الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد.
باب الإحرام:
قوله رحمه الله: باب الإحرام.
أولا الإحرام لغة الدخول في التحريم، وأما في الشرع فهو الدخول في أحكام النسك الحج أو العمرة، وقيل: الإحرام نية الدخول في النسك، وبينهما فرق، والأقرب إلى الصواب أن الإحرام هو الدخول في النسك، والإحرام هو أول أعمال الحج والعمرة، فلا يسبقه شيء من أعمال الحج والعمرة، وأما حكمه فقد مضى أن الإحرام اختلف فيه أهل العلم من جهة الحكم على قولين بعد اتفاقهم على أنه لا يصح حج ولا عمرة إلا بإحرام، لكنهم اختلفوا في صفة هذا الالزام، فذهب جمهور أهل العلم إلى أن الإحرام ركن من أركان الحج والعمرة، وقيل الإحرام شرط فيهما، وبهذا قال أبو حنيفة وهو رواية عن أحمد، والأقرب إلى الصواب أن الإحرام ركن من أركان الحج والعمرة.
قال رحمه الله: يستحب الغسل للإحرام، لما روى زيد بن ثابت أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله أي لأجل إهلاله واغتسل أخرجه الترمذي(830) ، وكذلك حديث جابر أتينا ذا الحليفة ولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت كيف أصنع؟ قال: «اغتسلي، ثم استتري بثوب، ثم أحرمي» أخرجه النسائي(429) ، وكذلك قال لعائشة رضي الله تعالى عنها لما حاضت بسرف اغتسلي، ودعي عمرتك، فأمرها بالاغتسال، فدل ذلك على أن الاغتسال للإحرام، وهو الدخول في النسك مستحب، فإن لم يجد ماء لم يتيمم هذا تقرير أن التيمم لا يقوم مقام الماء في هذا الموضع تعليله قال: لأنه غسل مسنون يراد للتنظيف، وهذا لا يتحقق بالتيمم، ولذلك قال: فلا يسن التيمم عند العجز عنه، كغسل الجمعة، لأنه لا يتحقق به الغرض والغاية، وهذا من باب فهم المقاصد والمعاني التي شرعت لها الأحكام، وهذا فقه دقيق ونظر عميق إذا فتح للإنسان أدرك مواضع الصواب فيما لم يأتي به النص.
قال رحمه الله: وقال القاضي: يستحب له التيمم قياسا على غسل الجنابة، وهذا ليس بصحيح إذ إنه قياس مع الفارق، فغسل الجنابة جاء به النص ابتداء، أما بقية الأغسال التي يقصد بها التنظف، فلم يرد بها النص.
قوله رحمه الله: ويستحب له التنظف بإزالة الشعر والشعث، وقطع الرائحة، وتقليم الأظافر، لأن الغسل شرع لذلك، أي على وجه القياس، والصواب أن جميع هذه الأعمال لا علاقة لها بالإحرام، إنما هي من السنن العامة التي إذا احتاج إليها الإنسان فعلها، وإن لم يكن له بها حاجة، فلا يسن، فليست من الأعمال التي تكون بين يدي الإحرام.
قال: ثم يتجرد من المخيط في إزار ورداء أبيضين نظيفين جديدين أو غسيلين لما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين» أخرجه البخاري (1838)، ومسلم (1177) ، ولو أحرم قبل التجرد صح إحرامه فقوله: ثم يتجرد أي ويستحب ويسن أن يتجرد لإحرامه، وذلك لما جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه رجل عليه جبة، وقد تلطخ بالخلوق، يعني تطيب بطيب له لون، فقال يا رسول الله كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن نزل الوحي عليه «أين السائل عن العمرة اخلع عنك الجبة واغسل أثر الخلوق وانقص الصفرة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك» صحيح البخاري(1789)، ومسلم (1180)، الشاهد من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب عليه شيء فيما كان عليه من لباس، وقد أحرم بالعمرة فيما يظهر، فإنه آتى وهو متلبس بالعمرة، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بما أمره به.
قوله رحمه الله: ويستحب أن يتطيب في بدنه لما روت عائشة رضي الله تعالى عنها كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم أخرجه البخاري (1539)، ومسلم (1189) ، أي لأجل إحرامه قبل دخوله في النسك ولحله، أي ولأجل حله، قبل أن يطوف بالبيت، أي ولكونه تحلل قبل أن يطوف بالبيت، وقالت كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم متفق عليهما، ولا يتطيب في ثوبه، فإن فعل، فله استدامته حتى ينزعه، أي ولا يسن.
قوله: ولا يتطيب يعني لا يسن أن يتطيب في ثوبه، فإن فعل بأن تطيب في ثوبه، فله استدامته، يعني إبقائه عليه حتى ينزعه، فمتى نزعه لم يجز له لبسه، لأنه لبس مطيب، وقد منع منه المحرم، كما جاء في الحديث. «ولا يلبس المحرم شيئا مسه ورس ولا زعفران» مسلم (1177) ، وهما نوعان من أنواع الطيب، وسيأتي ذكرهما في المحظورات، وأما دليل جواز الاستدامة، فالحديث «كأني انظر الى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم» صحيح البخاري(271)، ومسلم (1190) من حديث أمنا عائشة .
قال: ولو نقل الطيب عن بدنه من موضع إلى موضع آخر، فعليه الفدية، لأنه كالابتداء للتطيب، فعليه الفدية، لكن لو جرى ذلك منه دون قصد أو سال بسبب الحر، كما قال المصنف، وإن سال بالحر وغيره إلى موضع آخر، فلا فدية عليه، فان انتقل من غير قصد أو من غير فعل منه، فإنه لا يؤثر ذلك على إحرامه، ولا فدية عليه، لأنه ليس من جهته، فالأحوال ثلاثة بالنسبة لما في بدن المحرم من الطيب أن يتعمد نقله، فهذا كابتداء التطيب فيه الفدية.
الحالة الثانية أن ينتقل من غير فعل منه، كأن يسيل معرقه بسبب الحر، فلا شيء عليه.
الحالة الثالثة أن ينتقل من غير قصد منه لا يتعمد نقله، فهذا لا حرج عليه كالحال التي سبقت.
قال رحمه الله: يستحب أن يحرم عقب صلاة، إما مكتوبة أو نافلة، وبهذا قال عامة أهل العلم، وقد حكى النووي رحمه الله وأجمع على ذلك، وهذا موضع نظر من جهة حكاية الإجماع، لأن المسألة لا تخلو من خلاف، فمذهب الإمام أحمد في رواية ثانية أن يستحب أن يكون إحرامه بعد صلاة فرض أن وافق وقته، أو صلاة نفل لها سبب، وليس للإحرام صلاة تخصه.
قال رحمه الله: وروى الأثرم قال: سألت أبا عبد الله أيما أحب إليك الإحرام في دبر الصلاة، وإذا استوت به ناقته، فقال كل قد جاء في دبر الصلاة، وإذا علا البيداء، وإذا استوت به ناقته توسع فيه أي لم يضيق، ولم يحدد وقتا دون غيره، والمذهب الأول أن السنة أن يحرم عقب الصلاة، وهذا الأقرب لما جاء في حديث عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني آت الليل، فقال صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل عمرة في حجه» صحيح البخاري(1534) فدل ذلك على أنه يحرم بعد صلاته، كما فعل صلى الله عليه وسلم، وابن عباس جمع بين الروايات المختلفة في إحرام النبي صلى الله عليه وسلم، فمنهم من قال يحرم بعد الصلاة، ومنهم من قال من جاء النقل أنه بعد الصلاة، ومن الصحابة من نقل أنه أحرم لما ركب ناقته، ومنهم من قال أحرم عندما على البيداء متوجها إلى مكة والأقرب والله أعلم أنه يحرم في هذه المواطن كلها، أي يظهر التلبية في هذه المواطن كلها، والتلبية التي فيها ذكر، والتي فيها تسمية النسك بأن يقول لبيك عمرة، ولبيك حجا.
النية في الإحرام:
قوله رحمه الله: وينوي الإحرام بقلبه، ولا ينعقد بغير نية.
ظاهر، إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، والنية محلها القلب، والنية هي قصد التقرب إلى الله تعالى بالعمل قصد المكلف التقرب إلى الله تعالى بالعمل، قال ولأنها عبادة محضة فافتقرت إلى نية كالصلاة.
ثم قال: فإن لبى من غير نية، قال لبيك من غير نية، لم يصل محرما، وهذا ظاهر لأنه لم ينوي بهذا القول الدخول في النسك، وإن نوى الإحرام من غير تلبية عقد قلبه على الدخول في النسك والتزام أحكام الحج أو العمرة، وإن نوى الإحرام من غير تلبية، انعقد إحرامه لأنه عبادة لا يجب النطق في آخرها، فلم يجب في أولها، كالصوم وهذا يعني محل تأمل، يعني القياس هذا كونه لا يجب قول في آخرها، فكذلك لا يجب نطق في أولها غير مستقيم، ويكفي في ذلك أنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ألزم بالنطق، إنما فعله صلى الله عليه وسلم، وفعله دال على الاستحباب.
قول رحمه الله: وإن نوى إحراما، فسبق لسانه إلى غيره، قال لبيك حجا، وهو يريد عمرة أو لبيك عمرة وهو يريد حج، فإن العبرة بما في قلبه، لا بما نطق به لسانه من غير قصد، لأن النية هي الإحرام، كما تقدم نية الدخول في النسك على قول من قال بهذا التعريف، فاعتبرت دون النطق المعتبر هو ما في القلب، لا ما ذل به اللسان.
نقف على هذا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.