قال رحمه الله: (ولا يجب الدم إلا بخمسة شروط).
أي: لا يجب الدم بسبب المتعة إلا بشروط خمسة أحدها ألا يكون من حاضري المسجد الحرام، والدليل قول ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، ثم عرف من هم حاضروا المسجد الحرام.
قال: (وحاضر المسجد الحرام أهل الحرم، ومن بينه وبينه دون مسافة القصر).
أي من بينه وبين حد الحرم، دون مسافة قصر، وهذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله هو المذهب، وهو أن حاضري المسجد حرام هم أهل الحرم، ومن بينه وبين الحرم دون مسافة قصر، خالف في ذلك الحنفية حيث قالوا: إن من كان دون المواقيت فهو من حاضر المسجد الحرام، فمذهب الحنفية أوسع، وأضيق المذاهب في تحديد حاضري المسجد الحرام هو مذهب المالكية، حيث قصروه على أهل مكة وليس الحرم، يعني أهل مكة العامر من الحرم، وأما مذهب الشافعية فموافق لمذهب الحنابلة من أن من كان مسكنه دون مسافة القصر من الحرم، فهو من حاضري المسجد الحرام، والذي يظهر والله تعالى أعلم أن حاضري المسجد حرام هم أهل الحرم، ويلحق بهم أهل مكة الذين تجاوزوا الحرم، لأن من أحياء مكة ما هو خارج عن الحرم عن حد الحرم، فهؤلاء ملحقون بحاضري المسجد الحرام، ويترتب على هذا مسألتان:
مسألة وجوب الدم بالمتعة، ومسألة وجوب طواف الوداع.
قال رحمه الله: (الثاني).
أي من الشروط التي تشترط لوجوب الدم أن يعتمر في أشهر الحج، لأن المعتمر في غير أشهره لم يجمع بين نسكين، أي تكون العمرة في أشهر الحج، فلو كانت قبل ذلك لا يكون بذلك متمتعا، وعلل ذلك بقوله لم يجمع بين النسكين، فلم يجب عليه دم كالمفرد.
ثم قال: (ولو أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج، وحل منها في أشهره، لم يكن متمتعا).
لأن العبرة في زمن الإحرام هو الشروع فيها بالتلبية، فإذا لبى بالعمرة في آخر رمضان لم تكن عمرته في أشهر الحج، إنما عمرته عمرة رمضان من لبى قبل دخول شهر رمضان، ولو عصر آخر يوم من أيام شعبان، فإنه لا يكون بذلك قد أتى بالعمرة في رمضان.
قوله رحمه الله قال: (لأن الإحرام نسك لا تتم العمرة إلا به).
ولأنه أتى به في غير أشهر الحج، فلم يصير متمتعا كالطواف.
الثالث: (أن يحج من عامه).
أي من شروط وجوب الهدي للمتعة، أن يحج من عامه، فإن اعتمر في أشهر الحج في عام، وجعل الحج في عام آخر، لم يكن بذلك متمتعا، لتباعد الزمان.
الرابع: (ألا يسافر بينهما سفرا يقصر فيه).
لأنه إذا سافر بينهما سفرا يقصر فيه احتاجه إلى الإحرام من موضعه أو من الميقات، إذا كان يمر ميقاتا، وبذلك تنقطع المتعة، هذا من جهة المعنى، أما من جهة النقل، فاستندوا إلى ما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: إذا اعتمر في أشهر الحج، ثم أقام متمتع، فإن خرج ثم رجع، فليس بمتمتع، وظاهر كلامه أنه إذا خرج ولو كان دون مسافة قصر، لكن هم حملوا هذا الكلام على مسافة القصر.
قوله رحمه الله في التعليل: ولأنه إذا سافر لزمه الإحرام من الميقات، ومن حيث انتهى إليها، فلا يترفه بأحد السفرين، لأن لابد أن ينشئ سفرا آخر، فأشبه المفرد.
الشرط الخامس من شروط ثبوت وجوب الدم بسبب المتعة أن يحل من عمرته، فإن أحرم بعمرة، ثم أدخل عليها الحج بأن صار قارنا، لم يجب دم المتعة، وذكر الأصل في هذا حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: أهللنا بعمرة فقدمنا مكة وأنا حائض لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «انقضي رأسك وامتشطي وأهلي» أي لبي بالحج ادعي العمرة يعني دعي أعمالها، قالت: ففعلت، فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم، فاعتمرت معه، فقال: « هذه مكان عمرتكِ، فقضى الله حجها وعمرتها، ولم يكن في شيء من ذلك هدي، ولا صوم، ولا صدقة». أخرجه البخاري (317)، ومسلم (1211) .
قال: (ولأنه يصير قارنا أشبه ما لو أحرم بهما).
هنا في العبارة، في نوع من إشكال، هو قال في الشرط الخامس أن يحل من عمرته، فيدخل عليها الحج، لم يجب دم متعة، واستدل بقول عائشة رضي الله تعالى عنه، وموضع الشاهد في قولها رضي الله تعالى عنها، ولم يكن في شيء من ذلك هدي، ولا صوم ولا صدقة، قال فنفى الهدي، فدل ذلك على أنه إذا أدخل الحج على العمرة، فإنه لا يكون متمتعا تمتعا يوجب هديا، بل يكون في هذه الحال قارنا، لكن لا يجب عليه دم المتعة، وهنا إشكال وهو أن القارن يجب عليه دم، وهو في حكم المتمتع عند عامة أهل العلم، وإذا كان كذلك فكيف يسوغ ما ذكره المؤلف في قوله: لم يجب دم المتعة.
الجواب على هذا أن المقصود بقوله: لم يجب دم المتعة، أي المنصوص عليه في الآية في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] وإطلاق المتعة على القران إنما هو بالنظر إلى موافقة القران للتمتع في الجمع بين نسكين في سفر واحد، ولهذا القران فيه معنى التمتع.
قولهم رحمهم الله هنا استدلالا بحديث عائشة على أنه لا دم متعة في هذه الحال، إذا أدخل الحج على العمرة بقوله: ولم يكن في شيء من ذلك هدي ولا صوم ولا صدقة.
الجواب عنه أن النفي هنا ليس نفيا لدم المتعة، إنما لفت عائشة أن هذا الذي جرى معها من ترك أعمال العمرة وإدخال الحج على العمرة يوجب فدية، ولذلك ذكرت الهدي والصوم والصدقة، وهذه الأمور الثلاثة لم ترد في شيء مما يتعلق بالحج إلا في الفدية، فدية ارتكاب المحظور.
فقوله: ولم يكن في شيء من ذلك، أي لم يكن في هذا ما يوجب الفدية، والفدية في ارتكاب المحظور هدي أو صوم، أو صدقة على وجه التخيير، وقد ذكر ابن الملقن في قول النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن في شيء من ذلك هدي، ولا صوم، ولا صدقة استشكال، فقال ظاهره مشكل، فإنها إن كانت قارنه فعليها دم للقران عند كافة العلماء إلا داوود، وإن كانت متمتعة فكذلك، لكنها كانت هذا الذي أخرج هذه الصورة، قال: لكنها كانت فاسخة كما سلف يعني فسخت العمرة إلى الحج، كما فعل الذين كانوا قد لبوا بالحج، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يتحللوا بعمرة، ففسخوا الحج إلى العمرة، وعائشة عكست، فسخت العمرة إلى الحج، فلم تكن متمتعة، ولم تكن قارنه، لأنها لم تنوي الجمع بين النسكين، هذا ما وجه به ابن الملقن الحديث، وبه يتبين أنه يفيد إن عائشة لم تكن قارنه ولا متمتعة، وإنما أحرمت بالحج، ثم نوت فسخه في عمرة، فلما حاضت ولم يتم لها ذلك، رجعت إلى حجها، وهذا مبني على أن عائشة رضي الله تعالى عنها أحرمت ابتداء بالحج، ثم أرادت الانتقال إلى العمرة، فلما حاضت لم تتمكن من الإتيان بالعمرة، فرجعت إلى الأصل الذي بدأت به النسك وهو الحج، وهذا القول فيه نظر بالنظر إلى ما جاء عنها رضي الله تعالى عنها أنها قالت: وكنت ممن أهل بعمرة، وهذا نص أنها ابتدأت النسك بعمرة، وليس بحج، كما وجه الحديث من وجهه من أهل العلم.
قوله رحمه الله: (ولأنه يصير قارن أشبه ما لو أحرم بهما).
والقارن يجب عليه دم، قال وذكر القاضي أنه يشترط له أن ينوي في ابتداء العمرة أو أثنائها أنه متمتع لأنه جمع بين عبادتين، فافتقر إلى النية كالجمع بين الصلاتين أيشترط أن ينوي في ابتداء العمرة أو في أثنائها أنه متمتع، يعني ينوي الحج من عامه، لأنه جمع بين عبادتين، فافتقر إلى نية كالجمع بين الصلاتين، وهذا محل تأمل ونظر، فإن من أحرم بعمرة في أشهر الحج، ثم بدا له أن يحج من عامه، فهو متمتع على الصحيح، فلا يشترط لثبوت وصف المتعة أن ينوي الحج قبل شروعه في العمرة، أو في أثنائها.
قوله رحمه الله: وظاهر الآية يدل على عدم اشتراطه هذا لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196] ولم يشترط في هذا أن يكون ذلك من أول دخولهم في النسك.
قال: وظاهر الآية يدل على عدم اشتراط هذا، ولأنه يوجد التمتع بدونه والترفه بترك أحد السفرين، فلم يلزمه دم كما لو نوى، ظاهر الآية يدل على عدم اشتراط أن ينوي الحج قبل العمرة أو في اثناءها.
قال: (ولأنه يوجد تمتع بدونه).
أي بدون نية سابقة على ابتداء العمرة.
قال رحمه الله: (والترفه بترك أحد السفرين فلزمه دم كما لو ترى).
الترفه يعني إسقاط المؤونة والكلفة والتعب سواء المالي أو البدني بالتمتع، لأنه بترك أحد السفرين، والترفه بين ترك أحد السفرين، فهو إذا جمع بين الحج والعمرة تحقق له ما يتحقق للمتمتع من الترفه بترك أحد السفرين، يعني السفر الخاص بالحج أو السفر الخاص بالعمر، حيث جمعهما في سفر واحد فلزمه دم كما لو نوى.
نقف على هذا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.