كتاب الحج من كتاب الكافي

من وحتى

عداد المشاهدات : 85

التاريخ : 2026-08-04 15:32:14

  

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد.

فهذا الفصل بين فيه المؤلف رحمه الله: أن من وجب عليه الحج فمات قبل فعله، ومن وجب عليه الحج يعني من اكتملت فيه شروط الوجوب، ومات قبل فعله مع تمكنه من الفعل بعد اكتمال شروط الوجوب، وجب الحج عنه، أي: يلزم أن يحج عنه، وذكر دليل ذلك في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وذكر تعليل، أما الدليل فحديث المرأة أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أبيها مات، ولم يحج، قال: «حجي عن أبيك» صحيح البخاري (4399) ، فأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم في الحج عن أبيها، وهو في حج فريضة لأنها قالت لم يحج، ثم ذكر التعليل بأنه حق مستقر إلى آخر ما ذكر وهو واضح، ويجب من رأس المال، أي من رأس مال التركة كالدين سيكون من الحقوق المتعلقة بالتركة.

حكم الاستنابة في الحج:

يقول رحمه الله: (ويستناب عنه).

أي: عمن لم يحج. ممن توافرت فيه شروط الوجوب، وعن المعضوب، وهو الذي لا يستطيع أن يثبت على الراحلة من حيث وجب عليهما، يعني من موضع وجوبه عليهما، إما من بلدهما، فالذي من الرياض يلزمه أن يكون النائب من هذه الجهة، أن يبدأ الحج عمن ينوب عنه من جهته، أو الموضع الذي أيسر فيه يعني الموضع الذي تمكن فيه من الحج، فقد يكون من أهل بلد ثم يسافر إلى بلد آخر يتمكن فيه من الحج بتوافر شروطه، ففي هذه الحال من حيث أيسر.

قال: (ولا يجزي الحج عنهما من الميقات).

لأن الحج الواجب عليه من بلده، فوجب أن تكون نيابة عنه منه، لأن النائب يقوم مقامه فيما وجب عليه، فيؤدى من حيث وجب أي من حيث فرض، وهذا القول مبني على أن السير من بلده مقصود لذاته، وهذا ليس بصحيح، لأنه لو وافق الحج وهو في بلد غريب من مكة، أو كان في مكة، ولم يأتي بنية الحج، وأراد أن يحج، فإنه لا يقال له اذهب إلى بلدك واقطع هذه المسافة لأداء النسك، فهذا القول ضعيف، ولذلك يستناب عنه، وعن المعضوب من حيث تيسر سواء من بلده أو من غيره لعدم الدليل. والذين أذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم في النيابة عمن يحجون عنه، لم يقل حج عنهم من بلده، بل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أبيه أنه مات ولم يحج، قال حجي عن أبيك، ولم يقيد ذلك بإنشاء سفر للحج من بلد الميت، ومثله في حديث ابن عباس الآخر في قصة الخثعمية.

قوله رحمه الله: (وإن خرج للحج فمات في الطريق، استنيب عنه من حيث انتهى إليه).

هذا مبني على ما تقدم، والصواب أنه لا يلزم ذلك.

قال رحمه الله: (وإن مات بعد فعل بعض المناسك، فعل عنه ما بقي).

أي على وجه النيابة، فإن كان قد طاف طواف الحج، وبقي عليه سعي ورمي ومبيت، فإنه ينوب عنه غيره فيه، ويأتي بما بقي عليه من نسكه، وهذا القول فيه نظر، وذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في الذي وقصته راحلته «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنطوه» صحيح البخاري (7288)، ومسلم (1337) ، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تحنيطه، فدل ذلك على بقاء إحرامه، بل صرح بذلك، فقال: فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا، فدل هذا على أنه يبقى على إحرامه، ولا ينوب عنه أحد في تكميل النسك، حيث إن النبي لم يأمر بذلك، ولم يقل ولينب عنه غيره في إتمام ما بقي عليه من نسكه.

