كتاب الحج من كتاب الكافي

من وحتى

عداد المشاهدات : 105

التاريخ : 2026-08-04 15:34:07

  

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد.

ميقات الأفاقي الذي لا يمر على ميقات:

قوله رحمه الله: ومن لم يكن طريقه على ميقات هذا حال من كان أفاقي، لكن ليس في طريقه إلى مكة ميقات من المواقيت التي عينها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فماذا يصنع؟

قال: ومن لم يكن طريقه على ميقات الكلام عمن؟

الأفاقي، فإذا حاذى أقرب المواقيت إليه أحرم، أي وجب عليه الإحرام سؤال ما معنى المحاذاة؟

المحاذاة هي المساواة ومعنى المحاذاة في هذا السياق أن يبلغ موضعا، يكون ما بين موضعه والحرام كما بين الميقات والحرم، هذا معنى المحاذاة، فإذا جاء من جهة المدينة، فإن المحاذاة تتحقق بأن يحرم من موضع يبعد عن الحرم بقدر بعد ذي الحليفة عن الحرم، وهلم جر في بقية الجهات، هذا معنى المحاذاة الذي يتحقق به ما ذكره الفقهاء استنادا إلى ما جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه لما فتح هذان المصران، والمقصود بهما الكوفة والبصرة، أتوا عمر، فقالوا يا أمير المؤمنين، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد لأهل نجد قرنا، وهي جور عن طريقنا يعني مائله، وإن أردناه، يعني السير إليه شق علينا، قال فانظروا حذوها من طريقكم، فحد لهم ذات عرق ومعنى حذوها من طريقكم يعني أن يكون بعد ذات عرق عن مكة كبعد قرن المنازل عن مكة هذا معنى المحاذاة، قال رواه البخاريصحيح البخاري(1531)ولأن هذا مما يدخل الاجتهاد والتقدير، فإذا اشتبه على الإنسان يعني هل حاذى، أو لم يحاذي، صار لاجتهاده فيه كالقبلة، فإن لم يعلم حذو الميقات، إن كان يجهل كم المسافة التي تتحقق بها المحاذاة احتاط فأحرم قبله، لأن تقديم الإحرام عليه جائز، وتأخيره حرام.

يقول رحمه الله: والأفضل ألا يحرم قبل الميقات، وهذا محل اتفاق بين أهل العلم إلا ما شذ لهذا قول عامة أهل العلم أن الأفضل في الإحرام أن يكون من الميقات، لأن النبي صلى الله عليه وسلم عينها، وأحرم منها هو وأصحابه، فاجتمع قوله وفعله على الإحرام من هذه المواقيت التي عينها صلى الله عليه وسلم، فإن أحرم قبله جاز، أي لم يكن في ذلك تحريم، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى كراهية الإحرام قبل المواقيت، وهو قول مالك، المؤلف هنا قال: جاز، وهو المذهب واحتج لذلك بأن صبي بن معبد أحرم قبل المواقيت، كما جاء ذلك في السنن، حيث أحرم بالحوائط، والحوائط موضع قبل هذه المواقيت التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك لعمر، فقال هديت لسنة نبيك، ولعل عمر إنما قال ذلك فيما أنكر على الصبي بن معبد، فإن الذي أنكر عليه أنه أهل بالحج والعمرة، فمر بيزيد بن صوحان وسلمان ابن ربيعة، فقال أحدهما للآخر لهذا أظل من بعير أهلها أو من جمل أهله، فحز في نفسه رضي الله تعالى عنه، كبر عليه ذلك، فأخبر عمر بما كان من قولهما ومن فعله، فقال له هديت لسنة نبيك، فقوله: هديت لسنة نبيك ليس لإحرامه قبل الميقات، إنما لما أنكر عليه من الجنب بين الحج والعمرة.

قال ومن بلغ الميقات مريدا للنسك لم يجز له تجاوزه بغير إحرام، الآتي الميقات لا يخلو من حالين، إما أن يريد الحج والعلماء والعمرة، فهذا يجب عليه الإحرام في قول عامة أهل العلم، فإن أخل بذلك وتجاوزه غير محرم، فإنه يترتب عليه ما سيأتي بيانه في كلام المؤلف.

الحالة الثانية أن يأتي إلى هذه المواقيت غير مريد للحج والعمرة، فهذا لا يلزمه الإحرام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أوجب الإحرام على مريد الحج والعمرة، بخصوص الحالة الأولى إن تجاوز الميقات، قال فإن تجاوزه وهو مريد الحج، والعمرة غير محرم لزمه الرجوع، ليحرم منه، هذا الأصل، يلزمه الرجوع ولو بعودة المسافة، لأن من قدر على فعل الواجب لزمه، فإن رجع فأحرم منه، أي من الميقات، فلا دم عليه، والتعليل واضح لأنه أدى الواجب فاسد من لم يتجاوزه، وهناك قول آخر فيمن تجاوز هذه المواقيت وهو مريد الحج والعمرة غير محرم، أنه يلزمه دم، ولو رجع، والقول الأول الذي قرره المؤلف رحمه الله أصوب، فإن لم يمكنه الرجوع لخوف أو خشية الفوات، فأحرم موضعه، أو أحرم موضع من موضعه لغير عذر، يعني سواء كان لعذر أو لغير عذر، فعليه دم، لأنه ترك الواجب من مناسك الحج إلى آخر ما ذكر رحمه الله، فإن أحرم قال: فإن رجع بعد ذلك يعني أحرم، ورجع بعد إحرامه، فهذا لا يسقط عنه ما وجب عليه من دم، لأنه لم يأتي بما أمر، قال فإن أحرم المكي بالحج من الحل، هذه المسألة التي قدمت قبل قليل الحرم يحرم بالعمرة من الحل، وأما الحج فإن جماهير العلماء على أنه يحرم من مكة، فإن أحرم المكي خالف بالحج من الحل الذي يلي عرفه، فهو كالمحرم من دون المواقيت يعني عليه دم، وإن أحرم من الحل الذي يلي الجانب الآخر حل في الجانب ال آخر المقابل لعرفه يعني مثل أحرم من الشميسي في طريق جدة، أو أحرم من النورية من طريق المدينة وما أشبه ذلك، فالجهة المقابلة لعرفه يعني حرم التنعيم مثلا.

قال: وإن أحرم من الحل الذي يلي الجانب الآخر، ثم سلك الحرم دخل الحرم، فهو كالمحرم قبل الميقات يعني يكره ولا شيء عليه، وإن أحرم العمرة من الحرم انعقد إحرامه الذي يحرم بعد ميقاته، ثم إن خرج قبل الطواف إلى الحرم وعاد، ففعل فعلها تمت عمرته عليه دم، وإن لم يخرج وفعل أفعالها ففيه وجهان أحدهما يجزئه ويجبرها بدم كالذي يحرم من دون ميقاته، والثاني لا يجزئه، لأنه نسك فكان من شرطه الجمع بين الحل والحرم كالحج، فهل هذا لا يعتد بأفعاله، وهو باقي على إحرامه حتى يخرج إلى الحل إذ ما يأتي بها، والقول الأول أصوب إن عليه دم، وإن ما فعله معتبر.

    

 

قال: وميقات الزمان، هذا بخصوص الحج شوال، وذو القعدة وعشرة من ذو الحجة، لقول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ[البقرة: 197] قال رحمه الله: معناه وقت الحج لأن الحج أفعال وليس بأشهر قوله تعالى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ[البقرة: 197]  الحج فعل وليس زمان، لكن قدر في الآية وقت ليشمل ما يكون من زمن الحج.

قال: لأن الحج أفعال وليس بأشهر، فلم يكن بد من التقدير، وعن ابن مسعود وجابر، وبالنسبة أنهم قالوا أشهر الحج شوال، وذو القعدة وعشر من ذو الحجة، كما قرر المؤلف رحمه الله، وأشهر الحج من حيث أقوال أهل العلم الاتفاق منعقد أن دخول أشهر الحج بشوال لا خلاف بينهم في هذا، وإنما اختلفوا في نهايتها، فذهب الحنابلة، ووافقهم الحنفية إلى أن أشهر الحج تنتهي بغروب شمس يوم النحر، ولهذا قال شوال، وذو القعدة وعشر من ذي الحجة أي عشرة أيام، وذلك بغروب شمس يوم النحر، وذهب الشافعي إلى أنها شوال وذو القعدة، وتنتهي أشهر الحج بطلوع فجر يوم العاشر، فيوم النحر ليس من أشهر الحج، واستدل لذلك بالآية، قال ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ[البقرة: 197]، ومعلوم أنه إذا انقضى يوم عرفة لا يفرض أحد الحج، وأما مالك فيرى أن أشهر الحج ثلاثة شوال وذو القعدة وشهر ذو الحجة كاملا، وأقرب هذه الأقوال هو ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة، وأما قول الشافعي في إخراج يوم النحر عن أشهر الحج، لكونه لا يفرض فيه حج، فالجواب أن قوله فمن فرض فيهن الحج بناء على غالب ما يكون في هذه الأشهر، فإن غالب هذه الأشهر هي موضع لفرض الحج.

 قوله رحمه الله: والاختيار ألا يحرم بالحج قبل أشهره، لأنه تقديم للعبادة على وقتها فكره، كتقديمها على ميقات المكان، فإن فعل انعقد إحرامه لأنه أحد الميقاتين، فانعقد الإحرام بالحج قبله كالآخر، إذا أحرم قبل أشهره فإنه يتحلل بعمرة، يقال له تحلل بعمرة خروجا من المكروه، فإن استدام إحرامه صح، وقال طائفة من أهل العلم إنه لا يصح أن يتقدم على أشهر الحج بالإحرام، لأن الله عز وجل وقت الحج بأشهر، فالتقدم على هذه الأشهر هو كتقدم المصلي للفجر قبل وقته، أو للظهر قبل وقته، والذي يظهر والله تعالى أعلم أنه قياس مع الفارق، فإن الله تعالى بين أن الصلوات لها مبدأ ومنتهى على وجه مقرر قولا وفعلا، بخلاف الحج فإنه أخبر بأنها أشهر معلومة، لكنه لم يمنع من التقدم عليها، ففي التقدم عليها سعة، ولذلك القول بعدم الصحة فيه نظر.

قال: فأما العمرة فلا ميقات لها في الزمان، ويجوز الإحرام بها في جميع السنة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال "عمرة في رمضان تعدل حجة". متفق عليهصحيح البخاري(1863)، ومسلم(1256)، واعتمر في ذي القعدة، وفي ذي الحجة مع حجته رواه أنس، وهو حديث صحيح، وذهب بعض أهل العلم إلى استثناء يوم عرفه بأنه ليس موضعا للعمرة، وقال آخرون عرفه وأيام التشريق ليست موضعا للعمرة، وليس على ذلك دليل، فالذي يظهر أن العمرة تكون في جميع السنة، وأما ذكره عمرة رمضان وعمرة ذي القعدة، فهو بيان لما وقع منه صلى الله عليه وسلم وقع منه قولا في رمضان، حيث ندب إلى ذلك، وفعلا في ذي القعدة.

 

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق