الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد.
مواقيت الحج:
هذا الباب هو باب المواقيت، والمواقيت جمع ميقات، والميقات في اللغة زمان محدد للفعل أو مكان محدد للفعل، فيطلق على الزمان والمكان، ولهذا تعريف المواقيت في باب المناسك في الحج هي أزمنة الإحرام بالحج أو العمرة وأمكنته هذا تعريف المواقيت فما المقصود بالمواقيت؟
المقصود بالمواقيت أزمنة الإحرام بالنسك وأمكنته، والمؤلف قسمه إلى قسمين قال: وللحج ميقاتان ميقات مكان، وميقات الزمان، وبدأ بميقات المكان، لأنه أضيق من ميقات الزمان، فإن ميقات المكان مواضع عينها النبي صلى الله عليه وسلم للإحرام، ولهذا لا يجوز الإخلال بهذه المواضع على النحو الذي وردت به السنة، المواقيت المكانية هي المواضع التي عينها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحرم منها من أراد الحج أو العمرة من أراد النسك، وهي محددة محصورة، بخلاف المواقيت الزمانية، ففيها سعة.
أما العمرة فلا حد، كما سيأتي لها زمان، وأما الحج فهو أشهر بينها الله عز وجل.
المواقيت المكانية للحج:
قوله رحمه الله: فأما ميقات المكان، فالمنصوص عليه خمسة، لما روى ابن عباس قال: وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة، وهو واد قريب من المدينة في جنوبها في طريق مكة، وأهل الشام الجحفة، وهي موضع معروف موبوء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولأهل نجد قرنا، وهو جبل معروف قريب من الطائف، ولأهل اليمن يلملم، وهو أيضا موضع معروف في طريق الجائي من جهة اليمن بعد أن ذكر هذه المواقيت الأربعة قال: (فهن لهن، هن المواقيت المنصوص عليهن لهن لهذه الجهات ولمن أتى عليهن من غير أهلهن) صحيح البخاري(1524)، ومسلم (1181) . أي ولكل من جاء إلى هذه المواضع، ولو لم يكن من أهل تلك الجهات شريطة لمن كان يريده الحج والعمرة.
فمن كان دونهن هذا القسم الثاني من تحديد مواضع الإحرام، وهو من دون المواقيت، القسم الأول يسميه العلماء الأفاق، وهو من كان في المواقيت ووراءها بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه يحرم من الميقات الذي يمر منه يسميه جماعة من الفقهاء الأفاق، الثاني من أحوال الناس بالنسبة لمواضع الإحرام، ما أشار اليه قوله صلى الله عليه وسلم فمن كان دونهن أي أقرب إلى مكة من هذه المواضع التي نص عليها صلى الله عليه وسلم، فمهله أي: موضع إحرامه من أهله أي: من موضع نزوله من موضع سكناه، وهذا يسمى الحل، وهو من في الحل ما وراء المواقيت أفاق، من دون المواقيت إلى الحرم حل، من في الحرم حرم، وهو ثالث الأصناف المذكورة في هذا الحديث.
قوله: وكذلك أهل مكة يهلون منها، ثم ذكر عن عائشة رضي الله تعالى عنها الميقات الخامس يعني هو قال فالمنصوص عليه خمسة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق، وجاء عن جابر نظيره، فهذه المواقيت لكل من مر عليها من أهلها، ومن غيرهم للخبر، ممن أراد الحج أو العمرة.
قال رحمه الله: ومن منزله بين الميقات ومكة التي يسميها العلماء الحل، فميقاته منزله، أي مكان نزوله للخبر، وميقات من بمكة، منها سواء في ذلك أهله أو غيرهم للخبر، حيث قال حتى أهل مكة من مكة.
قال: ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المتمتعين هذا دليل آخر أن الطارئ على مكة يأخذ حكما أهلها في الإحرام منها.
قال: لأن النبي أمر المتمتعين من أصحابه، فأحرموا منها، وعنه فيمن اعتمر في أشهر الحج من أهل مكة أهل من الميقات، فإن لم يفعل فعليه دم عنه أي رواية عن الإمام أحمد أن من أهل بعمرة في أشهر الحج من أهل مكة، لابد أن يذهب إلى الميقات، فإن لم يفعل فعليه دم، وذكر القاضي والمقصود به القاضي أبو يعلى فيمن دخل مكة محرما عن غيره بحج أو عمرة، ثم أراد أن يحج عن نفسه، أو دخل مكة محرما لنفسه، ثم أراد أن يحرم عن غيره بحج، أو عمرة أنه يلزمه الإحرام من الميقات أن يرجع، فإن لم يفعل فعليه دم، لأنه جاوز الميقات مريدا للنسك لنفسه، وأحرم دونه، فلزمه دم، كما لو تجاوزه غير محرم.
قال رحمه الله: ولنا أي المذهب الخبر، أي قوله صلى الله عليه وسلم: فمن كان دون ذلك فمهله من حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة، وإن كل مقيتات لمن أتى عليه فكذلك مكة هذا الوجه الثاني لقوله صلى الله عليه وسلم ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، قالوا: إن هذا حصل بمكة حلالا على وجه مباح، فكان له الإحرام منها بلا دم، كما لو كان الإحرامان لشخص واحد.
قال: ومن أي موضع في مكة الآن إذا أحرم مكة سواء من أهلها أو من أتى إليها ونوى حجا من أين يحرم؟
قال: ومن أي موضع في مكة أحرم لا يتعين موضع من المواضع في مكة جاز، لأن كلها موضع للنسك، فمن حيث أحرم أجزئه.
قال: وإن أحرم خارجا منها أحرم خارج مكة من الحرم جاز أيضا أي إن أحرم للحج من غير مكة، لكن في حدود الحرم، لأن مكة أضيق من الحرم في زمانهم، فإن أحرم من مكة، أي من العامر من هذه البلدة، فإنه يجزئ ولا شيء عليه، إذا أحرم بالحج لقول حتى أهل مكة من مكة، فإن أحرم من الحرم كذلك يجزئ، ولا شيء عليه لقوله رحمه الله: وإذا أحرم خارجا منها من الحرم جاز لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه في حجة الوداع: (إذا أردتم أن تنطلقوا إلى منى، فأهلوا من البطحاء) أخرجه أحمد(15039), وغيره وهي خارج مكة في ذلك الزمن، هي من الحرم، لكنها خارج مكة.
قال: وهي خارج من مكة، ولأن ما اعتبر فيه الحرم استوت البلدة فيه وغيرها كالنحر، فينحر في أي جهة من الحرم، ولا يلزم أن يكون في العامر من مكة.
قال: وميقات العمرةلم يذكر المؤلف رحمه الله هنا حكم المكي إذا أحرم من خارج الحرم واضح كالمكي الذي يحرم من عرفه، فالمذهب أن عليه دما، وهو قول أكثر أهل العلم، خالف في ذلك مالك، حيث قال: لا شيء عليه، وهذا أقرب إلى الصواب.
قوله رحمه الله: وميقات العمرة بعد أن فرغ من ذكر ميقات الحج، بين ميقات العمرة، أما الآفاق والحل فلا فرق فيما يتعلق بالميقات المكاني بين الحج والعمرة، فيحرم من الميقات إذا كان أفاقيا للحج والعمرة، ويحرم من حيث أنشا إذا كان حليا للحج والعمرة، لكن المكي يختلف فقوله حتى أهل مكة يهلنا منها هذا بالاتفاق في الحج، واختلفوا في العمرة، ولذلك خصه ببيان فقال: وميقات العمرة للمكي، ومن في الحرم يعني من في داخل حدود الحرم من الحل، أي من خارج حدود الحرم، واستدل لذلك في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم أخاها عبد الرحمن، فعمرها من التنعيم، وإنما خص التنعيم، لأنه الأيسر سبيلا في ذلك الزمان، وليس لتعيينه دون غيره من جهة الحل، فلو كان أقرب إلى الشميسي، أقرب إلى طريق الطائف، أقرب إلى الجعرانة، أقرب إلى الشرائع، فإنه يحرم من أي جهة من جهات الحل، ولا يتعين هذا الموضع.
قال: وكانت بمكة يومئذ هذه وجه الاستدلال من حديث عائشة إن كانت بمكة يومئذ، ومن أي الحل أحرم جاز، هذا ما تقدم قبل قليل، لأن المقصود بإحرام منه الجمع بين الحل والحرم في نسك، لأن أفعال العمرة كلها في الحرم إلا الإحرام بخلاف الحج، فإن افتقر إلى الحل للوقوف بعربته، فيحصل الجمع بين الحل والحرام.
والقول الثاني أنه لا فرق بين الحج والعمرة بالنسبة للمكي، وهذا قول الظاهرية، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم حتى أهل مكة يهلون منها، والأقرب ما ذهب إليه الجمهور من أنه يحرم من الحل في العمرة.
نقف على هذا. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.