وقول المؤلف رحمه الله سواء كان إحراما لنفسه أو غيره، فإن لم يخلف الميت تركة تفي بالحج عنه من بلده، حج عنه من حيث تبلغ، يعني القيمة نص عليه أحمد في الوصية، وذكر حجة ذلك، قال لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وما أمَرتُكُم به فافعَلوا منه ما استَطَعتُم» صحيح البخاري (7288)، ومسلم (1337) ، ولأنه قدر على أداء الواجب على القصور، فلزمه كمن قدر على الصلاة قاعدا، وذكر هذه أنه لا يحج عنه، لأنه لا يمكن أداء الحج على الكمال، والأول أولى، يعني لا يحج عمن مات في الطريق أو من مات بعد فعل بعض المناسك، والصواب أنه لا يلزمه ذلك، كما تقدم.

قال رحمه الله: (فإن اجتمع على الميت مع الحج دين آدمي).

أي في تركته ثبت حقان، الحج الذي تركه بعد وجوبه، والدين الذي عليه، فذكر في ذلك احتمال، والاحتمال هنا هو نظر من المحتمل للأوجه التي يمكن أن تقال في المسألة، وليس ترجيحا لقول على قول لكن هو إشارة إلى أن المسألة يمكن أن يقال فيها كذا، فهنا ذكر احتمالين قال: احتمل تقديم الدين أي لأدمي لتأكده بحاجة الآدمي إليه، وغنى الله عن حقه وحق الله مبني على المسامحة وحق الآدمي مبني على المشاحة هذا الاحتمال الأول.

الاحتمال الثاني أن يتحاصا أي يجمع ما لكل جهة من الاستحقاقات التي على التركة، وتأخذ كل جهة بالنسبة، فمثلا لو كان قد خلفت اسمية ريال وعليه دين بقدر ستمائة، وتكلفة الحج، على سبيل المثال، ثلاثمائة، فهناك تكون المحاصة بجمع الحقين ثلاثمائة + ستمائة هي تسعمائة، فيكون نصيب الحج من المال هو الثلث، ونصيب دين الآدمي الذي يقضى ستمائة وهو الثلثان، هذا معنى قوله رحمه الله: واحتمل أن يتحاصا دليل هذا الاحتمال أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الحق الله تعالى في الحج دينا على صاحبه، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «أرأيت لو كان على أختك دينٌ أكنت قاضيه عنها؟ قال: نعم، قال: فاقضوا الله، فالله حق بالوفاء» البخاري(6699), وأحمد (2140) ، فيعامل ما يجب في الحج في التركة كسائر الديون والمستحقات التي على التركة.

قال: فعلى هذا يؤخذ ما يخص الحج، فيصنع به ما صنع بتركة من لم يخلف ما يفي بالحاجة الواجبة يعني يدفع هذا المبلغ لمن يحج عنه من أي جهة كانت بالقدر الذي يحقق النيابة عنه.

قال: ويستناب عن الميت وإن لم يأذن أي الميت، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بالحج عنه، ولا إذن له, علم أن الإذن غير معتبر، يعني غير معتبر بأن يقول عند وفاته حجوا عني، أو أذن فيمن يحج عني.

    

 

قال: (ولا تجوز النيابة عن الحي إلا بإذنه).

إذًا فرق بين الحي والميت، الميت لا عبرة بإذنه، لأن إذنه متعذر، وهو حق عليه، فيخرج عنه كما يخرج عنه سائر ما عليه من الحقوق من تركته، وأما الحي فلا تجوز النيابة عنه إلا بإذنه، لأنه بحاجة إلى نية.

قال: لأنه من أهل الإذن، فلم تجز النيابة عنه بغير إذنه، كأداء الزكاة، فلابد من نية.

قوله: كأداء الزكاة لو أن أحدا أدى الزكاة عن غيره، فإنه لا يجزئه إلا أن ينوي المؤدى عنه إنابة المخرج فيما أخرج، وإلا فلا تجزئ عن زكاة ماله.

قال: (وتجوز النيابة عنهما).

أي عن الميت وعن الحي في حج التطوع، لأن ما جاز فرضه جاز نفله، وهذا أحد القول في المسألة، والقول الثاني أنه لا نيابة في حج التطوع، لأنه لم يرد ذلك في حديث يعتضد به، والأصل في العبادات التوقيف، حتى يدل الدليل على الحكم.

قال: (فأما القادر على الحج بنفسه).

فلا تجوز له الاستنابة في الفرض، لأن عليه في بدنه، فلا ينتقل عنه إلا في موضع الرخصة للحاجة المعلومة، وبقي فيما عداه.

قال: (ولا يجوز أن ينوب في الحج من لم يسقط فرضه عن نفسه).

 هذا الفصل الآخر ما ذكر المؤلف رحمه الله مما يتعلق بشرائط الوجوب.

قال: (ولا يجوز أن ينوب في الحج من لم يسقط فرضه عن نفسه).

وهذا ظاهر في الاستدلال الذي ذكره رحمه الله، وهو قول عامة أهل العلم حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة، ولا يجوز أن يعتمر عن غيره، لأن العمرة حكمها حكم الحج في هذا قال قياسا على الحج.

ثم قال: (ولا يجوز أن يتنفل بهما من لم يسقط فرضهما).

أي أنه إذا نوى من لم يحج التطوع بالحج. أو التطوع بالعمرة، فإنه لا يجوز له ذلك، لأنه يجب عليه أن يأتي بما فرض، ولا يشتغل بالمسنون أو المندوب، أو التطوع عن الفرض.

قال: (ولا أن يؤدي النذر فيهما).

يعني ولا يجوز له أن يشتغل بوفاء نذر بحج أو عمرة قبل فعل ما لزمه بأصل الشرع من الحج، أو العمرة على القول بوجوبها.

قال: (ولا أن يؤدي النذر فيهما، قال: وعليه فرضهما).

يعني وهو لم يحج التعليل قال: لأن التنفل والنذر أضعف من حج الاسلام، فلم يجد تقديمها عليه، كالحج عن غيره، هذا قياس، فإن أحرم عن غيره خالف، وأحرم عن غيره، وهو لم يحج الفرض، أو عن نذره، وهو لم يحج الفرض، أو نفله، وهو لم يحج الفرض.

قال: (قبل فرضه انقلب إحرامه لنفسه).

أي: يتحول الإحرام الذي تلبس به عمن نواه له إلى أن يكون عن نفسه، عن نفس النائب الذي لم يحج عن نفسه.

قال رحمه الله: (وعنه يقع عن غيره، ونذره، ونفله).

هذه الرواية الثانية عن الإمام أحمد رحمه الله، أنه يجزئ عمن نواه عنه، ولو لم يكن قد حج عن نفسه واستدل ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّما لكُلِّ امرِئٍ ما نَوى»صحيح البخاري(1)، وهذا نوى أن يكون عن غيره، فلا يتحول ذلك إليه، والجواب عن هذا الاستدلال أن يقال: إنما هذا فيما تصح نيته.

أما النية التي لا تصح فإنها غير معتبرة في قوله: «إنَّما لكُلِّ امرِئٍ ما نَوى»، هذا إذا كانت النية صحيحة، وهي هنا غير صحيحة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الرجل بأن يحج عن نفسه، قال: حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمه.

قال: والأول المذهب لحديث ابن عباس الأول، وهو أنه لا يصح أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه، وهو قول الجمهور، ووجود معناه في النذر والنفل، يعني ويوجد هذا المعنى في أنه لابد من تقديم حج الفرض على غيره في النذر إذا نذر يحج، وفي النفل إذا تطوع بالحج.

    

 

قوله رحمه الله: (ولو أمر المعضوب من يحج عنه تطوعا أو نذرا).

الآن انتقل إلى المعضوب هو غير القادر عن الحج بنفسه، وعنده قدرة مالية، أو عنده من يمكن أن يحج عنه.

قال: (ولو أمر المعضوب من يحج عنه تطوعا أو نذرا وهي حجة الإسلام انصرف إليها).

يعني لو قال حج عني تطوعا أو حج عني في وفاء نذر، فإنه لا يقع إلا عن حجة الإسلام والتعليل قال: لأن فعل نائبه كفعله، فهو لو فعل ذلك لكان المعتبر في فعله أنه عن حجة الإسلام له، لا عمن نواه، ولا عن نذره.

قال: وهكذا إن حج عن ميت نذرا لله، أو نفلا قبل حجة الإسلام أن يتحول إلى حجة الإسلام، وإن استنيب عنهما من يحج النذر والفرض يعني استنيب شخصان، رجل عليه نذر حج، ولم يحج حجة الإسلام، فأنيب عنه اثنان.

فهنا قال: وإن ينيب عنهما من يحج النذر والفرض في عام واحد صح، لأنه لم يتقدم النذر على حجة الإسلام، وأي النائبين أحرم أولا وقع حجة الإسلام، يعني السابق منهما يقع فعله عن حجة الإسلام لتحريم تقديم النذر عليه، وإن استنابه اثنان هناك تعدد النواب، وهنا تعدد المنيبين، ففي تعدد النواب قال ما ذكر من مسائل من أنه يصح أن يحج أحدهما عن فرض، والآخر عن نفل في عام واحد، لكن إذا استنابه اثنان، وهذا يحصل أن ينيبه زيد، وأن ينيبه عمرو، فإذا أحرم عنهما، قال لم يقع عن واحد منهما، أي لا يجزئه عن واحد منهما، طيب عمن يقع؟

قال: ووقع عن نفسه فيكون الحج على نفسه، ولذلك إن كان أخذ عوضا من جعل أو أجره لزمه ردها وإخبار من أنابه بأنه لم يحج عنه حتى يقيم من يحج عنه من قابل.

قال رحمه الله: وإن استنابه اثنان فأحرما عنهما، لم يقع عن واحد منهما وقع عن نفسه، لأنه يتعذر وقوع عنهما وليس أحدهما أولى به من الآخر، ويمكن أن يقال: أنه يقدم السابق منهما، فإذا نواهما عن الاثنين وقع عن السابق منهما، لأنه المتقدم يمكن أن يقال هذا.

قال: وإن أحرم عن أحدهما لا بعينه، احتمل ذلك أيضا، يعني عدم الصحة أن يقع عن نفسه، عدم الصحة عنهما، بل يقع عن نفسه واحتمل صحته، أي عمن عينه منهما بعد الإبهام والتعليل قالوا لأن الإحرام يصح مبهما، الإحرام سيأتي، إما أن يكون معينا وهو أن يقول لبيك حجا متمتعا، أو قارنا، أو مفردا، وإما أن يكون غير معين بأن يقول: لبيك اللهم لبيك، وإما أن يكون معلقا لبيك كما لبى فلان، وإما أن يكون مبهما، والتعليق له حالان، إما أن يعلم نسكه، وإما ألا يعلم نسك من علق عليه، فإن علم نسكه كان معينا، وإن لم يعلم كان مبهما، وقد جرى هذا لعلي رضي الله تعالى عنه، وأبي موسى، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

قال: لأن الإحرام يصح مبهما، أي: من غير تعيين، هنا مبهما في نوع النسك قاس عليه الإبهام فيمن ينوب عنه، وكله زيد وعمرو ولبى مبهما دون أن يعين هل هو لزيد أو لعمرو؟ هل يصح أو لا يصح؟ القول الثاني: أنه يصح.

قال: (واحتمل صحته).

لأن الإحرام يصح مبهما فصح عن المجهول، ولو صرفه إلى من شاء منهما، فإن لم يصرفه حتى طاف شوطا لم يجز عن واحد منهما، لأنه بالشروع في الطواف، يتعين النسك، يتعين النسك من جهة النوع، إما أن يكون متمتعا، وإما أن يكون قارنا، وإما أن يكون مفردا.

قال: لأن هذا الفعل لا يلحقه فسخ، وليس أحدهم أولى به من الآخر، وإذا حرم عن أحدهما وعن نفسه انصرف إلى نفسه، لأنه كما تقدم لا يكون الحج إلا عن واحد، لأنه لما تعذر وقوع عنهما كان هو الأولى به.

نقف على هذا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق