كتاب الحج من كتاب الكافي

من وحتى

عداد المشاهدات : 104

التاريخ : 2026-08-04 15:02:18

  

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد.

هذا الفصل عقده المؤلف لبيان شروط وجوب الحج والعمرة بعد تقرير الوجوب، انتقل لذكر ما يتعلق بالشروط التي تراعى في هذا الوجوب، في وجوب الحج والعمرة، فذكر خمسة شروط.

شروط وجوب الحج والعمرة:

قال: (الإسلام، والبلوغ والعقلثم قال: (والحرية والاستطاعة) لكن في هذه الثلاثة شروط الإسلام والبلوغ والعقل.

قال: لما تقدم يعني سبق ذكره، فهي شرط في سائر العبادات.

قال: (والحرية والاستطاعة).

هذان شرطان خاصان بالحج، والمقصود بالخصوصية هنا أي: مزيد توضيح واختصاص بالحج، أما الاستطاعة، فسيأتي بيانه، وكذلك الحرية وجه اختصاص، الاستطاعة بالحج مع كونها شرطا في كل العبادات.

قال لقول الله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا[آل عمران: 196].

هذا بيان لماذا ذكرت الاستطاعة والاستطاعة شرط في كل العبادات، والاستطاعة هي القدرة على الامتثال من غير كلفة وحرج، من غير كلفة زائدة وحرج، أو من غير كلفة تلحق المكلف حرجا ومشقة، هذا التعريف للاستطاعة على وجه الإجمال في كل المشروعات والمأمورات.

قال رحمه الله: لقوله تعالى ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا[آل عمران: 196]، في آية فضل الحج، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا[آل عمران: 196]، فقوله:  ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا[آل عمران: 196]، في الآية بدل من الناس، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا[آل عمران: 196]، فقول الآيات في التقدير، ولله على من استطاع إلى البيت سبيلا حج البيت.

قال: فيدل هذا على أنه لا يجب على غير مستطيع، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم من حيث الأصل، اختلفوا في ما تتحقق به الاستطاعة، لكنهم لم يختلفوا في أن الحج لا يجب إلا على المستطيع، هذا محل إجماع.

قال رحمه الله: (والعبد غير مستطيع)

الآن أتى بما يتعلق بالحرية استدل للاستطاعة ابتداء، لأنه جاء بها النص، وأما الحرية ففرعها على الاستطاعة، قال والعبد غير مستطيع، لأنه لا مال له ومنافع مستحقة، فهذا أعظم عذرا من الفقير، فجعل هذه الآية دليلا على الشرطين جميعا، الاستطاعة في الأصل والحرية باللازم، لأن من لازم الاستطاعة أن يكون له مال، والعبد لا مال له، وبالتالي لا يلزمه الحج، فيشترط للحج الحرية.

يقول رحمه الله: وهذه الشروط تنقسم لثلاثة أقسام مما تميز به هذا الكتاب أيضا التقسيمات التي تقرب العلم، وتسهل إدراكه على طالبه، والراغب في تحصيله، ومنه هذا التقسيم الذي بينه المؤلف رحمه الله فيما يتصل بشروط الحج.

    

 

قال: (وهذه الشروط تنقسم لثلاثة أقسام).

أو اعتبار التقسيم هنا سيتضح الصحة والإجزاء والوجوب.

إذا الثلاثة أقسام شروط صحة، شروط إجزاء، شروط وجوب.

إذًا هذا التقسيم باعتبار صفة الشرط، وما يتحقق به، فيشترط للصحة الإسلام والعقل، فمن حج وهو كافر فلا حج له، ومن حج وهو فاقد العقل لا حج له، بمعنى لا يصح حجه.

قال: (فلا يصح من كافر ولا مجنون).

قال: لما ذكرنا في الصوم هذه إحالة إلى ما تقدم، من أنه رفع القلم عن ثلاثة، ومنهم المجنون حتى يفيق هذا في المجنون، وأما الإسلام، فلا يقبل من أحد شيئا من العبادات إلا بالإتيان به، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ[البينة: 5] فلا بد من الإتيان بالأصل الذي يبنى عليه غيره، وهو الشهادة لله بالتوحيد، وللنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة.

قال: (وقسم).

هذا القسم الثاني من أقسام الشروط،

قال: (وقسم يشترط للإجزاء).

والمقصود بالإجزاء براءة الذمة، وسقوط الطلب، فيشترط لبراءة الذمة من الطلب، وسقوط الطلب هذان الشرطان، وهو البلوغ والحرية، أن يكون الحاج بالغا حرا، فإذا تحقق فيه البلوغ والحرية أجزئه بمعنى برئت ذمته بفعله، وسقط عنه الطلب، فلا يطلب منه حج ولا عمرة.

قال لما روى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أيُّما صبيٍّ حجَّ ثم بلغ الحِنْثَ فعليهِ أن يَحُجَّ حجَّةً أخرى، وأيُّما أعرابيٍّ حجَّ ثم هاجرَ فعليهِ حجَّةٌ أخرى، وأيُّما عبدٍ حجَّ ثم أُعْتِقَ، فعليهِ حجَّةٌ أخرى» أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط(2731)، والبيهقي (8875) وهذا مما يدل على عدم وجوب الحج على العبد، وأن من شروط الوجوب في حج الإنسان أن يكون حرا، وما ذكره المؤلف هنا اقتصارا على ما تقدم من الدلالة باللازم في قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا[آل عمران: 196]، قال رواه الشافعي والطيالسي في مسنديهما.

ثم قال: (ولأنه فعل العبادة، وهو من غير أهل الوجوب، فلم يجزئه).

إذا صار من أهل الوجوب كالصبي يصلي، الآن لما فرغ بالاستدلال انتقل إلى التعليل، وهنا التعليل هو القياس، فلم يجزئه إذا صار من أهل الوجوب كالصبي يصلي، ثم يبلغ في الوقت، وإن وجد البلوغ أو العتق إلى آخره.

(كالصبي يصلي ثم يبلغ في الوقت).

صفة صلاة الصبي قبل البلوغ النفل، فإذا بلغ في أثناء الصلاة وهو صبي، ثم بلغ ألزموه بالإعادة، لأنه شرع بها وهي غير فرض، فلا تنتقل إلى أن تكون فرضا، ولكن هذا الاحتجاج هو احتجاج بمسألة قياس على مسألة متفق عليها، ومختلف فيها، والقاعدة أنه يشترط لصحه القياس الاتفاق على الأصل المقيس عليه، وهنا الأصل المقيس عليه مختلف فيه، فبالتالي لا يبنى عليه حكم، لأن المخالف يقول أصلا أنا ما أسلم لك أنه الصبي، إذا بلغ في أثناء الصلاة لم تجزئه صلاته.

قال: (وإن وجد البلوغ أو العتق في الوقوف).

الآن إذا وجد البلوغ والعتق، أو العتق، إذا وجد البلوغ، يعني إذا توافر شرط الإجزاء في أثناء العبادة في أثناء الحج، لأن مدة الحج ممتدة، لأن أعمال الحج والعمرة قد تمتد، فإذا وجد وجدت الحرية بأن عتق العبد، أو حصل البلوغ بأن بلغ الصبي، فما تأثير هذا على إجزاء العبادة؟

يقول: هذا يختلف باختلاف الزمن الذي يقع فيه البلوغ والعتق.

قال: (وإن وجد البلوغ بعرفه أو قبله أجزئه عن حجة الإسلام).

فلا يلزمه أن يحج حجة أخرى لماذا؟

لأنه أتى بركن الحج الأعظم، وهو قد توافر فيه شرط الإجزاء.

قال رحمه الله: (لأنهما أتيا بالنسك حال الكمال).

فأجزئهم هذا التعليل كما لو وجد ذلك قبل الإحرام، وإن وجد بعد الوقوف، هذه الحالة الثانية أن يكون البلوغ والعتق بعد الوقوف، فإن كان في وقته الآن، إذا كان البلوغ بعد الوقوف، إن كان في وقت الوقوف، يعني ما زال وقت الوقوف ممكنا، فرجع يعني إلى عرفة، فوقف في الوقت أجزئهما أيضا يعني عن حجة الإسلام أجزئهما، لذلك وإن فاتهما ذلك لم يجزئهما لفوات ركن الحج قبل الكمال، هذا ما ذكر المؤلف رحمه الله فيما يتعلق بهذين الشرطين.

إذًا عندنا الآن مضى شرط الصحة ومضي شرط الإجزاء.

 

    

 

يقول المؤلف رحمه الله: (الثالث شرط للوجوب).

هذا القسم الثالث من أقسام الشروط شرط للوجوب، وهو شرط واحد، وهو الاستطاعة، والنص عليه في الآية الكريمة.

قال: (فلو تكلف العاجز الحج أجزئه).

وإذا أجزأه صح، فالإجزاء يستلزم الصحة.

قال: (ووقع موقعه).

لأنه إنما سقط عنه رفقا به، فإذا تحمله أجزأه كما لو تحمل المريض الصلاة قائما، لكن إن كان بالحج كلًا، هذا استثناء يعني الذي ليس له استطاعة.

(إن كان في أثناء الحج كلًا على الناس).

أي ثقيلا عليهم بفاقته وحاجته لمسألته إياهم وتثقيله عليهم، كره له أي ذلك، كره له أن يحج.

لأنه قال: (يضر بالناس بالتزام ما لا يلزمه).

فهو لا يلزمه الحج، فيضر بالناس أن يعولوه ويكلئوه، ويتحملوا عنه في شيء لم يفرضه الله تعالى عليه. قال: (وإن لم يكن كلًا).

يعني لم يكن عالة على الناس في الحج، لقوته على المشي، فلا يحتاج إلى ركوب، والتكسب فلا يحتاج إلى سؤال الناس لقوت بدنه.

قال: (والتكسب بصنعه أو معاونة من ينفق عليه، فهو مستحب له).

يعني وليس واجبا، لأنه لم يتحقق في حالة الاستطاعة، وهي ما سيأتي بيانها بعد القدرة المالية.

قال رحمه الله: (فهو مستحب له).

لقوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ[الحج: 27] فذكر في حال الجائي إلى البيت الركوع، والسير على الأقدام، فقول: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا[الحج: 27] أي سائرين على أرجلهم، وعلى كل ضامر يعني راكبين على ما يسر الله من المراكب.

قال: (ولأنه التزام للطاعة من غير مضرة لأحد، فاستحب كقيام الليل).

وفهم من هذا أنه لا يجب عليه، وهذا أحد القولين في المسألة، وهذا فرع ما يتعلق بالاستطاعة، والقول الثاني أنه إذا كان قادرا على الوصول إلى البيت مشيا من غير مشقة زائدة، وله قدرة على التكسب والاغتناء عن سؤال الناس، فإنه مشمول بعموم قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا[آل عمران: 196]، فلا يكون في حقه مستحبا، بل يكون في حقه واجبا.

 لعلنا نقف على هذا، والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق