كتاب الحج من كتاب الكافي

من وحتى

عداد المشاهدات : 100

التاريخ : 2026-08-04 15:02:42

  

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد.

هذا الفصل عقده المؤلف ــ رحمه الله ــ لبيان الاستطاعة، وما يتصل بها من المسائل وابتدأه ببيان ضابط الاستطاعة التي بها يتحقق الوصف الموجب لفرض الحد، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا[آل عمران: 196]،

ضابط الاستطاعة:

قال: (والاستطاعة في حق البعيد الزاد والراحلة).

فخرج بقوله في حق البعيد القريب، وسيأتي بيان ضابط القرب الذي لا يلزم فيه زاد وراحلة، وما ذكره رحمه الله من أن ضابط الاستطاعة التي يجب بها الحج أن يكون مالكا لزاد وراحلة، ما ذكره من حديث ابن عمر رضي الله عنه جاء رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: «ما يوجب الحج؟ قال الزاد والراحلة».أخرجه الترمذي (813) قال الترمذي: وهذا حديث حسن، وقد جاء هذا الحديث عن جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فروي عن ابن عباس، وروي عن أنس، وروي عن عائشة، وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى ضعف هذه الأحاديث، وذهب آخرون إلى أن تعدد مخارجها موجب لثبوت أصل هذا الحديث، أو موجب لأن يكون لهذا الحديث أصلا، وهذا هو ما ذهب إليه جمهور العلماء من الحنفية والشافعية والحنابلة أن الاستطاعة تتحقق بملك زاد وراحلة، فهذا قول جماهير العلماء، وقد قال الترمذي رحمه الله بعد أن ذكر الحديث قال: والعمل عليه عند أهل العلم، يعني أهل العلم على اعتبار ملك الزاد والراحلة في الاستطاعة.

والقول الثاني في المسألة أن الاستطاعة هي القدرة على الوصول إلى البيت، وفعل المناسك بلا مشقة زائدة، والرجوع إلى البلد، وبهذا قال مالك رحمه الله، واختاره جماعة من أهل العلم، وأجابوا عن الحديث بما تقدم من أنه ضعيف، وأشرنا إلى الرد على هذه الإجابة بأن تعدد مخارج الحديث تشير إلى أن له أصلا، وأجابوا بجواب آخر قالوا: إن الحديث فسر فيه النبي صلى الله عليه وسلم الاستطاعة بالمثال فهو تمثيل، وبالتالي التفسير بالمثال لا يفيد الحصر، وقيل: إن تفسير النبي صلى الله عليه وسلم استطاع بالزاد والراحلة هو من باب ذكر الغالب في حال الناس في ذلك الزمان، وهو أن الاستطاعة تتحقق لمن ملك زدا وراحلة، وما خرج مخرج الغالب ليس له مفهوم، فلا يلغي الحكم فيمن لم يملك زادا وراحلة، وهذا القول قرره الشنقيطي رحمه الله تقريرا بديعا.

الوجه الثالث الذي أجابوا به عن الحديث من جهة المعنى، قالوا إن ذكر الزاد والراحلة هو من باب ذكر بعض أفراد العام بحكم لا يخالف العام، وإذا كان كذلك فذكر بعض أفراد العام بحكم لا يخالف العام لا يعد، تخصيصا العام ما هو، ولا الناس يحج البيت من استطاع إليه سبيلا، والاستطاعة هي القدرة على الوصول إلى البيت من غير كلفة زائدة، وأداء المناسك والرجوع، والخاص هو ما فسر به النبي صلى الله عليه وسلم الاستطاعة للزاد والراحلة، وهذا بعض أفراد العام، بعض ما تحصل به الاستطاعة، وبالتالي ذكر بعض أفراد العام بحكم لا يخالف العام لا يفيد التخصيص، فلا يدل على قصر الاستطاعة على ملك زاد وراحلة، وهذا القول أقرب إلى الصواب، فالأقرب في ضابط الاستطاعة التي تشترط بوجوب الحج، أن القدرة البدنية والمالية التي يتمكن بها الحاج من الوصول إلى مكة وفعل المناسك والرجوع إلى بلده دون مشقة زائدة، وهذا ما ذهب إليه مالك رحمه الله.

ذكر المؤلف تعليلا بعد الاستدلال قال: ولأن العبادة تتعلق بقطع مسافة بعيدة، فاشترط لوجوبها الزاد والراحلة كالجهاد، ثم قال في بيان أوصاف الزاد والراحلة، طبعا عبادة تتعلق بقطع مسافة، لكن الناس يختلفون في قدرتهم على قطع المسافات، فإذا قدر على قطع المسافة البعيدة من غير راحلة، ومن غير أن يتزود، يعني كان يتزود في طريقه، فلا يسقط عنه الوجوب.

    

 

قال: (والزاد هو ما يحتاج إليه من مأكول ومشروب، وكسوة لذهابه ورجوعه).

يعني من خروجه إلى رجوعه، وهذا لا ينفي أن يكون من له القدرة على التكسب وإغناء نفسه بالطريق، أنه لا يجب عليه، فلا يلزم أن يكون مالكا لكل المال الذي يحصل به الكفاية مأكل ومشرب وكسوة ذهابا وإيابا، بل لو كان عنده القدرة على الكسب، فالقوي القادر على الكسب كالكاسب في فرض الحج عليه.

قال: فإن وجد ذلك لذهابه دون رجوعه لم يلزمه الحج لأن عليه في غربته ضررا ومشقة وغيبة عالية ومعاشه، وإن وجد ما يكفيه لذهاب ورجوعه بثمن مثله في الغلاء والرخص، أو بزيادة لا تجحف بماله لزمه.

هذا كله في بيان ضابط القدرة، وأن المعتبر في قدرته على ما يحصل به الزاد مأكل ومشرب وكسوة ذهابا وإيابا بثمن المثل المعتاد، وما يزيد قليلا، ضابط ما يزيد قليلا مما نحصل به تغابن، ولذا قال: لا تجحف بماله لزمه، وتعتبر القدرة، أي يشترط في وجوب الحج القدرة على الماء وفي البهائم في منازل الطريق على ما جرت به العادة، ولا يكلف حمل ذلك من بلد لما فيه من المشقة التي لا يمكن تحملها، ويعتبر قدرته يعتبر يعني يشترط قدرته على أوعية الزاد والماء، إلا أنه لا يستغني عنها كل هذا من تفاصيل ما يتعلق بالزاد والراحلة.

قال: (ويشترط وجدان راحلة تصلح لمثله).

يعني تليق به، تصلح لمثله، فلا يثبت الوجوب بأي راحلة، إنما الراحلة التي جرت العادة بأن يركبها مثله في سفره.

ولذلك قال: (وجدان راحلة تصلح لمثله وذلك يا إما بشراء أو كراء).

ومما يلحق بالقدرة على الراحلة ما يحتاج إليه من آلاتها الصالحة إلى آخر ما ذكر المؤلف رحمه الله.

ثم قال رحمه الله: ويكون ذلك المشار إلى أين؟

ملك الزاد والراحلة أن يكون مالكا لزاد وراحلة، فاضلا عما يحتاجه، فاضلا أي: زائدا عما يحتاج إليه لقضاء دين حال أو مؤجل، فإذا كان عليه دين حال، وهو الدين الذي يطالب به في الحال، يعني في الزمن الحاضر، وكذلك المؤجل، وهو الذي ضرب له أمد لتحصيله، فسواء كان دينا حالا، أو دينا مؤجلا، فإنه لا يجب عليه الحج، إذا كان هذا الدين ينقص قدرته على الزاد والراحلة، فمن عليه دين ينقص قدرته على الزاد والراحلة لا يجب عليه الحج، ليس من أهل الوجوب، وعليه يتبين أن من كانت قدرته على الحج بالاستدانة يستطيع أن يستدين أي يقترض ليحج، فإنه لا يلزمه، وعليه من كان قادرا على الحج بإيفاء تكاليف الحج من طريق البطاقات الائتمانية هل يلزمه الحج أو لا؟ يلزمه البطاقات التي تعطي الحامل لها قدرا من المال يتمكن فيه من التصرف، هي أشبه ما يكون ببطاقة، استدانة قرض اقتراض، يعني في حقيقتها أنه يتحمل دينا من خلال هذه البطاقة، كيفناه قرض، كيفناه دين بغض النظر عن تكييفه، لكنه شيء يثبت في ذمته، فهذا لا يجب عليه الحج، لأنه غير مستطيع، إذ إن الاستطاعة في القدرة المالية هي أن يملك ذلك، ومن أهل العلم من يفرق بين الدين الحال والدين المؤجل، فيقول الدين الحال يمنع وجوب الحج، أما المؤجل فلا يخلو من حالين:

الحالة الأولى: أن يرجو وفاء بأن يكون له مكسب يوفي ما عليه من دين بانتظام، لا سيما في الأقساط والمؤجلة، فهذا يجب عليه الحج يكون من أهل الفرض، وأما إن كان لا يجد أو يخشى ألا يتمكن من الوفاء، فإنه لا يلزمه في الدين المؤجل، فيفرقون بين من له مكسب يغلب على ظنه وفاء الدين من خلاله، فهذا لا يؤثر دينه المؤجل على فرض الحج، والذي يظهر والله أعلم أن من عليه دين، فإنه لا يجب عليه الحج، سواء كان ذلك حالا أو مؤجلا، ما دام أنه ينقص قدرته الحاضرة، لأن اشتغاله بالحج يؤثر على وفاء دينه، وفاء دينه أولى من أن يشتغل بما لم يفرضه الله تعالى عليه، هذا أقرب القولين فيما يظهر، والله تعالى أعلم.

قال رحمه الله: (ويكون ذلك فاضل عما يحتاج إليه لقضاء دين حال أو مؤجل، ونفقة عياله إلى أن يعود، وما يحتاجون إليه من مسكن وخادم).

لأن هذا واجب عليه، وهذا واضح يتعلق به حق آدمي، فكان أولى بالتقديم كنفقه نفسه.

(وإن احتاج إلى نكاح لخوف العنت قدم عنده مال يستطيع أن يحج به، ولكنه يحتاج هذا المال لإعفاء نفسه، سواء في النكاح الأول، أو فيما بعده، لخوف العنت قدم، لأنه واجب لدفع الضرر عن نفسه، فأشبه النفقة، أي الواجبة في مأكل، أو مشرب، أو ملبس، وإن لم يخف يعني إن كانت حاجته إلى نكاح لا تبلغ به هذا الحد، وهو خوف العنت، وجب الحج، لأنه تطوع، فلم يسقط به حج الواجب، لأنه أي النكاح في هذه الحال تطوع، فلم يسقط به حج الواجب أي الفرض بالحج.

قال رحمه الله: (ومن له عقار يحتاج إليه للسكنى، أو إلى أجرته لنفقته، ونفقه عياله).

إلى آخر ما ذكر رحمه الله كل هذه الصور مما يندرج في كونه غير مستطيع، لتعلق حاجته بهذا المال تنقص قدرته المالية على الحج.

أشار هنا قال: (ومن كان ذلك فاضلا عن حاجته كمن له بكتاب نسختان، أو له دار فاضلة، أو مسكن واسع يكفيه بعضه، فعليه صرف ذلك في الحج).

هذه المسألة يعني إذا كان عنده فضل مال لا يحتاج اليه، فإنه يجب عليه أن يوفر من هذا المال ما يتحقق له به الحج، قال بعد ذلك، ومن لم يكن له مال فبذل له ولده أو غيره مالا يحج به لم يلزمه قبوله، وذلك لخشية المنة، فإن انتفت المنة بالكلية كالحج الذي يكون مع الجهات الخدمية في الحج، والجهات التي تمكن منسوبيها من الحج من غير منة، فهذا نوع من الاستطاعة، فإن كان فيها منة أو مشاحة الطلب أو ما أشبه ذلك، فإنه غير مستطيع، أما إذا كان يبذل له ولغيره من غير منة، فإن ذلك نوع استطاعة.

قال: (وإن بذله أن يحج عنه أو يحمله لم يلزمه قبوله، لأن عليه فيه منا ومشقة، فلم يلزمه قبوله، كما لو كان الباذل أجنبيا).

هذه في حق من كان عاجزا ببدنه قادرا بماله، وكذلك من كان عاجزا ببدنه وماله، من كان عاجزا، شخص عنده لا يقدر على الحج ببدنه، وليس عنده مال، فبذل الولد المال لمن يحج عن أبيه.

قال: (إن بذل له أن يحج عنه أو أن يحج عنه أو يحمله، إن كان زمنا لم يلزمه قبوله).

قال: (لأن عليه فيه منا ومشقة، فلم يلزمه قبوله كما لو كان الباذل أجنبيا).

ففرق في بذل الولد بين أن يكون البذل ليحج هو بنفسه عن نفسه، وبين أن يبذل له ليحج عنه غيره، أو أن يحمل غيره، ففي الأولى قال: لم يلزمه قبوله، وفي الثانية أيضا قال: لم يلزمه قبوله يعني سوى بين المسألتين سوى بين الصورتين، فجعل الحكم في الصورتين واحد أنه لا يلزمه قبوله، سواء بذله بأن يحج عن نفسه أو بذله بأن يحج عن غيره إن كان عاجزا، أو بذله من يحمله إذا كان عاجزا ببدنه.

    

 

يقول رحمه الله" (فأما المكي ومن بينه وبين مكة دون مسافة قصر، فلا يشترط في حقه الراحلة لأنه يتمكن من السير).

قال: (ومتى قدر على الحج ماشيا).

يعني من هذا حاله المكي، ومن بينه وبين مكة دون مسافة قصر، فإنه يلزمه الحج ماشيا إذا كان قادرا. قال: لأنه يمكنه ذلك من غير مشقة شديدة، وقصر هذا الحكم على المكي، ومن بينه وبين مكة مسافة قصر لا دليل عليه، ولهذا الصواب أن كل من كان قادرا على الوصول إلى مكة راكبا أو ماشيا دون مشقة زائدة على المألوف، فإنه يلزمه الحج، والمؤلف قصر هذا الحكم على من كان مكيا يعني من أهل مكة، ومن بينه وبين مكة مسافة قصر، فالأفاقيون ومن وراء مسافة القصر لا يلزمهم الحج ماشيا، ولو كانوا قادرين عليه، وهذا خلاف ما دلت عليه الآية في قول الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ[الحج: 27] فسوى في المجيء بين الراجل الماشي وبين الراكب من أي جهة كانوا، وقصر هذا الحكم على المكي، ومن دون المسافة قصر لا دليل عليه.

قال: (وإن عجز عن المشي وأمكنه الحبو لم يلزمه، لأن مشقته في المسافة القريبة أكثر من السير في المسافة البعيدة).

فلا يلزمه. لعلنا نقف على هذا، والله تعالى أعلم صلى الله وسلم على نبينا محمد.

 

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق