كتاب الحج من كتاب الكافي

من وحتى

عداد المشاهدات : 79

التاريخ : 2026-08-04 15:39:45

  

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد:

حكم من شرع في الصوم ثم قدر على الهدي:

قوله رحمه الله: (مَن دخل في الصوم ثم قدر على الهدي).

في أول الأمر لم يكن قادرًا على الهدي، فانتقل إلى الصوم لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ[البقرة: 196]، شَرَع في الصوم ثم قدر على الهدي، ما الذي يلزمه؟ هل يقطع الصوم ويرجع للهدي أم يمضي في صيامه؟

قال: (لم يلزمه).

أي: لم يلزمه الانتقال إليه، يعني لا يلزمه أن ينتقل إلى الهدي؛ لأنه صوم شرع فيه لعدم الهدي، فلم يلزمه الانتقال عنه كصوم السبعة، وله الانتقال إليه، يعني يرخص له في ذلك، لكن ليس على وجه الوجوب. قال: (وله الانتقال إليه).

لأنه الأصل، وهو أكمل، وإن وجب عليه الصوم فلم يشرع فيه حتى قدر على الهدي ففيه روايتان: إحداهما يلزم الهدي؛ لأن الصوم استقر عليه يشبه الشارع فيه، الشارع يعني الذي ابتدأ فيه.

قال: (والثاني يلزمه؛ لأنه وجد المبدل قبل شروعه في البدل، أشبه الواجد له حال الوجوب).

والذي يظهر والله تعالى أعلم أنه يلزمه الهدي، الرواية الثانية هي الأقرب للصواب؛ لأنه وجد المبدل قبل شروعه في البدل، أشبه الواجد له حال الوجوب، فالظاهر أنه يلزمه الانتقال للهدي، هذا الظاهر.

    

 

قوله: (ويجب على القارن دم كالمتمتع).

لأنه روى عن ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهما، وأتى المؤلف في الاستدلال على وجوب الدم للقارن بآثار الصحابة، ترك الآية، لكنه أشار إلى المعنى.

قال: (ولأن القران نوع تمتع فيدخل في عموم الآية).

المؤلف قدم في الاستدلال على أنه لا يجمع على القارن دم بالاستدلال بأثرين عن الصحابة: ابن مسعود وابن عمر.

ثم قال: (ولأن القران نوع تمتع فيدخل في عموم الآية).

لأن دلالة الآية محتملة، وأما المنقول عن الصحابة فهو غير محتمل، وليس التقديم هنا والتأخير مبني على المنزلة أو قوة الدليل، وإنما بالنظر إلى ما يتعلق بما ذكرنا من أن دلالة الآية محتملة، ودلالة المنقول عن ابن مسعود وابن عمر صريحة.

قال: (ولأنه ترفه بترك أحد السفرين فلزمه دم كالمتمتع).

إذًا القران فيما يتعلق بالشروط قال: فلزمه دم كالمتمتع ويشترط أن يكون من حاضري المسجد الحرام، وحكمه حكم دم المتعة فيما ذكرنا، يعني من بقية الشروط الخمسة، هذا ظاهر، إذا حاضت المتمتعة قبل الطواف للعمرة، كما حصل مع عائشة رضي الله تعالى عنها، فخشيت فوات الحج بانتظارها الطهر حتى تطوف وتسعى وتتحلل، أحرم بالحج مع العمرة، يعني أدخل الحج مع العمرة وصار قارنا؛ لحديث عائشة المتقدم، ولأنه يجوز إدخال الحج على العمرة لغير عذر، فمع خشية الفوات أولى.

والمقصود بحديث عائشة خبرها في أنها حاضت بسرف، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بأن تترك العمرة وتُحرم بالحج.

والموفق رحمه الله وتجزئ عمرة القارن وعمرة المفرد من أدنى الحل عن عمرة الإسلام، يعني العمرة الواجبة، وعنه: لا تجزئان، والحجة في ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة لما أعمرها: «عمرتكِ هذه مكان عمرتكِ»أخرجه البخاري (1638)، ومسلم (1211) ، والصحيح الأول، وما هو الأول؟

أنها تجزئ عمرة القران وعمرة المفرد من أدنى الحل عن عمرة الإسلام.

قال رحمه الله والصحيح الأول لقول الصبي بن معبد لعمر: «إني وجدتُ الحج والعمرة مكتوبين عليّ فأهللتُ بهما» أخرجه أبو داود (1799)، والنسائي (2719)، وأحمد (83) ، يعني أهللتُ بالمكتوبتين؟

فقال عمر: «هُديت لسُنّة نبيك»، ولأنها عمرة صحيحة فكانت مجزئة كعمرة التمتع والمكي، وهذا التعليل سليم.

قال: (ولأن الحج مع تأكيده يجزئ الإحرام به من مكة، فالعمرة من أدنى الحل أولى).

وهذا يعني دليل قياسي قال: ولأن الحج مع تأكده يجزئ الإحرام به من مكة فالعمرة من أدنى الحل أولى؛ لأنه إذا كان الحج من مكة، فإباحة العمرة من أدنى الحل مع كونه خارجًا عن مكة أولى، وأما حديث عائشة فهو حجة على إجزاء إحدى العمرتين.

قوله: «هذا مكان عمرتكِ» أي إجزاء إحدى العمرتين المختلف فيهما، وهي عمرتها مع حجها التي تركتها وعمرتها بعد ذلك، ولا حجة فيه على عدم الإجزاء في الأخرى، أي في العمرة الأخرى؛ لأنه إنما أمرها من التنعيم تطييبًا لقلبها لما سألته ذلك ولم يبدأها به.

وقوله: «هذا مكان عمرتكِ» يعني العمرة المستقلة التي فاتتكِ بسبب الحيض.

    

 

قوله رحمه الله: (ويسن للمحرم التلبية).

لأن النبي صلى الله عليه وسلم لبّى ورفع صوته.

التلبية هي شعار الحاج والمعتمر، وهي زينة الحج، كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه وابن الزبير، وهي من أهم أذكار الحج والعمرة.

وأما صفتها من حيث الألفاظ، فقد بين المؤلف رحمه الله صفتها بقوله: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، وهذه هي الصيغة المحفوظة من صيغ التلبية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي صيغة متفق عليها.

وقوله في التلبية لبيك، الياء هنا للتثنية، فلبيك في اللغة مصدر لبّى بمعنى أجاب، وتطلق على لزوم المكان والإقامة فيه، فقوله: لبيك اللهم لبيك أي: أجيبك يا ربي إجابة بعد إجابة، ملتزمًا بها، وأقيم على طاعتك، فلفظ المثنى هنا في قوله: لبيك أفاد تكرير الإجابة وتكثيرها وتأكيدها، أي إجابة لك بعد إجابة.

وقد ذكر المؤلف رحمه الله جملة من المأثور عن السلف فيما يتعلق بالتلبية، وفيه أنه مما يسن في التلبية رفع الصوت؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم برفع الصوت بها، وذلك مقيد بما لا يلحقه ضررا.

قوله رحمه الله: (وتجوز الزيادة عليها).

أي على التلبية التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم، والتعليل قال: إن عمر زاد: لبيك ذا النعماء -أي صاحب النعماء والفضل الحسن-لبيك مرهوبًا -أي حال كونك مرهوبًا كما قال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ[البقرة: 40].

قال رحمه الله: ومرغوبًا أي مطلوبًا ومُرجى عطاؤك.

قال رحمه الله: وزاد ابنه –أي: ابن عمر رضي الله تعالى عنه-: لبيك وسعديك، والخير بيديك، لبيك والرغبة إليك والعمل، وزاد أنس إلى آخره ما ذكر من الزيادات، فهذا كله مما يجوز ومما يسوغ، وقد جاء إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء الصحابة فيما كانوا يلبون.

قال: وأهلَّ الناس بهذا الذي يهلون به»، ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته، وهذا وجه الدلالة فيما يتعلق بأصل المسألة، أن من أدلتها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمعهم يلبون بهذه التلبيات ولم ينكر عليهم.

قال رحمه الله: (ويستحب أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بعدها).

يعني بعد فراغه من التلبية، فإذا فرغ من التلبية، واستحب له أن يصلي على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأن يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

والأصل في ذلك ما رواه الدارقطني عن خزيمة بن ثابت أنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من تلبيته سأل الله رضوانه والجنة، واستعاذ برحمته من النار» أخرجه الدارقطني في سننه(2507)، والبيهقي (9111).

وهذا الحديث في إسناده مقال وهو ضعيف، ولذلك السُنّة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم الاقتصار على التلبية، وأما الدعاء فيدعو متى شاء، لكن لا يقرن ذلك بالتلبية، يعني لا يعتقد أنها من السنن أن يجهر بالتلبية وأن يدعو بعدها.

قالوا: ويستحب ذكر إحرامه في تلبيته، هذا ما يعرف بتسمية النسك، تعيين النسك؛ لقول أنس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لبيك عمرة وحجة» أحمد (12946) ، ولحديث عائشة: «ومنا من أهلّ بحج وبعمرة، ومنا من أهلّ بحج» أخرجه البخاري (1562)، ومسلم (1211) .

وحديث جابر: «خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع نصرخ بالحج» أخرجه مسلم (1247) .

قال: وقول ابن عباس: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يلبون بالحج، قال أحمد: إذا لبّى القارن بهما بدأ بالعمرة، قال: لبيك عمرة وحجًا لحديث أنس.

وقال أبو الخطاب: لا يستحب ذكر الإحرام فيها يعني ذكر ما أحرم به، وقول أبي الخطاب مخالف لما دلت عليه السنة، السنة أن يسمي النسك في تلبيته.

قال: يستحب البداءة بالتلبية إذا ركب راحلته، والمقصود بالبداءة بالتلبية أن يقول: لبيك اللهم لبيك، أو لبيك اللهم عمرة، أو لبيك اللهم حجًا، لما جاء في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه المشهور أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب الإحرام حين فرغ من صلاته، فلما ركب راحلته واستوت به قائمة أهل أي بالإحرام.

ويستحب رفع الصوت بها؛ لفعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه، ولقوله: أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال يعني بالتلبية، فسميت التلبية إهلالًا لأنهم يرفعون بها أصواتهم.

قال: ولا يجهد نفسه يعني في الأعمال أو في الصوت، في الصوت لا يجهد نفسه برفع صوته في ذلك لئلا ينقطع صوته فتنقطع تلبيته.

ثم قال رحمه الله: ولا ترفع المرأة صوتها إلا بقدر ما تسمع رفيقتها، وهذا محل اتفاق، حكى ابن عبد البر إجماع على أن المرأة لا ترفع صوتها بالتلبية.

وقوله: إلا بقدر ما تسمع رفيقتها فهذا يكون قريبًا من المخافتة، قال في التعليل لهذا الحكم، قال: لأنه يخاف الافتتان بها، ويستحب الإكثار منها، أي من التلبية؛ لأنها ذكر.

قال: لأنه يخاف الافتتان بها هذا التعليل.

وقوله: ويستحب الإكثار منها أي من التلبية في كل أحوال الحج أو المعتمر، لكنهم قالوا إنه يشرع أن تكون التلبية عند إجابة الداعي، أي: في المسير إلى إجابة الداعي، فمن كان قادمًا بحج أو عمرة، سواء كان من الحل أو الآفاق، فإنه يلبي حتى يصل إلى البيت ويشرع في الطواف، ثم يقطع التلبية؛ لماذا؟

لأنه وصل إلى الموضع الذي دُعي إليه، وهكذا في تنقلاته بين منى وعرفة ومزدلفة ومنى أنه يلبي عند التنقلات.

قال رحمه الله: ولأنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما من مسلم يضحي لله يلبي حتى تغيب الشمس إلا غابت ذنوبه، فعاد كما ولدته أمه، ويتأكد استحبابها في ثمانية مواضع، استحباب ماذا؟

التلبية، وجامع هذه المواضع أنها مواضع تغير أحوال أو أماكن أو أزمان، فتشرع التلبية عند تغير الحال أو المكان أو الزمان انظر قال: إذا علا نشزًا هذا الأول، هذا تغير مكان أو هبط واديًا، أو تلبس بمحظور ناسيًا فهذه حال، وفي دبر الصلوات المكتوبة هذا الزمان، وإذا التقت الرفاق هذه حال، وفي إقبال الليل والنهار، وبالأسحار هذا زمان.

قال: لأن النخعي قال: كانوا يستحبون التلبية دبر الصلوات المكتوبة، وإذا هبط واديًا، وإذا علا نشزًا، وإذا لقي راكبًا، وإذا استوت به راحلته.

قال: لأن في هذه المواضع ترتفع الأصوات ويكثر الضجيج، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل الحج العج والثج» أخرجه الترمذي(827)، وابن ماجه (2924) .

قال: وهذا حديث غريب العج: رفع الصوت، والثج: إسالة الدماء بالتقرب إلى الله تعالى بالذبح.

    

 

ثم انتقل المؤلف إلى حكم التلبية، قال: (وحكم التلبية دبر الصلوات حكم التكبير في أيام عيد النحر).

أي أن ذلك مستحب، والأصل في التلبية من حيث حكمها جماهير العلماء، وحُكي الإجماع على أن التلبية مستحبة، وقيل: بل هي واجبة، وقيل: بل هي ركن، والصواب أنها مستحبة، وليست ركنًا ولا واجبًا، فالتلبية سنة، والسنة أن يبدأ في التلبية في الحج والعمرة من الإحرام، وهذا ما أشار إليه المؤلف رحمه الله في قوله: وحكم التلبية دبر الصلوات حكم التكبير في أيام عيد النحر من جهة أنه مسنون،

وتجزئ التلبية مرة واحدة، يعني تتحقق السنة في التلبية والاسـتحباب بأن يلبي مرة واحدة؛ لعدم الأثر في تكرارها، ولا بأس بالزيادة لأنها زيادة ذكر، هذا تعليل لما ذكر من إجزاء الاقتصار على واحدة وأنه لا بأس بالتكرار.

قال: (وتستحب التلبية في المسجد الحرام)

يعني داخل المسجد ومنى وسائر مساجد الحرم وبقاعه، وهذا أحد القولين في المسألة.

والقول الثاني أنه لا يلبي في مساجد الأمصار، وأنه إذا وصل المكان الذي دعي إليه ترك التلبية.

قال: لأنها مواضع النسك، ولا يستحب إظهارها في مساجد الحل وأمصاره؛ لما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه سمع رجلًا يلبي بالمدينة فقال: إن هذا لمجنون، إنما التلبية إذا برزت يعني خرجت وسرت إلى الجهة التي دعيت إليها.

ثم قال: باب محظورات الإحرام.

نقف على هذا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 

 

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق