الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد.
الحكم إذا أحرم بحجتين:
قوله رحمه الله: (أحرم بحجتين إما سواء عن نفسه أو عن غيره لا تكون إلا حجة واحدة، وكذلك إذا أحرم بعمرتين ولا قضاء عليه للأخرى، لأنهم عبادتان لا يلزم المضي فيهما، فلم يصح الإحرام بهما كالصلاتين، ولو فسد نسكه، ثم أحرم بغيره من جنسه).
فسد نسكه في مفسد من مفسدات النسك كما سيأتي، لم يلزمه للثاني شيء، ولم يصح لذلك لأن فساد نسكه لا يخرجه من النسك، بل هو باقٍ على نسكه الذي أحرم به.
قوله: وإن شاء أحرم متمتعا ومفردا، أو قارنا هذا محل يعني ما يشبه الاتفاق، وإن كان ثمة خلاف خلف ابن عباس في إيجابه المتعة، لكن الذي عليه عامة أهل العلم، وهو مذهب الأئمة الأربعة، أنه يجوز له أن يحرم بأي نسك من هذه الأنساك الثلاثة التمتع، والإفراد والقران، قال لحديث عائشة المتقدم خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فمن أهلنا بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بحج، فذكرت الأنواع الثلاثة جميعها.
التمتع:
يقول رحمه الله في صفة هذه الأنساك الثلاثة قال: (والتمتع هو الإحرام بعمرة من الميقات أو دون الميقات لمن كان منزله دون المواقيت، فإن فرغ منها أحرم بالحج من مكة في عامه).
هذا التمتع إحرام بعمرة، ثم التحلل منها، والإحرام بالحج من عامه، أما الإفراد الإحرام بالحج مفردا دون أن يقرن به أو يأتي معه بعمرة، وأما القران في الإحرام بهما معا هذه الصورة الأولى من صور القران، والصورة الثانية أن يحرم بالعمرة، ثم يدخل عليها الإحرام بالحج قبل الطواف، فالقران له صورتان إحرام بحج وعمرة ابتداء، وإحرام بعمرة يدخل عليها الحج هذه الصورة الثانية، وهي ما جاء في حديث عائشة أهللنا بعمرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان معه هدي، فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا» أخرجه البخاري (1556)، ومسلم (1211) ، يهل يعني يلبي فيدخل الحج على العمرة كما فعلت هي رضي الله تعالى عنها، حيث لما حاضت بسرف أمرها النبي صلى الله عليه وسلم بأن تدع العمرة، وأن تحرم بالحج فتكون قارنة، فإن أحرم بحج ثم أدخل عليه عمرة لم يصح لعدم الورود، ولأنه لا يزيد بذلك عملا، والصواب أنه لا دليل على المنع، فيصح إدخال العمرة على الحج.
قال: ولم يصير قارنا لأنه لم يرد بذلك أثر، ولا هو في معنى ما جاء به الأثر، لأن إحرامه بها لا يزيده عملا على ما لزمه بإحرام الحج، هذا التعليل الذي أشرنا إليه قبل قليل.
قال: (ولا يغير ترتيبه).
بخلاف إدخال الحج إلى العمرة، يعني فلا يجري تغيير في الترتيب، ولا زيادة عمل، ليس ثمة زيادة عمل ولا تغير في الترتيب كما لو أدخل الحج على عمرة.
قال: (ومن طاف للعمرة ثم أحرم بالحج معها لم يصح، لأنه قد أتى بمقصودها، وشرع في التحلل منها).
أي ادخال الحج على العمرة، إنما يكون قبل الشروع بالطواف، لأنه إذا شرع بالطواف لم يكن له أن يدخل الحج على العمرة.
قال: (إلا أن يكون معه هدي، فله ذلك).
لأن من ساق هديا لا يجوز له التحلل حتى ينحر هديه، لقول الله عز وجل: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196].
قال: (فلا يتحلل بطوافه، ويتعين عليه إدخال الحج إلى العمرة، ويصير قارنا بخلاف غيره).
قوله رحمه الله: (أفضل الأمثال التمتع).
هذا الذي ذهب إليه الإمام أحمد وقال به جماعة من أهل العلم، واستدلوا لذلك بما ذكر المؤلف رحمه الله من أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالإحلال، وتمنيه صلى الله عليه وسلم ذلك، وعنه أي عن الإمام أحمد، رواية أنه إن ساق الهدي، فالقران أفضل لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحل، إذ كان معه الهدي، وهذا القول مستند إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، واختار الله تعالى لنبيه هذا النسك، فدل ذلك على فضيلته.
قال رحمه الله: (والأول أصح).
يعني فضيلة التمتع مطلقا، أصح من تقريره في الرواية الثانية قال لقول النبي صلى الله عليه وسلم «لوِ استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لمَّا سُقتُ الهديَ» أخرجه البخاري (7229)، ومسلم (1211) ، ولا حللت، فيدل هذا على فضيلة المتعة، ثم ذكر من روى فضيلة المتعة، ورأى ذلك عمر وعلي وسعد، وابن عمر وحفصه وعائشة، وعمران بن حصين رضي الله تعالى عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متمتعا، وإنما منعه الحل سوق الهدي، ومعنى حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أدخل الحج على العمرة حين امتنع عليه الحل منها، ثم بعد التمتع الإفراد، أي في الفضيلة، لأنه يأتي بنسكين كاملين، والقران يقتصر على عمل الحج ثم القران بعدهما، والقران يقتصر على عمل الحج، ثم القران بعدهما.
التفضيل على المذهب التمتع، ثم الافراد، ثم القران هذا لمن لم يسق الهدي، أما من ساق الهدي فالأفضل في حقه القران، وأقرب الأقوال في هذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله من أن من اعتبر من عامه فالإفراد أفضل له، وهو مما حكى عليه الإجماع وقول الأئمة الخلفاء الراشدين، وعليه حمل نهي أبي بكر عن المتعة، ونهي عمر عن المتعة، ونهي عثمان عن المتعة.
قال: (فصل يستحب للقارن والمفرد إذا لم يكن معهما هدي).
هذا الفصل بعد تقرير الأفضلية، التمتع على غيره من الأنساك، قرر أنه يستحب للقارن والمفرد إذا لم يكن معهما هدي، وهو ما يجلب إلى الحرم من بهيمة الأنعام، تقرب بين الله تعالى بذبحها في الحرم أن يفسخ نيتهما بالحج، وينوي عمره مفردة، ويحلا من إحرامهما بطواف وسعي وتقصير، ليصير متمتعين، قال لحديث جابر المتقدم في أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بعد أن طافوا، وسعوا بالبيت أن يتحللوا، وأن يجعلوها عمرة، وروي إبراهيم الحربي أنه قال: قال سلمت ابن شبيب وهو ممن كان الإمام أحمد رحمه الله يجلهم ويرى أن لهم منزلة وعقل سأل الإمام أحمد عن قوله في تفضيل التمتع، قال سلمه بن شبيب لأحمد بن حنبل يا أبا عبد الله، كل شيء منك حسن جميل، يعني ليس موضع انكار، إلا خلة واحدة تقول بفسخ الحج فقال أحمد قد كنت أرى أن لك عقلا وهذا جواب شديد، ولعل الشدة هنا لنوع من التنبيه إلى كبير الغلط في تقبيح ما جاءت السنة بتحسينه، حيث قال رضي الله تعالى عنه عندي ثمانية عشرة حديثا صحاحًا جيادا، كلها في فسخ الحج، أي في مشروعية فسخ الحج إلى العمرة، اتركها لقولك يعني اتركها لرأيك، وهذا فيه أن كل من عارض السنة بعقله، فلا عقل له، حيث قال الإمام أحمد للرجل كنت أرى أن لك عقلا، لكن لما أورد عليه هذا تغير فيه الرأي، لأنه صادم النص بالعقل.
قال رحمه الله: أتركها لقولك هذا إنكار لما جرى، ثم قال ابن قدامه: فأما من ساق الهدي، فليس له ذلك، أي ليس له أن يتحلل بعمرة للحديث، وهو أن النبي امتنع من التحلل، ولقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196].
نقف على هذا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.