كتاب الحج من كتاب الكافي

من وحتى

عداد المشاهدات : 116

التاريخ : 2026-08-04 15:03:45

  

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد.

الحج على الفور أم التراخي؟

قوله رحمه الله: (ومن كملت الشرائط في حقه الشرائط الوجوب لزمه الحج على الفور).

وهذا مذهب الجمهور من الحنفيةالبحر الرائق لابن نجيم (2/333) والمالكيةحاشية الدسوقي(2/3)، وفاقا لمذهب أحمدالإنصاف للمرداوي (3/287)، وكشاف القناع للبهوتي (2/377).

والقول الثاني: أنها على التراخي، وهو مذهب الشافعي رحمه اللهالحاوي الكبير(4/24)، حجة من يرى أنه يلزمه على الفور، ولا يجوز له التأخير ما جاء من النصوص أول ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا[آل عمران: 97]، وجه الاستدلال بالآية قالوا الأصل في الامتثال في امتثال الأمر الفورية، فمن كملت فيه الشروط لزمه الأداء.

واستدلوا أيضا بحديث «من أراد الحجَّ فليتعجَّلْ»، فإنه لا يدري ما يعرض له، وهذا فيه الحث على التعجل، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإنَّهُ قد يمرضُ المريضُ وتضلُّ الضالَّةُ وتعرِضُ الحاجَةُ» أخرجه أبو داود(1732)، وابن ماجه (2833)، وأحمد (2973).

الثالث من الأدلة، ما جاء عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم في حق من تأخر في الحج، وقد روي عن علي مرفوعا، والصواب أنه موقوف على علي، وعلى عمر رضي الله تعالى عنه، أنه قال (من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله، ولم يحج، فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا) أخرجه الترمذي(812)  من حديث علي, وأبو نعيم في الحلية(9/252)من حديث عمر بمعناه ، ثم قال: ولأنه أحد أركان الإسلام، فلم يجز تأخيره إلى غير وقت كالصيام، وهذا تعليل أنه إذا قلنا بجواز التراخي في الحج أن وجوب الحج على التراخي، لا على الفور، ما حد ذلك؟

ليس له حد، وبالتالي يفضي إلى إضاعته وعدم الإتيان به.

    

 

يقول رحمه الله: (وحج الصبي صحيح).

وهذا في قول عامة أهل العلم، وقوله صحيح، أي أنه يقع موقع القبول، لكن هذا لا يسقط عنه حجة الإسلام، كما تقدم في حديث ابن عباس.

قال: (لما روى ابن عباس، قال رفعت امرأة صبيا، فقالت يا رسول الله، ألهذا حج؟).

أي له أجر في ذلك؟

قال: (نعم، ولك أجر).

يعني له حج وإثبات الحج له ثبوت الأجر والصحة، ولك أجر أي القيام عليه ورعايته في إتمام هذه النسك.

قال: (والكلام فيه في أربعة أمور).

إذًا هذا قرره المؤلف رحمه الله، وهو محل اتفاق، ثم انتقل إلى مسائل تتعلق بحج الصبي، أولى هذه المسائل. قال رحمه الله: (في إحرامه).

أي كيف يحرم الصبي؟

والصبي لا يخلو من حالين؛ أن يكون مميزا، وأن يكون غير مميز، فإن كان مميزا، وهو من يفهم الخطاب، ويرد الجواب، والغالب أن يكون ابن سبع سنين، هذا إذا أحرم بإذن وليه صح إحرامه، فهو يحرم بنفسه، لكن لابد من إذن وليه، فيعلم يقال قل لبيك عمرا، قل لبيك حجا، ولكن لابد أن يكون ذلك بإذن وليه، ومن هو وليه؟

هو الذي يلي ماله.

ولذلك قال المصنف رحمه الله: (ولا يصح بغير إذنه).

لأنه عقد يؤدي إلى لزوم مال، وهو النفقة عليه في حجه وعمرته، وما يترتب على ذلك من تكاليف، فلم ينعقد منه بنفسه، يعني قياسا على البيع، لأنه يترتب عليه كلفة، وهذه الحالة الأولى من أحوال الصبي أن يكون مميزا.

الحال الثانية أن يكون غير مميز، وهو من دون السبع فكيف يحرم؟

قال: (أحرم عنه وليه).

ثم عرف الولي، قال: الذي يلي ماله، وهذا تعريف للولي لمن كان مميزا، ولمن كان غير مميز.

قال: (ومعنى إحرامه).

يعني هنا بيان كيف يكون إحرامه عنه.

قال: (عقده الإحرام له، فيصير الصبي بذلك محرما دون الولي).

يعني إذا كان الولي لم يحج ولم يعتمر، فإن نيته عن الصبي لا يلزمه بها شيء، كما يعقد له النكاح، فلذلك صح أن يحرم عنه الولي محلا، يعني حال كونه حلالا غير محرم، محلا كان أو محرما، ممن حج عن نفسه، وممن لم يحج.

(فإن أحرمت عنه أمه).

هذه مسألة، هذا إذا كان أحرم وليه، وهو من يلي ماله، فمن أحرمت عنه أمه.

قال: (فإن أحرمت عنه أمه صح في ظاهر كلام الإمام أحمد).

لأنه قال يحرم عنه أبواه، وهو ظاهر حديث العباس لأن الذي رفع الصبي هو المرأة، وقالت ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر، ولم يقل إن أحرم أبوه، أي إن أحرم له أبوه أو نحو ذلك أو وليه.

قال: وهو موضع حديث ابن عباس، وقال القاضي لا يصح لعدم ولايتها على ماله، والصواب الصحة. قال: (وفي سائر عصباته).

يعني إحرام سائر عصباته، والعصبات هم قرابات الرجل من جهة أبيه، إذا أحرم عنه أحد عصباته، ففيه وجهان، والوجه دون الرواية، الرواية هي المنقولة نصا عن أحمد.

وأما الوجه فهو اجتهاد أصحاب الإمام أحمد في استنباط قوله واستخراج رأيه، فلم يرد عنه نص، لكنهم أخذوه مما ورد عنه من أقوال وآراء ألحقوا بها ما لم ينص عليه هذا وجه.

قال: وجهان بناء على القول في الأم من جهة أنها تحرم عنه ولا تحرموا عنه، فالحق العصبات بالأم، وما نص على العصبات نص على الأم، فألحقوا العصبات بالأم، وهذا معناه كون المنقول عنه في هذا وجه وليس رواية.

قال: (فأما الأجنبي، فلا يصح إحرامه عنه وجها واحدا).

أي: قولا واحدا، ليس له أن يحرم عنه، لأن ذلك تصرف فيما ليس له، نعم هذه المسألة الأولى من المسائل الأربعة التي ذكر المؤلف رحمه الله الأمر الأول وهو ما يتعلق بكيفية إحرامه عن الصبي، سواء كان مميزا أو غير مميز.

المسألة الثانية: ما الذي ينوب فيه الولي عن الصبي؟

تقدم أنه ينوب عنه في الإحرام، إن كان غير مميز، ويأذن له إن كان مميزا، بقية الأنساك ما العمل فيها؟

قال: (ما قدر الصبي على فعله، فإنه يلزمه أن يفعله كالوقوف بعرفة ومزدلفة فعليه فعله، وما لا يمكنه فعله، كالرمي، فعله الولي).

وهذا الضابط يفعل الصبي، كل ما يمكنه فعله، وما لا يمكنه فعله ينوب عنه وليه، والحديث في هذا الذي ذكر حديث جابر «حججنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلبينا على الصبيان، ورمينا عنهم» أخرجه الترمذي (945), وابن ماجه(3038)  ، والتلبية هنا في حق من لم يحسن التلبية من الصغار الذين لم يبلغوا التمييز ورمينا عنهم.

قال رحمه الله: (وإن أمكنه المشي).

يعني الصبي.

(وإلا طيف به محمولا).

وذكر ما روى أبو إسحاق أن أبا بكر طاف بعبد الله بن زبير في خرقة.

وقوله: (لا يرمي عن الصبي إلا من أسقط فرض الرمي عن نفسه).

بناء على ما جاء في حديث شبرمه «أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: لبيك عن شبرمه. قال: من شبرمه؟ قال: أخ لي أو قريب، قال حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمه»   أخرجه: أبو داود (1811)، وابن ماجه (2903)   .

الأمر الثالث: أن ما فعله من محظورات الإحرام إن كان مما يفرق بين عمده وسهوه، فلا فدية فيه، ما يفرق بين عمده وسهوه وخطأه، فهذا لا يترتب عليه شيء، مثاله، وهذا سيأتي في المحظورات مثل لبس المخيط والطيب، أما ما لا يفرق بين عمده وسهوه، وهو ضابط ما يكون فيه إتلاف كقص الأظافر، والصيد، فهذا تلزمه فيه فدية، ولكن الصحيح أنه لا يفرق في محظورات الإحرام بهذا التفريق، بل جميع محظورات الإحرام إذا فعلها جاهلا أو ناسيًا أو مكرها، فلا شيء عليه للإجماع على إسقاط المؤاخذة عمن فعل شيئا ناسيا أو جاهلا أو مكرها «عُفِيَ عن أُمَّتِي الخطَأُ، والنِّسيانُ، وما اسْتُكْرِهوا عليه» أخرجه ابن ماجه (2045)، وابن حبان (7219)، والطبراني (11274) حديث ابن عباس وفي إسناده مقال، لكن المعنى مجمع عليه، والله تعالى يقول: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ[الأحزاب: 5] ويقول: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا[البقرة: 286] وجاء في صحيح الإمام مسلم أن الله تعالى قال: قد فعلت، فلا فرق بين هذا، بينما فيه إتلاف، وبينما لا إتلاف فيه، بل القتل قال: ومن قتل منكم متعمدا فقيد ذلك بالعمد، فدل ذلك على اختلاف الحال بين العامد وغيره.

قال رحمه الله: (وإن وطئ الصبي).

هذه مسألة أفردها، لأن الوطء يفسد به الحج، وإلا فهي مندرجة ضمن سعر المحظورات، لكن أفردها لأنها تختص بحكم.

قال: (وإن وطئ الصبي أفسد حجه، ووجبت الفدية، ويمضي في فاسده وعليه القضاء إذا بلغ).

هذا كله مرتب على أن الوطء أعظم المفسدات، فيترتب عليه ما يترتب على وطء الكبير، والصواب أنه لا شيء عليه، لكن يجنب الصبي ذلك، لكن لو وقع منه هذا، وقدر أنه وقع منه، فإنه لا شيء عليه، لأنه قد رفع عنه القلم، ومقتضى رفع القلم أنه لا يؤاخذ، ومؤاخذته بالضمان في حقوق العباد، لأن حقوق العباد مبنية على المشاحة فيما إذا اتلف شيئا، أما فيما يتعلق بحق الله تعالى، فهو مبني على المسامحة.

الرابع أن ما يلزمه من النفقة بقدر نفقة الحضر، فهو في ماله، أي: في مال الصبي، لأن الولي لم يكلفه ذلك، وما زاد يعني عن النفقة في محل الإقامة، وما زاد ففي محله روايتان كالفدية، سواء يعني يلزمه أو لا يلزمه، والذي يظهر والله تعالى أعلم أنه لا يلزمه الولي، ما زاد على نفقة الإقامة، بل هو من مال الصبي، فهذا نوع من الإحسان إليه، وتربيته على صالح العمل.

قول رحمه الله: (كالفدية سواء).

يعني كما لو حصل منه ما يوجب الفدية، فإنه يلزم الولي، فإذا صاد الصبي في الحرم، فإن كان صبي ليس له اختيار، فلا شيء عليه، وإن كان له اختيار فيقال: أنه يلزمه، يلزم بفدية لإمكان منعه، وقد يقال: أنه لا تكليف عليه فلا يلزمه، لأن عمده خطأ، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ[المائدة: 95].

    

 

فيما يتعلق بحج المرأة، قال في حج المرأة ثلاثة، ورأي ثلاثة مسائل.

المسألة الأولى: إنه لا يحل لها السفر إليه، أي للحج والعمرة بغير محرم، وهذا تقدم، لأنه من شروط هل هو شرط وجوب، أو شرط أداء، والدليل «لا يَحِلُّ لامرَأةٍ تُؤمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ، تُسافِرُ مَسيرةَ يَومٍ ولَيلةٍ، إلَّا مع ذي مَحرَمٍ عليها» صحيح البخاري(1087)، ومسلم (1338).

والقول الثاني: وقول الجمهور أنه يجوز لها السفر إذا كانت في عصبة من النساء آمنة.

ثم عرف المحرم بقوله: (والمحرم).

هذا عموما في الحج، وفي غيره، زوجها، أي زوج المرأة، أو من تحرم عليه على التأبيد يعني على الدوام بنسب أي بسبب نسب أو سبب مباح، أي بسبب يبيح التحريم كأبيها وأخيها من نسب أو رضاع، سبب مباح يشمل الرضاع، ويشمل الصهر، فالنسب واضح، سبب مباح يندرج فيه نوعان المصاهرة والرضاع.

قول رحمه الله: (كأبيها وأخيها من نسب أو رضاع وربيبها وربها عندي، وأما عبدها فليس بمحرم لها، لأنها تحل له إذا عتق، وليس بمأمون عليها، ومن حرمت عليه بسبب محرم كالزنا او وطء الشبهة فليس بمحرم، لأن تحريم ذلك بسبب غير مشروع، فأشبه التحريم باللعان).

هذا واضح كله.

قال: (ونفقه المحرم عليها).

أي: يلزمها النفقة على المحرم في سفره، لأنه من سبيلها، فكان عليها نفقته كالراحلة، ولا يلزمه الخروج معها، إلا أن يشاء، لأنه تكلف شديد لم يلزمه لأجل غيره كالحج عن الغير، وهذا واضح.

قال: (وإن مات المحرم في الطريق مضت، إن كانت قد تباعدت).

يعني أبعدت عن مكان إقامتها، وإن كانت قريبة وهو ما دون مسافة قصر رجعت، وان حجت امرأة بغير محرم أساءت بناء على الوجوب وأجزأها يعني برئت ذمتها وأجزأها حجها كما لو تكلف رجل مسألة الناس وحجه.

الثاني من المسائل، هو قال في المرأة في حج المرأة ثلاث مسائل، هذه المسائل.

والمسألة الثانية: أنه ليس للرجل منع زوجته من حج الفرض، وهذا واضح دليله، لأنه واجب بأصل الشرع، فأشبه صوم رمضان، واستحب لها استئذان من طيب العشرة، جمعا بين الحقين، بين حق الله وحق الزوج، وله منعها من حج التطوع، لأن حقه ثابت في استمتاعها، فلم تملك إبطاله بما لا يلزمه كالعبد، فإن أحرمت به يعني من غير إذنه حج تطوع، فحكمها حكم العبد على ما فصل فيه، فله أن يحللها.

الأمر الثالث: أنها ليس لها الخروج للحج في عدة الوفاء، لأنها واجبة في المنزل تفوت، فقدمت على الحج الذي لا يفوت واضح، وهذا في الحال الاعتيادية والابتدائية، لكن فيما إذا كانت المرأة كما هو حال الذين في الخارج، أو حتى الذين في الداخل، إذا كان الحج سيفوت، دفعوا تكاليف الحج ومات الزوج، وإذا لم تذهب مع الحملة سواء من الخارج أو الداخل، إما أن يفوتها الحج فلا يتكرر لها فرصة أو تفوتها المال فلا يرجع إليها، فمثل هذه كان التي خرجت فتمضي في الحج، وإذا قضت حجها رجعت وأكملت ما بقي من أيام عدتها، هذا أقرب الأقوال في هذه المسألة، ويشهد له التعليل الذي عللوهم حيث قال أنها ليس لها الخروج للحج في عده الوفاة، لأنها واجبة في المنزل تفوت، فقدمت على الحج الذي لا يفوت، قد يفوت، وقد تخسر المال، فإن مات زوجها في الطريق بعد تباعدها يعني بعد قطع مسافة قصر في سفرها، لأنه لا بد من سفر، فالسفر الذي يحصل به الحج أولى، وإن كانت قريبة رجعت لتقوية العدة في منزلها.

نقف على هذا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق