحج دون غيره، وهو ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «خطبَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فقال: أيها الناسُ ..قد فُرِضَ عليكم الحجُّ فحُجُّوا، فقال رجلٌ: أكُلَّ عامٍ يا رسولَ اللهِ؟ فسكتَ حتى قالها ثلاثًا»صحيح مسلم(1337) إلى آخر الحديث، وجه الدلالة فيه على ما ذكر من أن الحج ركن وفرض قوله: إن الله قد فرض عليكم الحج هذا خبر، فحجوا، هذا أمر، فالدلالة في الحديث بالإخبار من جهتين، من جهة الإخبار بفرضيته، وتأكيد هذه الفرضية بالأمر، وهو دعوة نبوية لامتثال ما فرضه الله عز وجل من فعل ما أمر جل في علاه.

    

 

وقال بعد ذلك: (وتجب العمرة على من يجب عليه الحج).

بعد أن فرغ من تقرير ما يتعلق بالحج من حيث فرض الوجوب انتقل إلى ذكر ما يتعلق بالعمرة، لأنها الحج الأصغر، فلذلك بين حكمها.

قال: (وتجب العمرة على من يجب عليه الحج)

هذا هو المذهب، وقوله على من يجب عليه الحج سيأتي بيان من يجب عليه الحج في كلام المؤلف رحمه الله، لقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ[البقرة: 196] وجه الاستدلال بالآية على إيجاب العمرة أن الله تعالى أمر فيها بالإتمام، فأين الإيجاب في الابتداء؟

قالوا: إن الله تعالى أمر بإتمام الحج والعمرة فقرن بينهما في وجوب الإتمام، والحج واجب الابتداء، فكذلك العمرة يجب ابتدائها كالحج، وهذا فيه نوع من الخفاء في وجه الاستدلال، وقد نوقش الاستدلال بالآية في قول من يرى أن العمرة غير واجبة مما ذكرنا من أن الآية نص في وجوب الإتمام، وليس فيها وجوب الابتداء، وجه الدلالة في الاقتران ضعيفة، دلالة الاقتران ضعيفة، وثمة أعمال يجب إتمامها، إذا شرع فيها المتعبد، وإن كانت غير واجبة الابتداء.

قوله رحمه الله: (ولما روى الصبي بن معبد)

هذا دليل من السنة، لما ذكر من وجوب العمرة على من يجب عليه الحج.

قال: (أتيت عمر، فقلت إني أسلمت يا أمير المؤمنين في زمن عمر، وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي، فأهللت بهما، قال هديت لسنة نبيك)أخرجه أبو داود (1799)، والنسائي (2719)، وأحمد (83)، صححه النووي في المجموع(7/156).

وجه دلالة قوله: وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي. أي مفروضين، وليس هذا فحسب، بل وجد دلالة في الحديث قول عمر: هديت لسنة نبيك، فأقره على ما ذكر من إيجاب الحج والعمرة، وهذا الحديث محل تأمل ونظر، لأن المكتوب على الإنسان لا يلزم أن يكون مفروضا، فقد يكتب الشيء ويفرض، ولا يكون واجبا، فمنه ما هو واجب عيني، ومنه ما هو فرض كفاية، ومنه ما هو سنة، قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ[البقرة: 216]، ومعلوم أن القتال ليس فرضا على كل أحد، بل منه ما هو فرض عيني، ومنه ما هو فرض كفاية، ومنه ما هو سنة فيما إذا كان قد تحققت الكفاية بمن يتحقق به مقصود القتال، فالدلالة في الحديث ليس ظاهرة.

وقوله: (هديت لسنة نبيك)

أي أرشدت، ودللت، ووفقت في إصابة سنة نبيك، والسنة هي الطريقة تشمل الواجب والمستحب.

قوله رحمه الله: (ويجب ذلك في العمر مرة لحديث أبي هريرة).

بين المؤلف رحمه الله صفة الوجوب من حيث التكرار، فقال ويجب ذلك، أي ما تقدم من الحج والعمرة مرة في العمر، مرة، مرة واحدة، لحديث أبي هريرة، حيث قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمن سأله أكل عام يا رسول الله، فسكت، حتى قال ثلاثة، فقال: «لو قلتُ: نعَم، لوجبَتْ ولما استطعتُم، ثم قال: ذَروني ما تركتُكم»صحيح مسلم(1337) ، وجاء النص على ذلك في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه «الحج مرة وما زاد فتطوع » أبو داود (1721)، وابن ماجه (2886) ، وهو في السنن بإسناد لا بأس به.

    

 

قال: (ولا يجوز).

الآن بعد أن فرغ من بيان أن الحج والعمرة لا يجبان إلا مرة واحدة، انتقل إلى ما يجب به العمرة، ولو زاد على مرة واحدة وهو ما ذكره في قوله: (ولا يجوز لأحد دخول مكة بغير إحرام).

فيجب الإحرام لدخول مكة في كل دخول، وهذا كالاستثناء مما تقدم في قوله: ويجب ذلك في العمر مرة، لحديث أبي هريرة، لكن فيمن أراد دخول مكة لزمه ما ذكره المؤلف، ولا يجوز لأحد دخول مكة بغير إحرام، واحتج المؤلف لهذا الحكم بقول ابن عباس رضي الله تعالى عنه لا يدخل مكة إلا محرم، إلا الحطابين، وهذا أثر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وما ذكره المؤلف رحمه الله هو أحد القولين في المسألة أنه يجب الإحرام لدخول مكة، وبالنظر إلى الدليل هذا أثر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه ليس مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويحتمل أن يكون ذلك على وجه الندب، كما يحتمل أن يكون ذلك في حق من لم يسبق له حج أو عمرة، وفي كل الأحوال ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم يدل على خلاف ذلك.

أول حديث أبي هريرة لما قيل له «أكُلَّ عامٍ يا رسولَ اللهِ؟ فسكتَ حتى قالها ثلاثًا. فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: لو قلتُ: نعَم، لوجبَتْ ولما استطعتُم»صحيح مسلم(1337)  وحديث ابن عباس الآخر، ويدل له أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم خير من أتى الميقات بين أن يحرم، وبين ألا يحرم، فوكل الأمر إلى إرادته فقال: «هُنَّ لهنَّ، ولِمَن أتى عليهنَّ مِن غيرِهنَّ مِمَّن أرادَ الحَجَّ والعُمرةَ»صحيح البخاري(1524)، ومسلم (1181) فجعل الحكم منوطا بإرادة الآتي، وليس على وجه الالزام، وإلا لكان هن لهن، ولمن أتى عليهن ممن يقصد مكة لو كان الأمر كما ذكر المؤلف.

ولهذا الصواب من قول أهل العلم في هذه المسألة أنه لا يجب الإحرام بدخول مكة إلا لمن لم يحج ولم يعتمر، أما من حج أو اعتمر، فإن شاء دخلها محرمًا، وإن شاء دخلها غير محرم.

قال: (إلا أن يكون دخوله لقتال مباح).

واستدل بأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح، وعلى رأسه المغفر.

قال: (ودخل أصحابه غير محرمين).

هذا الاستثناء الأول دخولها لقتال مباح، الثاني، أو من يتكرر دخوله كالحطاب والحشاش والصياد، فلهم الدخول بغير إحرام، لحديث ابن عباس المتقدم، فإنه استثنى الحطابين.

قال المصنف قال: (قسنا عليهم من هو في معناهم).

يعني الموافق لهم في المعنى.

ثم قال: (ولأن في إيجاب الإحرام عليهم حرجا).

فينتفي بقول ما جعل عليكم في الدين من حرج، وهذا ليس خاصا بهؤلاء، بل هو عام لكل من دخل ممن سبق له حج أو عمرة، فتكليفه بذلك دون أصل يستند إليه هو مما يلحقهم الحرج.

 

قال: (فإن دخل من يجب عليه الإحرام بغير إحرام، فلا قضاء عليه).

أي من ترك الإحرام لدخول مكة لا يلزمه القضاء، وعلل ذلك فقال: لأنه لو وجب قضاؤه للزمه الدخول للقضاء، أي للزمه دخوله للقضاء قضاء، فلا تناهى، يعني يلزم الدور، فسقط لذلك، والراجح وما تقدم من أنه لا يجب الإحرام لدخول مكة لمن أتى بما يجب عليه من حج أو عمرة على قول وجوبها.

 

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق